في مشهد يصلح لأن يكون مادة لمسلسل ساخر، أعلن الأزهر الشريف موافقته على تطبيق نظام "البكالوريا المصرية" على المعاهد الأزهرية اعتباراً من العام الدراسي 2026-2027، لتنطلق موجة من الانتقادات اللاذعة والتعليقات الساخرة التي تتراوح بين "انتحار الأزهر" و"المسمار الأخير في نعش التعليم المصري".
أثار القرار أيضاً تساؤلات بين الطلاب وأولياء الأمور بشأن مصير تنسيق كليات جامعة الأزهر، والفئات التي سيشملها النظام الجديد، وطبيعة الدراسة داخل المعاهد الأزهرية، وفي تعليق ساخر، وصف أحد المتابعين كليات الأزهر بأنها "أكشاك"، في إشارة إلى حالة الإحباط التي يعيشها البعض.
في المقابل، أكد القائم بأعمال وكيل الأزهر أيمن عبد الغني أن القرار سيطبق على الطلاب الملتحقين بالصف الأول الثانوي فقط، وأن الطلاب المقيدين حالياً بالصف الثاني الثانوي سيستكملون دراستهم وفق النظام التعليمي الحالي. وشدد على أن قطاع المعاهد الأزهرية يعكف حالياً على وضع الضوابط التنفيذية التي تضمن خصوصية التعليم الأزهري، مؤكداً أن "المواد الشرعية والعربية ستظل ركيزة أساسية لا يمكن المساس بها".
رسالة إلى شيخ الأزهر
وقدم الإعلامي تهامي منتصر "رسالة إلى شيخ الأزهر: لا للبكالوريا البغيضة" متسائلا: "الأزهر أصبح الملاذ الآمن.. فلماذا تهدموه؟"
يبدأ الإعلامي والكاتب الصحفي تهامي منتصر رسالته المفتوحة إلى فضيلة أ.د أحمد الطيب بنبرة عاطفية، مستذكراً علاقة صداقة تمتد لثلاثين عاماً، قبل أن ينتقل إلى صلب القضية محذراً من أن "البكالوريا البغيضة" تمثل تهديداً وجودياً للتعليم الأزهري.
ويستعرض منتصر الفارق الكبير بين التعليم الأزهري والتعليم العام، مشيراً إلى أن طالب الأزهر كان يدرس 23 مادة علمية في مقابل 9 مواد فقط لطالب الثانوية العامة، معتبراً أن نجاح طلاب الأزهر في ظل هذه الظروف هو "نجاح عظيم" يستحق الإشادة لا التدمير.
ويحذر منتصر من أن التعليم العام في مصر تعرض "لمؤامرة عالمية ممنهجة بقصد إسقاط الشخصية والعبقرية المصرية"، بدءاً من اختيار وزير غير متخصص، مروراً بتجارب تنظيمية فاشلة، وصولاً إلى "إسقاط هيبة المعلم وكرامته"، ويستغرب: "في هذا الجو البائس فطنت الأسر إلى أهمية الأزهر، فشهد الصيف الماضي وهذا الصيف أكبر عملية تحويل للطلاب من العام إلى الأزهر، فلماذا نقرر الآن تدمير ما تبقى؟"
ويكشف منتصر عن واقعة مثيرة، حين كان أميناً عاماً للجنة الإعلام والثقافة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، حيث دخل عليهم وزير الأوقاف الأسبق د. محمد مختار جمعة بصحبة مسؤولين، وهاجم مناهج الأزهر واتهمها بأنها "رافد أصيل للتطرف". ويقول منتصر: "صرخت في وجهه وقلت له على الملأ: أنت أزهري وأنا قبلك.. فلماذا تتهم مناهج الأزهر بالتطرف؟"
ويختتم منتصر رسالته بمطالبة شيخ الأزهر بعدم الاستجابة "لدواعي الدمج والتطوير"، قائلاً: "حصن التعليم الأزهري باعتباره تعليماً متخصصاً، فلا أحد يستطيع أن يقترب من مقررات كليات اللاهوت ولا العسكرية.. فلنا نفس الامتياز والهيبة".
المسمار الأخير
د. عبد المنعم إبراهيم سليمان، دكتور في التربية (مناهج وطرق تدريس علوم)، شغل منصب رئيس المكتب الفني ورئيس قسم العلوم بمركز تطوير المناهج من 2008 حتى 2023، ومستشار تخطيط وتدريب بمشروع تحسين التعليم التابع للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
يصف سليمان النظام الجديد بعبارات قاسية: "لخبط لخابيط"، "نظام مهترئ مستنسخ"، "تسفيه للتعليم"، "نظام هدفه البزنس في المقام الأول". ويوضح أن النظام يعتمد على "التفكير بالمحاولة والخطأ"، أي "كما يحدث يحدث".
ويسخر سليمان من تعدد أنواع البكالوريا: "بكالوريا مصرية للتعليم العام، بكالوريا تكنولوجية للتعليم الفني، بكالوريا أزهرية للتعليم الأزهري"، معتبراً أن "عدوى بكالوريا عبداللطيف انتشرت في كل المجتمع المصري كميكروب فتاك".
ويبدأ سليمان في تفكيك النظام الجديد صفاً صفاً، ويقول عن الصف الأول: "تاريخ مصر بلا جغرافية مصر": يسخر من إدراج التاريخ دون الجغرافيا، متسائلاً: "المهم أن يعرف الطالب تاريخ مصر، ولا يهم أن يعرف حدود مصر وثرواتها المعدنية والبترولية وموقعها من العالم؟"
* "العلوم المتكاملة: خلطة من الفيزياء والبيولوجي والكيمياء": يصفها بأنها "أفسدت كل شيء في العلم"، وأنها "قص ولصق من كل علم حتة".
* "اللغة الثانية والتربية الدينية خارج المجموع": يحذر من أن المواد خارج المجموع تفقد أهميتها تماماً، سواء من المعلم أو المتعلم أو ولي الأمر.
"تفكيك الكارثة: الصف الثاني البكالوريا"
* تخصص الطب وعلوم الحياة: "يختار الطالب مادة من مادتين: الرياضيات أو الفيزياء!! تصور لو اختار الرياضيات، فلن يدرس الفيزياء على الإطلاق خلال الثلاث سنوات".
* تخصص الهندسة: "يختار الطالب مادة من مادتين: كيمياء أو برمجة!! كيف للطالب في هذه المجموعة أن يدرس كيمياء ولا يدرس رياضيات؟ شغل الهندسة قائم على الرياضيات والبرمجة".
* تخصص الأعمال: "يختار الطالب مادة من مادتين: المحاسبة أو إدارة أعمال.. لا المحاسبة تغني عن إدارة الأعمال ولا العكس".
* مجموعة الآداب والفنون: "يختار الطالب مادة من مادتين: علم النفس أو لغة ثانية.. ثم أين الفنون؟"
وفي "التربية الدينية تظهر من جديد بعد اختفاء دام عاماً كاملاً": يصف هذا بأنه "خطأ تربوي ومنهجي فادح"، لأن مصفوفة المدى والتتابع لمعايير المادة لا يجب أن تنقطع عاماً ثم تظهر العام الذي يليه.
وعن اختفاء العربية والإنجليزية والفرنسية والتاريخ والجغرافيا، يتساءل ساخراً: "وأين سيذهب معلمو تلك المواد خلال عام كامل؟ هل سيظلون بلا عمل؟"
وفي "ثلاث مواد فقط في العام كله": يقترح ساخراً: "لماذا لا ندمج الصفين في صف واحد ونريح الطالب والدولة من موضوع الامتحانات واللجان؟"
"التحسين: بزنس أم تعليم؟"
ويهاجم سليمان نظام التحسين (إعادة الامتحان) بشدة، معتبراً أنه "يفتح فرص التحسين لمن يستطيع من أبناء الطبقة الغنية"، وأن الطالب يمكن أن يحصل على 100% من الدرجة بالتحسين ويتساوى مع الطالب الذي حصل على 100% من المحاولة الأولى، وهو "نوع من الظلم الاجتماعي وعدم تكافؤ الفرص".
ويخاطب سليمان شيخ الأزهر مباشرة: "بموافقتكم على بكالوريا عبداللطيف، فهذا يعني موافقتكم على تسفيه تعليم طلاب الأزهر معرفياً ومهارياً ووجدانياً، وربما دينياً وعقائدياً وشرعياً". ويحذره: "ان ما يقدم هو عبارة عن لخبط لخابيط، بمعنى سمك، لبن، زبادي، تمر هندي".
ويختتم برسالة قوية: "يا فضيلة الإمام: أنتم مسئولون عن تعليم الأزهر كله، وأي انهيار أو تدمير للتعليم سوف تتحملون مسئولية ذلك أمام الله وأمام التاريخ، اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد".
آراء أخرى
ولم تقتصر الانتقادات على تهامي منتصر ود. عبدالمنعم سليمان فحسب، بل امتدت لتشمل خبراء تربويين وأولياء أمور عبر منصات التواصل الاجتماعي، فقد وصف البعض القرار بأنه "يحتاج إلى إعادة نظر ودراسة متأنية"، مشيرين إلى أن النظام "لم يحقق النجاح المطلوب في تطوير العملية التعليمية".
وعبر منصات التواصل الاجتماعي، أبدى الكثير من أولياء الأمور تخوفهم من انعكاسات هذا التغيير على المستوى التعليمي، مطالبين بضرورة توضيح آليات الامتحانات والمواد المقررة قبل التنفيذ. ويتساءل البعض عن طريقة الامتحانات: "مقال ولا بابل شيت؟"، في إشارة إلى حالة الارتباك التي يعيشها الطلاب وأسرهم.
"المواءمة الدقيقة ضرورة"
كشف الخبير التربوي عاصم حجازي أن تطبيق هذا النظام في الأزهر يتطلب مواءمة دقيقة، موضحاً أن بعض البنود المطبقة في التعليم العام قد لا تتناسب مع طبيعة المواد الدينية التي تضاف للمجموع، وأكد أن "التخوف الحقيقي ينبع من غموض التفاصيل وعدم وضوح الرؤية لدى الأهالي"، مبيناً أن الأزهر سيعمل على ابتكار صيغة توازن بين معايير البكالوريا المصرية وخصوصية المناهج الشرعية.
ويبقى السؤال معلقاً: هل هذا القرار هو "تيسير على الطلاب" كما يصفه الأزهر، أم هو "المسمار الأخير في نعش التعليم الأزهري" كما يصفه المعارضون؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن الجدل حول "بكالوريا الأزهر" لن يهدأ قريباً، خاصة مع استمرار المخاوف من أن يكون هذا القرار هو بداية النهاية للتعليم الأزهري الذي ظل لعقود "الملاذ الآمن والأخير لطلاب مصر".