بعد توقع خفض الأسعار رغم التصدير.. “الدواجن” بين فخ الخسائر واضطرابات الأسواق

- ‎فيتقارير

يثير التساؤل حول تصدير الدواجن المصرية إلى دول مثل قطر، والإمارات، والعراق، وجيبوتي، تساؤلات مشروعة لدى المواطنين، لا سيما مع تزامن ذلك مع تراجع الأسعار المحلية،  حيث أكد محمود العناني، رئيس الاتحاد العام لمنتجي الدواجن، أن نحو 10 شركات مصرية تنتظم في تصدير الدواجن المبردة لقطر ودول أخرى، مشيراً إلى أن هذه الصادرات لا تستوعب سوى 20% فقط من إجمالي الفائض المحلي.

ويبلغ إجمالي إنتاج قطاع الدواجن التجاري في مصر نحو 1.4 مليار طائر سنوياً، يضاف إليه 320 مليون دجاجة ينتجها القطاع الريفي، بينما ارتفع إنتاج الدواجن البيضاء وحدها إلى 1.6 مليار طائر بمعدل نمو بلغ 14%.

ويعمل التصدير كصمام أمان أساسي لمنع تكدس الإنتاج المحلي الهائل، والذي يبلغ أكثر من 200 مليون دجاجة سنويًا، مما يحمي المزارع من انهيار تام وشامل في الأسعار نتيجة زيادة المعروض عن الطلب المحلي.

معضلة تراجع الأسعار وخسائر المربين

ومن جانبه، أكد ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، وسامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بالغرفة التجارية بالجيزة، أن الأسعار الحالية في المزارع والتي تتراوح بين 57 و60 جنيهًا للكيلو الواحد، لا تعكس بأي حال من الأحوال كفاءة الإنتاج، بل تخفي خلفها أزمة هيكلية عميقة تتلخص في النقاط الآتية:

 

وتشير البيانات الصادرة عن الغرف التجارية واتحاد المنتجين إلى أن تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الدواجن قد تجاوزت 105 جنيهات بحسب بعض التقديرات، بينما يوضح آخرون أنها تصل حالياً إلى نحو 68 جنيهًا، وهو ما يضع المربين في دائرة خسائر مباشرة مع كل دورة إنتاج جديدة.

 

ويرجع الانخفاض الحالي في أسعار البيع للمستهلك إلى تراجع القدرة الشرائية وضعف الطلب في السوق، وهو ما أدى إلى حالة ركود واضحة اضطرت بعض المزارع للبيع بأقل من تكلفة الإنتاج الفعلية.

وأدى هذا المأزق المالي إلى عزوف العديد من المربين عن مواصلة الإنتاج، ولجأ البعض الآخر إلى التخلص من الكتاكيت خوفاً من تفاقم الخسائر، الأمر الذي ينذر بخفض حاد في حجم المعروض المستقبلي.

الأعلاف والاعتماد على الاستيراد الخارجي

 

تعتمد صناعة الدواجن بشكل أساسي على توفر الأعلاف، وخاصة الذرة الصفراء والصويا، وهنا تبرز تحديات إضافية تتمثل فيما يلي:

 

وأثرت الأزمات الدولية سلباً على توريد الأعلاف التقليدية، مما دفع مصر إلى التوجه لزيادة واردات الذرة من أسواق بديلة لضمان استدامة قطاع الأعلاف.

 

 

وتتصدر كل من البرازيل والأرجنتين قائمة الدول الموردة للذرة، بينما دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط الإمدادات مع بدء موسم المحصول الجديد.

 

هذا في الوقت الذي تشهد فيه الأسواق المحلية تذبذبات حادة في أسعار مستلزمات الإنتاج؛ حيث قفز سعر الكتكوت الواحد من 7 جنيهات إلى 28 جنيهًا (بمعدل 3 أضعاف)، قبل أن يشهد انخفاضات مفاجئة، وهو ما يعزز انتقادات بعض المربين لوجود اختلالات أو ممارسات غير منضبطة في تسعير بورصة الدواجن.

تحديات رقابية

ولا تقتصر أزمات القطاع على الجوانب الإنتاجية والتمويلية فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الرقابي والصحي في الأسواق المصرية:

وأفرزت التحقيقات الأولية في بعض الوقائع ضبط كميات من الدواجن غير الصالحة للاستهلاك الآدمي (مثل قضية ضبط 9 أطنان من الدواجن غير الصالحة تعود لجهات استثمارية ورياضية معروفة)، مما يسلط الضوء على ضرورة تشديد الرقابة الصارمة من الجهات المعنية.

وتسعى الدولة إلى دعم المنظومة من خلال توفير تمويل ميسر لصغار المربين، وزيادة معدلات توريد الدواجن للمجمعات الاستهلاكية لضبط إق ايقاع الأسعار وحماية المستهلكين والمنتجين على حد سواء.

هل نقترب من قفزة سعرية جديدة؟

ويُجمع الخبراء ومسؤولو اتحاد الدواجن على أن استمرار الوضع الحالي يعد مؤشراً خطيراً يهدد الأمن الغذائي على المدى القريب، ويمكن تلخيص ملامح هذا التهديد في النقاط الآتية:

وإن استمرار خروج المربين من السوق بسبب الخسائر التراكمية سيؤدي حتماً إلى تراجع ملحوظ في كميات الدواجن المطروحة بالأسواق خلال الأشهر القادمة.

وبمجرد انخفاض المعروض مقابل ثبات أو تحسن طفيف في الطلب، ستشهد الأسواق موجة جديدة من ارتفاع الأسعار قد تتجاوز المستويات السابقة، مع غياب القدرة على السيطرة عليها نتيجة تقلص قاعدة الإنتاج المحلي.

وتتطلب المرحلة الراهنة تنسيقاً عاجلاً بين الجهات الحكومية واتحاد المنتجين لضمان تحديد سعر عادل يحمي المربي من الإفلاس ويحافظ في نفس الوقت على القدرة الشرائية للمواطن المصري.

ويحتل قطاع الدواجن في مصر مكانة استراتيجية بارزة كأحد أهم روافد الأمن الغذائي والاقتصاد القومي، حيث تُقدر استثمارات هذه الصناعة بنحو 100 مليار جنيه، وتوفر فرص عمل لحوالي 3 ملايين عامل. كما تضم المنظومة نحو 38 ألف منشأة تتنوع بين مزارع الإنتاج، ومصانع الأعلاف، والمجازر.

وفي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، يشهد السوق المحلي تداخلات معقدة تتراوح بين تراجع أسعار البيع للمستهلك وتحذيرات المنتجين من انهيار وشيك، مما يستدعي قراءة تحليلية دقيقة لكافة معطيات هذا القطاع الحيوي دون الحاجة لخلاصة نهائية.