برزت في فض رابعة والنهضة أسماء عسكرية قيادية لعبت أدواراً محورية في صياغة المشهد الحالي، وفرض وقائع دمويّة غير مسبوقة على الساحة السياسية والمجتمعية.
ويُعد اللواء صدقي صبحي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق ووزير الدفاع والإنتاج الحربي الأسبق، أحد أبرز هذه الشخصيات التي حفرت أسماءها في ذاكرة الأزمات العسكرية.
لقد ارتبط اسمه بمحطات مفصلية وحاسمة؛ بدءاً من المشاركة الوثيقة في التخطيط والقرار السياسي-العسكري لفض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة» في صيف عام 2013، مروراً بتوليه أعلى المناصب العسكرية وتصعيده داخل منظومة الحكم لتثبيت أركان النظام الجديد، وصولاً إلى خروجه المباغت من المشهد وتهميشه التدريجي على يد رأس الانقلاب عبدالفتاح السيسي ضمن سياسة ممنهجة للتخلص من الحلفاء والشركاء المحتملين.
صدقي صبحي وفض الاعتصام
في أعقاب الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب، الدكتور محمد مرسي، في 3 يوليو 2013، دخلت مصر مرحلة دموية ومظلمة تمثلت في عملية الفض القسري والدموي لاعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013. وفي هذا السياق المأساوي، وضع العديد من التقارير الحقوقية المحلية والدولية والشهادات الموثقة صدقي صبحي، الذي كان يشغل منصب رئيس أركان الجيش آنذاك، في قلب دائرة المسؤولية المباشرة عن التخطيط والتنفيذ الميداني والسياسي.
وأشارت منظمات حقوقية دولية بارزة، على رأسها منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، في تحقيقاتها الشاملة والموسعة حول مجزرة رابعة إلى أن عملية القتل الجماعي المنظم التي راح ضحيتها مئات المعتصمين السلميين لم تكن مجرد إجراء أمني عشوائي أو انفجار لحظي للأمور، بل كانت عملية مدبرة ومخططاً لها بعناية فائقة على أعلى مستويات القيادة العسكرية والأمنية في البلاد، وقد أُدرج اسم صدقي صبحي بوضوح ضمن كبار القادة العسكريين والسياسيين الذين ينبغي التحقيق معهم دولياً لمعرفة أدوارهم المباشرة وتحديد مسؤوليتهم الجنائية عن إراقة دماء المدنيين الأبرياء.
الاجتماعات الأمنية رفيعة المستوى والتخطيط المسبق
أثبتت شهادات ووثائق عديدة، من بينها تصريحات رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي وغيره من رموز تلك المرحلة، أن قرار الفض اتُخذ عبر مجالس أمنية ووزارية ضيقة شارك فيها صدقي صبحي بصفته الرجل الثاني في هرم المؤسسة العسكرية بعد عبد الفتاح السيسي، وذكرت تقارير استقصائية ومقالات تحليلية أعدتها منصات حقوقية مثل فريق "نحن نسجل" ومصادر أمنية مطلعة، أن صبحي حضر بانتظام الاجتماعات الأمنية رفيعة المستوى التي جرى خلالها رسم خطة الفض النهائية، وشملت تلك الخطط استخدام القوة المفرطة والمميتة، والذخيرة الحية ضد حشود بشرية سلمية، وإضرام النيران المتعمدة في الخيام والمنشآت الطبية والميدان، بهدف كسر الإرادة السياسية للمعتصمين وطمس أي آثار مادية للجريمة بكل وحشية.
زيارة الإمارات المبكرة (2013)
وبرزت تحليلات ومقاطع مرئية موثقة تشير إلى التنسيق المبكر لترتيب المشهد السياسي والعسكري والانقلاب على الشرعية؛ ومن أبرزها ما أشار إليه الباحث محمود جمال عبر منصة (X) بشأن زيارة صدقي صبحي لدولة الإمارات في فبراير 2013 لحضور معرض آيدكس للسلاح، ووُصفت تلك الزيارة بأنها المحطة المحورية التي جرى فيها التوافق الإقليمي والعسكري على ترتيبات الانقلاب على الرئيس مرسي وتأمين الدعم اللازم.
https://www.youtube.com/watch?v=7676Y4G-SVA
تؤكد هذه الشواهد أن دور صبحي لم يكن هامشياً، بل كان ركناً أساسياً في الهندسة الأمنية والعسكرية التي مهدت للفض وأمنت غطاءه الإقليمي والمحلي.
العلاقة بقائد الانقلاب
ومن الصعود والتحالف إلى الخلع والتهميش حيث تُظهر دراسة مسار العلاقة بين صدقي صبحي ورأس الانقلاب عبد الفتاح السيسي الطبيعة البنيوية للعلاقات داخل الأنظمة العسكرية الشمولية، حيث يتحول "الشركاء الأقوياء" تدريجياً وبشكل حتمي إلى "منافسين محتملين" يجب تحييدهم والتخلص منهم لضمان تفرد الحاكم المطلق بالسلطة ومقدرات الدولة.
صعود تدريجي وتحالفات
,في أغسطس 2012، أصدر الرئيس الشهيد د.محمد مرسي قراراً بتعيين عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع، وصدقي صبحي رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة المصرية.
وخلال تلك الفترة، تدرج صدقي صبحي في بناء شبكة مصالحه داخل المؤسسة العسكرية، وتشير شهادات إعلامية واستقصائية (مثل ما نقل الكاتب عادل حمودة عن كواليس كتاب "رجل الأقدار") إلى أن صبحي نقل مواقف إقليمية صريحة (مثل رفض قيادات عسكرية إماراتية لوجود الإخوان في السلطة) وأبدى استعداد المؤسسة العسكرية للتدخل متى طلب الشارع حمايتها، وهو التوجه الذي وفر الغطاء لتحركات الجيش اللاحقة.
وبعد نجاح انقلاب 3 يوليو، جرت مكافأة صدقي صبحي بترقيته في مارس 2014 إلى رتبة "فريق أول" وتعيينه وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي خلفاً للسيسي الذي استقال للترشح في الانتخابات الرئاسية الشكلية.
سيناريو خلع صدقي صبحي
وسلط الباحث محمود جمال الضوء بوضوح على توقيتات وطبيعة استبعاد الجنرالات الكبار الذين شاركوا في هندسة وتنفيذ انقلاب 2013.
ويوضح محمود جمال أن صدقي صبحي عُين وزيرًا للدفاع في عام 2014 وأكمل مع السيسي فترته الرئاسية الأولى كاملة، ولكن بعد إجراء انتخابات عام 2018 بشهور قليلة، اتخذ السيسي قراراً مباغتاً باستبعاده من منصبه وإنهاء مهامه كوزير للدفاع، في أول خطوة كبرى لتفريغ القيادة من الشركاء القدامى.
يشير تحليل محمود جمال إلى أن هذا المشهد تكرر بشكل متطابق لاحقاً مع وزير الدفاع اللاحق محمد زكي بعد انتهاء الفترة الرئاسية الثانية، في نمط هيكلي متكرر يعكس رغبة رأس النظام الدائمة في إزاحة أي شخصيات وازنة قد تمثل مراكز قوى أو بدائل محتملة ومقبولة داخل المؤسسة العسكرية، وذلك لضمان الهيمنة الفردية المطلقة وعدم ظهور أي مركز ثقل ينافس رأس السلطة.
كما يلاحظ محمود جمال من خلال رصده للمشهد العسكري والظهور البروتوكولي للقيادات السابقة (مثل حضور صدقي صبحي ومحمود حجازي لبعض الفعاليات الرسمية كاحتفالات القوات المسلحة) أن هذه اللقاءات لا تعكس بحال من الأحوال شراكة حقيقية، بل هي مظاهر تحكمها السيطرة الأمنية الصارمة لمنع أي تحرك خارج عباءة النظام أو التفكير في إعادة إنتاج مراكز قوى مستقلة.
العصابة الحاكمة
وتؤكد الشهادات المتطابقة والتقارير الصحفية الاستقصائية أن مصير صدقي صبحي بعد خروجه من وزارة الدفاع تمثل في التهميش الكامل والتحفظ الشديد على تحركاته واتصالاته، حيث تحدثت بعض التسريبات عن فرض إقامة جبرية غير معلنة أو قيود صارمة على ظهوره العام وحركته، تماماً كما جرى مع رموز أمنية وعسكرية أخرى أدت أدواراً خطيرة ثم استغنى عنها النظام بلا مبالاة.
يعكس هذا التعامل الفج وغير الودي طبيعة "العصابة الحاكمة" في مصر؛ فهي منظومة سياسية وعسكرية لا تكتفي بقمع خصومها المدنيين، بل تمتد آلتها لتلتهم شركاءها العسكريين بمجرد انتفاء الحاجة الوظيفية إليهم أو عند أدنى اشعار بوجود تهديد محتمل لهيمنة الفرد المطلق، إن مسار صدقي صبحي يجسد بوضوح كيف تتحول الشراكات العسكرية في الانقلابات إلى عقود مؤقتة تنتهي حتماً بالتخلص من الأطراف تباعاً، ليكتشف الجميع في النهاية أن سلطة الفرد الواحد لا ترحم حتى من مهدوا لها طريق الوصول إلى القمة.