في منعطف تاريخي تمر به القضية الفلسطينية، ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر 2026، يشهد المشهد السياسي حراكاً متسارعاً. يأتي هذا التحرك وسط تدهور إنساني كارثي في قطاع غزة، وضغوط إقليمية لإعادة صياغة خارطة النفوذ الفلسطيني.
بين "الوسيط الإقليمي" والمخاوف السياسية
وفي قلب هذا الحراك، يبرز اسم محمد دحلان كلاعب رئيسي يحظى باهتمام مراكز الأبحاث الغربية والإقليمية. وتشير تقارير صادرة عن مؤسسات مثل "نيولينز" إلى أن دحلان أصبح حلقة وصل محورية بين القيادة الإماراتية ومسئولين في الإدارة الأميركية والأمن الصهيوني.
وتفيد المعطيات بأن دحلان عقد اجتماعات مغلقة مع خبراء في الشرق الأوسط ومسئولين أميركيين (مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر) ومسئولين أمنيين صهاينة (مثل ديفيد زيني)، لمناقشة مستقبل غزة. ورغم نفي دحلان رغبته في العودة للعمل السياسي، إلا أن مراقبين يرون فيه خياراً تدرسه واشنطن وتل أبيب لملء فراغ الحكم في القطاع.
ومع ذلك، يواجه هذا الطرح عقبات جوهرية، أبرزها ضعف شعبيته داخل الساحة الفلسطينية. كما يرى المعارضون، أن دحلان يحمل إرثاً مثيراً للجدل، متهماً إياه بـ "خدمة الأجندة الصهيونية" والمساهمة في "خراب دول عربية".
من جهة أخرى، يرى مؤيدون مثل المغربي الإماراتي الفرنسي محمد البشاري أن دحلان يمثل فرصة "للسلام الحقيقي" بشرط تنفيذ سلسلة من الخطوات، منها سحب سلاح حماس وتشكيل حكومة تكنوقراط.
بوادر "التحالف الوطني" ومحاولات كسر الاستفراد
أعلنت مصادر فلسطينية مطلعة، من بينها "العربي الجديد"، عن توافق قوى فلسطينية على تشكيل "تحالف سياسي" لخوض الانتخابات، يضم حركة "حماس"، والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي بقيادة محمد دحلان، وتيار ناصر القدوة، وألوية الناصر صلاح الدين.
هذا التحالف، الذي يوصف بـ "غير المسبوق"، يجمع أطرافاً كانت في حالة تباعد سياسي حاد. وفي هذا السياق، يرى الإعلامي والمحلل السياسي يونس أبو جراد أننا أمام "تحالف يمكنه قلب النظام السياسي رأساً على عقب"، مؤكداً أن الحركات الوطنية قالت أخيراً "كفى" لسياسة الاستفراد بالقرار.
ويضيف أبو جراد في تغريداته أن هذا الاتحاد يضع حركة "فتح" ومنظمتها أمام "خطر حقيقي"، مشيراً إلى أن الحركات اتفقت عملياً على أن ما يجمعها أكبر مما يفرقها، في مشهد "لم يتوقعه عباس في أسوأ كوابيسه السياسية".
ويضيف أبو جراد @YunusAbujarad تحت مقدمة "لأول مرة.." ، أنه "..رغم التباين والاختلاف في الرأي والموقف من أهمية انعقاد الانتخابات في هذا التوقيت بالأساس، تدخل حركة الجهاد الإسلامي المعترك السياسي .. ويحدث تغيير حقيقي في المواقف بعد معركة صعبة خاضها ولا يزال شعبنا الأبي، ومقاومته العظيمة.. يمكننا أن نتفاءل بالوحدة والتغيير، والموقف الوطني الذي يسعى لترتيب البيت الفلسطيني.. يرفع الجميع الكارت الأحمر في وجه الخذلان والاستفراد وإدارة الظهر للشعب، والكِبر الذي يمنع أصحابه أن يكونوا قريبين قليلا من شعبهم -ولو بالتمثيل والتقمص- كما يفعل نجل الرئيس الذي يخوض المعترك السياسي لأول مرة!
حول التحالف الوطني للانتخابات التشريعية
من جانبه، يؤكد د. إسماعيل الثوابتة مدير المكتب الإعلامي للحكومة في غزة أهمية هذا المسار، معتبراً إياه "خطوة مسئولة نحو ترسيخ مبدأ العمل الوطني المشترك"، ورافضاً في الوقت ذاته أي إقصاء أو انفراد بالقرار الفلسطيني.
ويضيف الثوابتة @ismailalthwabta "تغليب المصلحة الوطنية العليا اليوم يتطلب التفافاً شاملاً حول رؤية جامعة، تحترم تضحيات شعبنا العظيمة، وتستثمرها في بناء مؤسسات وطنية قوية، متماسكة، وقادرة على تلبية تطلعاته".
ويلفت إلى أن"..التعاون البنّاء بين كافة مكونات العمل الوطني، لتجاوز أي خلافات سابقة، وفتح الباب أمام مرحلة مُشرقة تليق بصمود شعبنا، وتؤسس لمستقبل تسوده الوحدة، والحرية، والقرار المستقل".
ومن جانبه يؤكد ياسين عز الدين @yaseenizeddeen أن التحالف الوطني لخوض الانتخابات، المكون من حماس والجهاد والجبهتين الشعبية والديموقراطية وتيار دحلان ولجان المقاومة الشعبية وشخصيات مستقلة. "سيكون خطوة مهمة نحو إسقاط عملاء الاحتلال في المقاطعة، واتمنى أن يتمكن من اقناع تيار مروان البرغوثي وغيره من الفتحاويين غير الراضين عن محمود عباس وعمالته بالانضمام للتحالف، كما أتوقع انضمام مصطفى البرغوثي وآخرين أيضًا".
وأضاف، "رأيت البعض يغمز ويلمز بالتحالف ويقول لماذا هذا الطرف ولماذا ذلك الطرف، مصلحة شعبنا أن نتوحد جميعًا لإسقاط العملاء الذين وضعوا يدهم بيد الاحتلال، وبعدها يمكن لكل جماعة أن تطرح برنامجها بحرية عندما يكون شعبنا حر".
وتابع: "..فنحن تحت احتلال مزدوج، إسرائيل من جهة وعملائها في المقاطعة من جهة أخرى، والتخلص من عملاء المقاطعة خطوة نحو التخلص من إسرائيل.. في حال ألغيت الانتخابات أو تم التلاعب فيها كما يتردد فيجب على هذا التحالف أن يستمر لإسقاط العملاء بأي طريقة كانت".
وفي قراءة تحليلية مغايرة، يشير الكاتب محمود حامد العيلة إلى أن هذا التحالف ليس مجرد تقاطع ظرفي، بل هو "نتاج سياسي لتراكم طويل من سياسات محمود عباس الإقصائية وفشل مسار التسوية".
ومع ذلك، يُحذر العيلة @mahmoudaleila من واقعية مفرطة، مؤكداً أن الحقيقة الأكثر وضوحاً هي "أننا لن نشهد انتخابات ولن تُفتح صناديق الاقتراع دون موافقة خطية من صاحب اليد المرتعشة".
ويعتبر أن عباس قاد التنسيق الأمني، والإقصاء السياسي والجغرافي، ومحاصرة القرار الفلسطيني، فضلًا عن التضييق على كل أشكال المقاومة الشعبية والمسلحة في الضفة الغربية. لكن للأسف، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أننا لن نشهد انتخاباتٍ فلسطينية ولن تُفتح صناديق الاقتراع دون موافقة خطية من صاحب اليد المرتعشة.
وأكد رئيس الملتقى الوطني الفلسطيني الديمقراطي، الذي تأسس عام 2021، ووزير الخارجية الفلسطيني الأسبق ناصر القدوة، لـ"العربي الجديد"، عقد اجتماع اليوم الخميس في القاهرة لمناقشة فكرة تشكيل قائمة وطنية موسعة تضم كل الفلسطينيين، لافتاً إلى أن "جميع المشاركين في الاجتماع وافقوا على الفكرة، باستثناء الجبهة الشعبية التي طلبت المزيد من الوقت".
وبشأن المشاركين في الاجتماع، أكد القدوة "مشاركة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة، وكل من حسام بدران، وغازي حمد، ومحمود المرداوي عن حركة حماس، وعن التيار الإصلاحي القيادي من حركة فتح محمد دحلان وسمير مشهراوي، وعن الجبهة الشعبية نائب الأمين العام جميل مزهر".
وأضاف القدوة: "عندما تنتهي الجبهة الشعبية من نقاشها الداخلي حول الفكرة التي طرحناها اليوم، سنجتمع مرة أخرى". وفي سؤال حول ملامح تشكيل هذه القائمة الوطنية، قال: "ناقشنا ضرورة وجود بيان سياسي للقائمة، ومواقف ملزمة، وشخصيات وطنية واسعة، وأن تضم كل أطياف الشعب الفلسطيني".
وفازت حماس بآخر انتخابات تشريعية عام 2006، وحصلت قائمتها على 74 مقعداً من أصل 132 وقررت "الجهاد الإسلامي" المشاركة للمرة الأولى في تاريخها، بعدما قاطعت انتخابات 1996 و2006 بسبب رفضها النظام السياسي الناتج عن اتفاق أوسلو.
أما تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح الذي يقوده محمد دحلان، فيعمل بصورة مستقلة عن القيادة الرسمية للحركة بزعامة محمود عباس.
وأعادت فتح في أكتوبر 2025 ناصر القدوة، وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق وابن شقيقة ياسر عرفات بعد فصله بسبب محاولته خوض انتخابات 2021 بقائمة مستقلة.
وألوية الناصر صلاح الدين هي الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية، ولم توضح المصادر ما إذا كانت المشاركة ستكون باسم الألوية أم من خلال الإطار السياسي للجان.