تصريحات وزير الصحة حول الإنسولين تربك مرضى السكري بين نقص المستورد ووعود التصنيع المحلي

- ‎فيتقارير

أسر تخشى تغيير علاج أطفالها.. ومرضى يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير الدواء.. وتصريحات حكومية متضاربة تفتح باب القلق حول توافر أدوية السكري في مصر.

لم تكن تصريحات وزير الصحة، خالد عبد الغفار، في 10 أغسطس الجاري، بشأن تقليص الاعتماد على الإنسولين المستورد مجرد تصريح حكومي عابر بالنسبة لآلاف الأسر المصرية التي يرتبط استقرار حياة أبنائها بعبوة دواء لا يمكن الاستغناء عنها.

قال الوزير: "إن مصر لديها 4 مصانع لإنتاج الإنسولين، وإنه مش هقدر أستورد إنسولين، طالما أن المنتج المحلي متوافر، مضيفًا أن من يريد شراء المستورد يمكنه الحصول عليه على نفقته الخاصة"، مبررًا ذلك بالرغبة في توفير العملة الصعبة وتشجيع الصناعة المحلية إذا كانت المنتجات المحلية بالكفاءة نفسها.

سرعان ما أثار تصريح الوزير حالة من القلق بين مرضى السكري وأسر الأطفال المصابين بالمرض، خصوصًا مع اعتماد بعض المرضى منذ سنوات على أنواع محددة من الإنسولين، وما يرتبط بذلك من ضرورة ضبط الجرعات ومتابعة مستويات السكر عند الانتقال من مستحضر إلى آخر.

وعقب التصريح، صدرت بيانات وتوضيحات رسمية متتالية؛ إذ أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي دعم التصنيع المحلي، مع نفي أن تكون الدولة قد أوقفت استيراد أدوية السكري بصورة كاملة، بينما أعلنت هيئة الدواء المصرية عدم وجود قرار بإيقاف استيراد أدوية مرض السكري من الخارج.

وبين التصريحات والتوضيحات الرسمية، بقي السؤال الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمرضى: ماذا سيحدث للذين لا يستطيعون تغيير الإنسولين الذي استقرت عليه حالتهم؟

أم سلمى.. "أفتح درج الأدوية قبل أي حاجة"

في منزل أسرة سلمى، الطفلة البالغة من العمر 10 سنوات والمصابة بالسكري من النوع الأول، أصبح الإنسولين جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية التي لا تحتمل النقص أو التجربة.

منذ عامين، تعتمد الطفلة على أحد أنواع الإنسولين المستورد، وتقول والدتها إن الأسرة اعتادت على العلاج وجرعاته وتأثيره، ولذلك أصبحت مسألة توفير العبوات أولوية تسبق كثيرًا من احتياجات المنزل.

تقول الأم: "إن ارتفاع أسعار بعض الأنواع المستوردة وصعوبة الحصول عليها في بعض الأحيان زادا من مخاوفها، خاصة بعد تصريحات وزير الصحة بشأن تقليل الاعتماد على المستورد، مضيفة طبعًا "المستورد زي ترسيبا زاد ثمنه، ولانتوس بقى لمن استطاع إليه سبيلًا".

لكن المشكلة بالنسبة لها لا تتعلق بالسعر فقط، وإنما بالخوف من تغيير علاج طفلتها دون معرفة تأثير البديل.

وتقول: الدواء المستورد معروف بالنسبة لنا مدة مفعوله، لكن لما أغيّر لنوع محلي أنا محتاجة أعرف مفعوله هيكون قد إيه، وسوف احتاج أظبط الجرعات إزاي، وهل جسم بنتي سوف يتعامل معاه بنفس الطريقة؟

وترى الأم أن الحديث عن توفير العملة الصعبة لا ينبغي أن يأتي على حساب احتياجات المرضى، خصوصًا الأطفال الذين يعتمدون على الإنسولين بصورة مستمرة.

"يوسف جسمه مستقر.. مش هنجرب فيه"

في الجيزة، تعيش أسرة يوسف المخاوف نفسها، الطفل المصاب بالسكري من النوع الأول يستخدم حاليًا Tresiba وNovoRapid، وتقول والدته إن جسمه استقر على هذه الأنواع بعد فترة من العلاج والمتابعة.

ولهذا، فإن أي تغيير مفاجئ يمثل بالنسبة للأسرة مصدر قلق حقيقي.

تقول والدته: "أنا مريضة سكر وعارفة كويس إن الإنسولين بالنسبة لنا مش رفاهية، الإنسولين حياة، مضيفة يوسف جسمه مستقر على أنواع معينة، ومش هيقدر يستحمل تجربة وتغيير في الأدوية، خصوصًا إنه مريض سكر من النوع الأول, ولا ترفض الأسرة مبدأ التصنيع المحلي، لكنها تريد ضمانات واضحة قبل الانتقال من علاج إلى آخر".

وتقول: "نحن لا نرفض الدواء المحلي، لكن جسم ابني مش مكان للتجربة. محتاجين نكون متأكدين إن أي تغيير هيكون آمن ومناسب لحالته".

وترى أن توفير الإنسولين لا يعني فقط وجود عبوات في السوق، وإنما توفير الأنواع المناسبة لمختلف الحالات، مع ضمان الجودة واستقرار الإمدادات.

وتقول: "الطفل المصاب بالنوع الأول محتاج علاجه باستمرار، ومينفعش يبقى فيه قلق كل فترة من إن النوع اللي جسمه متعود عليه مش هيكون موجود".

أميرة.. معركة أخرى مع الكهرباء والحرارة

في محافظة البحيرة، تواجه أميرة مشكلة إضافية تتجاوز الحصول على الإنسولين نفسه، فالأسرة تضطر خلال أشهر الصيف إلى توفير ظروف تخزين مناسبة للدواء، ومع تكرار انقطاع الكهرباء تلجأ إلى شراء الثلج للحفاظ على الإنسولين من التلف، مضيفة إحنا في الصيف، وفي نفس وقت تصريحات الوزير عن وقف أو تقليل استيراد الإنسولين، نحتاج نشتري تلج كتير عشان نحافظ على الدواء، موضحة أن تلف عبوة الإنسولين يعني خسارة مالية لا تستطيع الأسرة تحملها بسهولة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. وتقول: لو الإنسولين باظ، ممكن لا أستطيع أشتري غيره، لأن ميزانية البيت بتزيد يوم عن يوم.

وبالنسبة إليها، فإن القضية لا تتعلق فقط بتوفير الإنسولين، وإنما بتوفير النوع المناسب لكل مريض، خاصة أن بعض الحالات تعتمد على مستحضرات محددة لا تتعامل معها الأسر باعتبارها قابلة للاستبدال ببساطة.

وتختصر أميرة مخاوفها في عبارة واحدة: يمكن المسؤول يشوف الموضوع أرقام واستيراد وعملة صعبة، لكن إحنا بنشوفه في أولادنا كل يوم.

ملايين المرضى أمام أزمة لا تحتمل الارتباك

تأتي هذه المخاوف في بلد يواجه عبئًا كبيرًا من مرض السكري. ووفق بيانات الاتحاد الدولي للسكري، بلغ عدد البالغين في مصر نحو 66.6 مليون شخص عام 2024، بينما قُدرت نسبة انتشار السكري بين البالغين بنحو 22.4%، أي ما يعادل نحو 13.2 مليون حالة.

ولهذا فإن أي ارتباك في ملف الإنسولين يمكن أن تكون له تداعيات واسعة، خصوصًا على مرضى السكري من النوع الأول الذين يعتمدون على الإنسولين للبقاء على قيد الحياة.

وفي أعقاب تصريحات الوزير، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وسوم تطالب الحكومة بالتحرك، من بينها #الأنسولين_خط_أحمر و#حياة_أولادنا_مش_رفاهية و**#الأنسولين_حق_مش_رفاهية.

وعبّر مرضى وأولياء أمور عن مخاوفهم من ارتفاع أسعار بعض المستحضرات المستوردة أو صعوبة الحصول عليها، بينما طالب آخرون بزيادة الإنتاج المحلي بدلًا من اتخاذ إجراءات قد تؤثر في توافر البدائل المستوردة.

هل يمكن تغيير نوع الإنسولين بسهولة؟

المشكلة التي تطرحها الأسر ليست بلا أساس طبي.

فالمستحضرات المختلفة من الإنسولين ليست بالضرورة متطابقة في خصائصها وطريقة عملها، وقد يتطلب الانتقال من نوع إلى آخر تعديل الجرعات ومراقبة مستوى السكر بصورة دقيقة.

وتشير وثائق دوائية أوروبية خاصة بـ«Lantus» إلى أن الانتقال بين بعض أنواع الإنسولين قد يستلزم تعديل الجرعة ومتابعة الحالة الأيضية للمريض خلال الفترة الأولى.

كما تشير مراجعة لمنظمة الصحة العالمية إلى محدودية الأدلة المتعلقة بسلامة وفعالية التبديل بين بعض نظائر الإنسولين المختلفة، بما يجعل التعامل مع الانتقال بين المستحضرات قرارًا طبيًا يحتاج إلى تقييم ومتابعة، وليس مجرد استبدال عبوة بأخرى.

ومن هنا تتمسك الأسر بأن يكون أي انتقال إلى منتج محلي تحت إشراف الطبيب وبضمان توافر البدائل والجودة والاستقرار العلاجي.

نواب يحذرون من تحميل المرضى تكلفة التغيير

لم تمر تصريحات وزير الصحة دون انتقادات برلمانية.

ونقلت صحيفة «الشروق» عن أعضاء في لجنة الصحة بمجلس النواب اعتراضهم على الحديث عن وقف استيراد الإنسولين، محذرين من أن الانتقال من المستورد إلى المحلي قد لا يكون مناسبًا لجميع المرضى، خصوصًا الأطفال المصابين بالسكري.

وأكدت النائبة إيرين سعيد أن اختلاف أنواع الإنسولين واستجابة المرضى لها يجعل التعامل مع الاستيراد والتصنيع المحلي بحاجة إلى دراسة دقيقة.

كما أشارت النائبة أميرة فؤاد إلى أن الإنتاج المحلي لا يغطي جميع أنواع وتركيزات الإنسولين، وطالبت بتطوير الصناعة المحلية قبل وقف الاستيراد، متسائلة عن إمكانية تحمل الدولة فارق تكلفة بعض المستحضرات بدلًا من تحميله للمريض.

وفي السياق نفسه، تقدم النائب بسام الصواف بسؤال برلماني بشأن نقص بعض الأدوية الحيوية في منظومة التأمين الصحي، متسائلًا عن كيفية الحديث عن وجود فائض من الإنسولين المحلي في الوقت الذي يشكو فيه مرضى من نقص بعض المستحضرات.

تصريحات متباينة تزيد القلق

أحد أبرز أسباب القلق لم يكن نقص الدواء وحده، وإنما التضارب في الرسائل الرسمية.

ففي الوقت الذي تحدث فيه وزير الصحة عن عدم استيراد الإنسولين وتشجيع المنتج المحلي، أكد رئيس الوزراء أن الدولة تدعم التصنيع المحلي دون أن يعني ذلك وقف الاستيراد بالكامل.

ثم أصدرت هيئة الدواء، باعتبارها الجهة المعنية بتنظيم ملف الدواء، بيانًا أكدت فيه عدم وجود قرار بإيقاف استيراد أدوية مرض السكري من الخارج.

هذا التباين دفع مرضى وصيادلة إلى التعامل بحذر مع السوق، وسط مخاوف من أن تتحول التصريحات الرسمية إلى قرارات فعلية تؤثر على توافر بعض الأنواع.

صيادلة: التصريحات أربكت السوق

تحدثت منصة «متصدقش» إلى ستة صيادلة في القاهرة وسوهاج والجيزة، وقالوا: "إن تصريحات الوزير أثارت حالة من الارتباك بشأن مستقبل بعض أدوية السكري، فيما اتجه بعض الصيادلة إلى تقليل صرف بعض المستحضرات أو تعديل الأسعار".

في المقابل، أكد مصدر في الشركة المصرية لتجارة الأدوية عدم وجود نقص في أدوية السكري داخل صيدليات الإسعاف والصيدليات التابعة لها، لكنه لم يؤكد أو ينفِ وجود نقص في أنواع محددة داخل الصيدليات الخاصة.

وأشار المصدر إلى وجود متابعة لمخزون الأدوية والمستحضرات الحيوية، مع تأكيدات رسمية بشأن وجود مخزون استراتيجي.

الإنتاج المحلي مهم.. لكن ليس على حساب المريض

ويرى علي عبد الله، رئيس مركز الدراسات الدوائية، أن تعميم الحديث عن نقص أدوية السكري في جميع الصيدليات أمر يحتاج إلى بيانات دقيقة، لكنه في الوقت نفسه اعتبر تصريحات وزير الصحة غير موفقة.

وأشار إلى أن جزءًا مهمًا من الإنسولين المنتج محليًا يعتمد على استيراد المادة الفعالة، موضحًا أن الحديث عن توطين الصناعة يحتاج إلى التفريق بين تصنيع المادة الفعالة وبين عمليات التصنيع أو التعبئة المحلية.

كما انتقد اضطرار هيئة الدواء إلى إصدار بيان لتوضيح موقف الاستيراد بعد تصريحات الوزير، معتبرًا أن مثل هذه الملفات تحتاج إلى رسالة حكومية واضحة حتى لا يتحول التصريح الرسمي إلى مصدر قلق للمرضى.

بين العملة الصعبة وحق المريض

في النهاية، تبدو القضية أكبر من خلاف حول الاستيراد أو التصنيع المحلي.

فمن حق الدولة أن تسعى إلى تقليل فاتورة الاستيراد وتوطين صناعة الدواء، لكن بالنسبة لمريض السكري، وخصوصًا الطفل المصاب بالنوع الأول، فإن الإنسولين ليس سلعة يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها إلى حين اتضاح الموقف.

التصنيع المحلي قد يكون جزءًا من الحل، لكن بشرط أن يضمن تعدد الخيارات، والجودة، والاستمرارية، والتوافر، وألا يجد المريض نفسه مضطرًا إلى تغيير علاجه بسبب قرار إداري أو أزمة في العملة الصعبة.

فبالنسبة للأسر التي تحدثت عنها الأزمة، لا يتعلق الأمر بعبوة دواء أو رقم في فاتورة الاستيراد.

إنه يتعلق بطفل يحتاج إلى حقنته في موعدها.

وبأم تفتح درج الأدوية كل صباح لتتأكد أن العبوة ما زالت موجودة.

وبأسرة تشتري الثلج في الصيف حتى لا يفسد الإنسولين.

وبمرضى يختصرون كل الجدل الرسمي في جملة واحدة:

الإنسولين حياة.. مش رفاهية.