أعاد الاجتماع العسكري المغلق السري الذي جمع قيادات عسكرية أمريكية وعربية وقيادة عسكرية من كيان الاحتلال في ألمانيا فتح أسئلة أوسع من مجرد الحرب مع إيران والحوثيين، فبالتزامن مع الاجتماع، تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا واسعًا، بينما تتواصل إجراءات أمريكية ومصرية ضد جماعة الإخوان المسلمين.
وتزداد أهمية السؤال عند وضع اجتماع ألمانيا في سياق سابقة أقدم، تحدث عنها الصحفي مجدي الجلاد قبل سنوات، وتضمنت ـ بحسب روايته ـ اجتماعًا أمنيًا في الأردن شاركت فيه أجهزة استخبارات مصرية وأمريكية وأجهزة من دول أخرى، وكان مرتبطًا بما وصفه بالتحرك لضرب جماعة الإخوان المسلمين.
ومن هنا يبرز السؤال: هل اجتماع ألمانيا مجرد اجتماع عسكري لبحث الحرب مع إيران وأمن المنطقة، أم أنه يمثل حلقة جديدة في مسار إقليمي أوسع يعيد ترتيب الملفات الأمنية والسياسية، ومن بينها ملف جماعة الإخوان؟
القيادات العسكرية على طاولة واحدة
وكشف موقع «أكسيوس» في 15 سبتمبر 2026 أن كبار القادة العسكريين من الولايات المتحدة وكيان الاحتلال وعدد من الدول العربية عقدوا اجتماعًا مغلقًا في ألمانيا خلال الأسبوع السابق، لبحث الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية، وقال التقرير: "إن الاجتماع نظمه قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر".
وبحسب القائمة التي أوردها التقرير، شارك في الاجتماع قادة عسكريون من كيان الاحتلال والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، وهذه القائمة تعني وجود سبع دول عربية إلى جانب الولايات المتحدة وكيان الاحتلال، رغم استخدام بعض العناوين أو المنشورات تعبير «ثماني دول عربية».
وتكمن أهمية الاجتماع في مستوى التمثيل؛ إذ لم يكن لقاءً سياسيًا عابرًا، بل جمع قيادات عسكرية عليا من دول عربية متباينة في علاقاتها بكيان الاحتلال، تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية.
ماذا ناقش المجتمعون؟
وفق Axios «أكسيوس»، كان الملف الإيراني في قلب الاجتماع، إلى جانب التوترات الأمنية الإقليمية، وقدم الأدميرال براد كوبر إحاطة بشأن استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، كما تحدث عن خطط تتعلق بحركة السفن عبر مضيق هرمز.
كما قدم رئيس أركان جيش كيان الاحتلال إيال زامير إحاطة للقادة المشاركين حول العمليات العسكرية على الجبهات المختلفة.
ويشير التقرير إلى أن الاجتماع يأتي في سياق توسع التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال وعدد من الدول العربية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخبارية.
الحوثيون والسعودية.. البعد الآخر للاجتماع
لم يكن الملف الإيراني وحده حاضرًا في المشهد، فقد ربط «أكسيوس» الاجتماع أيضًا بالتوتر المتصاعد مع الحوثيين، وبالمناقشات بين السعودية وكيان الاحتلال، بمساعدة القيادة المركزية الأمريكية، حول إمكانية دعم العمليات السعودية ضد الحوثيين.
وبحسب التقرير، يدور النقاش حول إمكانية تقديم كيان الاحتلال دعمًا استخباراتيًا ومعلوماتيًا للسعودية في مجالات المراقبة والاستطلاع، على غرار الدعم الذي قيل إنه قُدم للإمارات.
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن التقرير يتحدث عن مناقشات واحتمالات دعم، وليس عن قرار معلن بشن عملية عسكرية مشتركة أو عن محضر يتضمن اتفاقًا نهائيًا.
مشاركة مصر
تأتي مشاركة مصر في الاجتماع باعتبارها إحدى أكثر النقاط أهمية، خصوصًا أن رئيس أركان الجيش المصري كان ضمن القيادات المشاركة.
لكن التقرير المنشور لا يكشف ما قاله الوفد المصري داخل الاجتماع، ولا يثبت أن القاهرة وافقت على تنفيذ عمليات عسكرية لصالح كيان الاحتلال، ولا يثبت اتفاقًا مصريًا على ضرب إيران أو الحوثيين.
وبالتالي فإن حضور مصر موثق، أما طبيعة موقفها داخل الاجتماع فغير منشورة بصورة كافية.
التعاون العسكري الإقليمي
ويضع «أكسيوس» الاجتماع في سياق مسار بدأ يتوسع بعد اتفاقات أبراهام عام 2020، ثم ازداد بعد نقل كيان الاحتلال إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية.
وبحسب التقرير، ساعد هذا الترتيب على زيادة التعاون بين كيان الاحتلال ودول عربية في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي وتبادل المعلومات والإنذار المبكر.
وهذا يعني أن اجتماع ألمانيا لم ينشأ من فراغ، وإنما جاء فوق بنية تعاون أمني إقليمي موجودة بالفعل.
رواية مجدي الجلاد
لكن البحث عن رابط مع ملف الإخوان لا يبدأ من اجتماع ألمانيا. فهناك سابقة أقدم تستحق وضعها في سياق التقرير.
في تصريحات إعلامية سابقة، تحدث الصحفي مجدي الجلاد عن وجود لقاء أمني في الأردن، وقال: "إن اللقاء جمع المخابرات المصرية والمخابرات الأمريكية ومخابرات دول أخرى، وربطه بقضية كان يجري إعدادها في الخارج، وبما وصفه بأنه تحرك «لضرب الإخوان المسلمين». وقد نقل موقع «إخوان أونلاين» هذه التصريحات عن الجلاد، وأرفق بها رابطًا للفيديو الأصلي الذي كان متداولًا آنذاك".
كما توجد إعادة نشر أخرى للمادة تحت عنوان "مجدي الجلاد يكشف عن الاجتماع السري للقضاء على الإخوان".
https://x.com/12zMohamed/status/1675422896372477952
وتأتي أهمية رواية الجلاد، إذا وضعت بجوار اجتماع ألمانيا، لا تكمن في أنها تثبت وجود علاقة مباشرة بين الحدثين، وإنما في أنها تفتح احتمال وجود مسار أمني إقليمي أقدم في التعامل مع جماعة الإخوان.
ففي الرواية المنسوبة إلى الجلاد، كان الحديث عن لقاء أمني يضم مصر والولايات المتحدة وأجهزة استخبارات دول أخرى في الأردن، ويرتبط بالتحرك ضد الإخوان.
أما اجتماع ألمانيا الحالي، فهو يجمع مصر والولايات المتحدة وكيان الاحتلال وعددًا من الدول العربية على مستوى القيادات العسكرية، في ظل إعادة ترتيب أمني إقليمي واسع.
فهل تمثل اجتماعات من هذا النوع مراحل مختلفة لمسار إقليمي واحد، بدأ أمنيًا واستخباراتيًا ثم أصبح أكثر وضوحًا على المستوى العسكري.؟
ملف الإخوان في الولايات المتحدة
يأتي ذلك في وقت شهد فيه الموقف الأمريكي من جماعة الإخوان تحولًا مهمًا، ففي نوفمبر 2025 بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءات تتعلق بتصنيف فروع محددة من الجماعة في مصر والأردن ولبنان.
وفي يناير 2026 أعلنت الإدارة الأمريكية إجراءات تصنيف بحق فرعي الجماعة في مصر والأردن ضمن إطار "الإرهابيين" العالميين المصنفين بشكل خاص.
وهذا يعني أن التشدد الأمريكي تجاه الجماعة كان قائمًا بالفعل قبل اجتماع ألمانيا، وليس قرارًا ظهر للمرة الأولى بالتزامن مع الاجتماع.
التطور المصري
في سبتمبر 2026 ظهرت كذلك تقارير عن قرار قضائي مصري بتمديد إدراج جماعة الإخوان المسلمين وعدد من الأشخاص على قوائم الإرهاب لمدة خمس سنوات.
وبذلك أصبح لدينا تسلسل زمني واضح: إجراءات أمريكية بدأت في 2025، ثم تصنيف أمريكي لفروع من الجماعة في 2026، ثم استمرار الإدراج القضائي في مصر، بالتزامن مع اجتماع عسكري إقليمي واسع في ألمانيا.
في المقابل، أعلنت جماعة الإخوان المسلمين رفضها للإجراءات الأمريكية، وفي بيان أصدره د.محمود حسين، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، في 30 نوفمبر 2025، رفضت الجماعة قرار الرئيس الأمريكي بدء إجراءات تصنيفها.
وقدم البيان الجماعة باعتبارها حركة سياسية سلمية، ونفى عنها الاتهامات بالإرهاب أو استخدام العنف للوصول إلى السلطة، وربط التصنيف الأمريكي ـ بحسب رواية الجماعة ـ بموقفها من القضية الفلسطينية ورفضها لحرب كيان الاحتلال على الفلسطينيين.
كما اعتبر البيان أن القرار الأمريكي يمثل، من وجهة نظر الجماعة، استهدافًا للعمل السياسي الإسلامي وانحيازًا إلى أنظمة في المنطقة، ودعا إلى رفض ما وصفه بتجريم العمل السياسي السلمي.
وتبقى هذه الرواية الرسمية لجماعة الإخوان كما عبر عنها محمود حسين، في مقابل الرواية الأمريكية والمصرية التي تبرر إجراءاتها باعتبارات تتعلق بالإرهاب والأمن القومي.
مستويات الاستنتاج
المستوى الأول هو المؤكد: اجتماع ألمانيا وقع فعلًا، وضم الولايات المتحدة وكيان الاحتلال ومصر والأردن والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر، وناقش الحرب مع إيران والأمن الإقليمي والحوثيين.
المستوى الثاني هو الموثق كتصريح سابق: مجدي الجلاد تحدث عن اجتماع أمني في الأردن جمع المخابرات المصرية والأمريكية وأجهزة من دول أخرى، وربطه بتحرك ضد جماعة الإخوان.
أما المستوى الثالث فهو الفرضية التي تحتاج إلى إثبات: أن اجتماع ألمانيا يمثل استمرارًا مباشرًا لذلك الاجتماع السابق، وأن ملف الإخوان كان جزءًا من ترتيبات الاجتماع الألماني.
ووجود مصر في اجتماع ألمانيا ثم استمرار الإجراءات المصرية ضد الإخوان لا يثبت وحده وجود علاقة سببية، لكنه يضع الحدثين داخل بيئة سياسية وأمنية واحدة.
فمصر تتعاون عسكريًا وأمنيًا مع الولايات المتحدة، ولها علاقات أمنية متطورة مع دول الخليج، وفي الوقت نفسه تتبنى منذ سنوات موقفًا رسميًا شديدًا تجاه جماعة الإخوان آخذ في الثبات.