توسعت حكومة الانقلاب في الاستثمار العقاري وبنت الكثير من العمارات السكنية في المدن الجديدة بدون دراسات السوق او دراسات الجدوى التي يعاديها نظام الانقلاب، وعندما تشبعت السوق وزاد المعروض من الوحدات عن احتياجات السوق لجأ النظام الي أفكار تبدو في ظاهرها جيدة وعند دراستها والتدقيق في تفاصيلها تجدها أقرب الي أساليب النصب والاحتيال ولكن بشكل قانوني وتقوم بها الدولة نفسها للأسف.
تبدأ الحكاية بقسط إيجاري يبدو في متناول شريحة من المواطنين، لكن القيمة لا تبقى ثابتة طوال مدة التعاقد؛ ففي نظام "الإيجار المنتهي بالتملك" الذي طرحته وزارة الإسكان، ترتفع القيمة الإيجارية سنويًا بنسبة 10%، على مدار فترة قد تصل إلى 20 عامًا، مقابل أن تنتقل ملكية الوحدة إلى المواطن في نهاية مدة التعاقد وفق الشروط المنظمة للطرح.
وبين الزيادة السنوية، وتكلفة التمويل، والتزامات السداد، وغرامات التأخير، وشروط إلغاء التخصيص وفسخ التعاقد، يبرز السؤال الأهم بالنسبة للراغبين في الحجز: كم سيدفع المواطن فعليًا في نهاية الطريق مقابل وحدة بدأت معه كإيجار وانتهت بالتملك؟
10 آلاف وحدة في 26 مدينة
طرحت وزارة الإسكان، ممثلة في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، 10 آلاف وحدة سكنية بنظام "الإيجار المنتهي بالتملك"، بينها 5 آلاف وحدة منفذة وجاهزة للتسليم، و5 آلاف أخرى مزمع تنفيذها خلال 3 سنوات.
وتنتشر الوحدات في 26 مدينة، بمساحات تتراوح بين 57 و161 مترًا، فيما تبدأ القيمة الإيجارية الشهرية من 2535 جنيهًا وتصل إلى 14 ألفًا و687 جنيهًا، وفق بيانات الطرح.
وتخصص الوحدات من خلال القرعة العلنية بين المتقدمين المستوفين للشروط، ومن بينها ألا يقل عمر المتقدم عن 21 عامًا ولا يزيد على 45 عامًا في تاريخ التقديم، وألا يكون المتقدم أو الزوج أو الزوجة أو الأولاد القصر قد سبق لهم تملك وحدة سكنية أو قطعة أرض.
إيجار يرتفع 10% سنويًا
وتحدد كراسة الشروط آلية سداد القيمة الإيجارية، بحيث تُدفع شهريًا وتزداد بنسبة 10% سنويًا لمدة تصل إلى 20 عامًا، إلى جانب قيمة الصيانة الخاصة بالوحدة في بعض المشروعات، والتي تسدد مع الإيجار الشهري.
وتوضح الكراسة أن القيمة الإيجارية تتضمن تكلفة التمويل على مدة السداد البالغة 20 عامًا، مع اختلاف سعر الفائدة وفق قيمة الوحدة؛ إذ تبلغ 8% للوحدات التي تقل قيمتها عن مليون جنيه، و10% للوحدات التي تتراوح قيمتها بين مليون ومليوني جنيه، و12% للوحدات التي تبلغ قيمتها مليوني جنيه فأكثر.
ويرى محمد عبد الناصر، الصحفي المتخصص في أخبار وزارة الإسكان، أن ارتفاع قيمة الإيجار في بعض وحدات الهيئة مقارنة بالإيجار التقليدي يعود إلى أن المبلغ المدفوع لا يمثل مجرد مقابل للانتفاع بالوحدة، وإنما يسهم في سداد قيمة الوحدة التي يتملكها المستفيد في نهاية مدة التعاقد.
وكانت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، قد أكدت أن نظام الإيجار المنتهي بالتملك يمثل أحد المحاور التي تعمل عليها الوزارة، باعتباره بديلاً سكنيًا يوفر، وفق طرح الوزارة، مرونة تتناسب مع القدرات المالية والاحتياجات الاجتماعية لشرائح مختلفة من المواطنين إلى جانب نظم التملك التقليدية.
من 3 آلاف جنيه إلى نحو 18 ألفًا
ولتوضيح أثر الزيادة السنوية، يمكن الاستناد إلى نموذج حسابي افتراضي يبدأ بإيجار شهري قدره 3 آلاف جنيه. ووفق الحساب الذي أجراه أحمد فتحي، محاسب قانوني، فإن زيادة القيمة الإيجارية بنسبة 10% سنويًا تعني ارتفاع القسط تدريجيًا على مدار سنوات التعاقد، ليقترب في السنة العشرين من 18 ألف جنيه شهريًا.
ونشر فتحي عبر حسابه على "فيسبوك" حسابًا آخر قارن فيه بين النظام والتمويل التقليدي، واعتبر أن وحدة تبلغ قيمتها 800 ألف جنيه، والتي قد يبدأ قسطها -وفق فرضيته- من نحو 3 آلاف جنيه في أحد أنظمة التمويل، قد تصل التكلفة الإجمالية لها في نظام الإيجار المنتهي بالتملك إلى نحو 2.08 مليون جنيه خلال 20 عامًا.
وهذه الحسابات تظل نماذج افتراضية مرتبطة بالافتراضات المستخدمة فيها، ولا تمثل بالضرورة التكلفة النهائية لكل وحدة أو كل حالة تعاقدية.
السداد المعجل.. لكن بعد 5 سنوات
ولا تغلق كراسة الشروط الباب أمام الراغب في إنهاء التزامه مبكرًا، لكنها تضع ضوابط للسداد المعجل. وينص البند 16 من شروط الحجز والاشتراطات العامة على أنه لا يجوز سداد قيمة الوحدة سدادًا معجلًا بالكامل إلا بعد مرور 5 سنوات من تاريخ الاستلام، مع تطبيق القواعد المالية والمحاسبية ذات الصلة.
وبالتالي، فإن الراغب في التخلص من الالتزام قبل نهاية مدة الـ 20 عامًا لا يستطيع، وفق هذا الشرط، سداد كامل قيمة الوحدة منذ السنوات الأولى، وإنما يرتبط ذلك بالمدة المحددة في كراسة الشروط.
تكلفة أخرى عند التأخير
ولا تقتصر الالتزامات المالية على قيمة الإيجار الشهرية، إذ تلزم كراسة الشروط المستفيد بسداد القيمة في بداية كل شهر، على أن يبدأ أول سداد عند استلام الوحدة وفق المواعيد التي يحددها جهاز المدينة المختص.
كما يلتزم العميل بتقديم 21 شيكًا آجلًا لضمان سداد القيمة الإيجارية السنوية المستحقة خلال مدة التعاقد. وفي حالة التأخر عن سداد القيمة الشهرية أو مصروفات الصيانة في موعدها، تنص الكراسة على احتساب غرامة تأخير تعادل سعر فائدة البنك المركزي السارية وقت السداد، إضافة إلى 2% مصروفات إدارية و0.5% مصروفات تحصيل، وذلك من تاريخ الاستحقاق وحتى السداد.
وبذلك، فإن تكلفة التأخر لا تتوقف عند القسط المستحق، وإنما يمكن أن تضاف إليها غرامات ومصروفات وفق القواعد المحددة في كراسة الشروط.
متى يُفسخ التعاقد أو يُلغى التخصيص؟
وتضع كراسة الشروط كذلك ضوابط صارمة تتعلق باستمرار التعاقد، إذ تنص على فسخ التعاقد تلقائيًا، دون حاجة إلى تنبيه أو إنذار أو استصدار حكم قضائي، في حالة تغيير نشاط استخدام الوحدة، المحدد للاستخدام السكني فقط، مع تطبيق أحكام اللائحة العقارية وقرارات مجلس الإدارة ذات الصلة.
أما إلغاء التخصيص، فتتضمن حالاته تقديم بيانات غير صحيحة، أو طلب المخصص له الوحدة إلغاء التخصيص، أو عدم استكمال سداد التأمين المقرر بما يعادل القيمة الإيجارية لثلاثة أشهر خلال المهلة المحددة.
وتشمل الحالات كذلك عدم تقديم الشيكات الآجلة المطلوبة لضمان سداد القيمة الإيجارية السنوية، أو عدم سداد القيمة الإيجارية لشهرين متتاليين وفقًا لأسلوب السداد المحدد.
كما يمكن أن يؤدي التنازل عن الوحدة أو التصرف فيها، أو تحرير توكيلات بشأنها خلال فترة الحظر أو دون موافقة الجهة المختصة، إلى إلغاء التخصيص في الحالات التي تحددها الكراسة.
وتشمل الضوابط أيضًا تغيير الغرض المخصص للوحدة، أو عدم إشغالها، أو إشغالها من غير الشخص المخصص له خلال مدة التعاقد.
ماذا لو قورنت بالتملك بالتقسيط؟
ولإجراء مقارنة بين النظامين، أجرى عمر مخلوف حسابًا افتراضيًا استند فيه إلى سعر سابق لوحدات "سكن مصر" في مدينة المنصورة الجديدة.
وكان سعر المتر في أحد الطروحات السابقة قد بلغ 15 ألفًا و900 جنيه، لمساحات تراوحت، وفق الجداول المنشورة في 2025، بين 106 و133 مترًا.
وافترض مخلوف ارتفاع سعر المتر بنسبة 20% عن السعر السابق، ليصل إلى 19 ألفًا و80 جنيهًا. وبناءً على هذه الفرضية، يبلغ سعر وحدة مساحتها 133 مترًا نحو 2.54 مليون جنيه.
وفي سيناريو البيع بالتقسيط الذي وضعه، وبمدة سداد 7 سنوات ونظام أقساط ربع سنوية، قدر إجمالي التكلفة بنحو 4.42 مليون جنيه في نهاية فترة التقسيط، مع وصول سعر المتر في الحساب إلى نحو 33 ألف جنيه.
وفي المقابل، قدر مخلوف أن استمرار التعاقد على الوحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك لمدة 20 عامًا يرفع التكلفة الإجمالية للمتر إلى نحو 77 ألف جنيه، وفق الفرضيات التي استخدمها في المقارنة.
وتظل هذه المقارنات مرتبطة بأسعار وفوائد وافتراضات محددة، وبالتالي لا يمكن تعميمها على جميع الوحدات أو اعتبارها بديلاً عن الحساب المالي الخاص بكل وحدة وفق كراسة شروطها.
جدل واسع حول التكلفة
وأثار طرح الوحدات بنظام الإيجار المنتهي بالتملك موجة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، تركز جانب كبير منها على الزيادة السنوية في قيمة الإيجار وعلى التكلفة الإجمالية التي يتحملها المواطن حتى نهاية مدة التعاقد.
وقال كريم أمين، عبر حسابه على "فيسبوك"، منتقدًا النظام: "الإيجار التمليكي ده خازوق وكشاف على عينك"، في إشارة إلى اعتقاده بأن التكلفة النهائية لا تتناسب مع القيمة الأولية للوحدة.
كما انتقد أحمد جلال الزيادة المتراكمة في القيمة الشهرية، وضرب مثالًا بوحدة في سكن مصر بمدينة 6 أكتوبر، مشيرًا إلى أن القسط الذي يبدأ عند مستوى معين قد يرتفع بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة بسبب الزيادة السنوية.
وأضاف جلال، وفق حساباته المنشورة، أن إجمالي ما قد يدفعه المواطن على مدار فترة السداد يمكن أن يتجاوز بصورة كبيرة سعر الوحدة المتداول عند بداية التعاقد.
من جانبه، انتقد حسين إبراهيم فكرة احتساب تكلفة الوحدة على مدى 20 عامًا، معتبرًا أن السعر الذي يدفعه المواطن في النهاية قد يكون أعلى بصورة كبيرة من السعر الذي كانت عليه الوحدة عند بداية التعاقد.
وتعكس هذه التعليقات جانبًا من الجدل الشعبي حول النظام، خاصة أن المواطن لا ينظر فقط إلى قيمة الإيجار في السنة الأولى، وإنما إلى قدرته على تحمل الزيادة السنوية طوال فترة تمتد لعقدين.
هل يناسب محدودي ومتوسطي الدخل؟
وامتد الجدل إلى مجلس النواب، حيث انتقد النائب حسام حسن مدى ملاءمة بعض الوحدات المطروحة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك لمحدودي ومتوسطي الدخل.
وقال حسن إن الطرح الذي يتضمن 5 آلاف وحدة بنظام الإيجار المنتهي بالتملك قد يناسب، من وجهة نظره، شريحة فوق المتوسطة، وقدّر ملاءمته لأصحاب الدخول التي تتراوح بين 25 و30 ألف جنيه.
واستشهد النائب بوحدة من "دار مصر" تبلغ قيمة إيجارها 9 آلاف جنيه، وتحدث عن زيادة سنوية بنسبة 10%، إلى جانب فائدة 8% على قيمة الوحدة، معتبرًا أن الحساب على مدار 20 عامًا قد يرفع القيمة الإجمالية إلى أكثر من 6 ملايين جنيه في بعض الحالات.
ويرى حسن أن هذه الحسابات تطرح تساؤلات حول مدى قدرة النظام على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا للحلول السكنية المدعومة أو الميسرة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الإقبال على الوحدات لا يعني بالضرورة ملاءمتها لجميع شرائح الدخل.
السؤال الذي يسبق التوقيع
في النهاية، لا يتوقف تقييم نظام "الإيجار المنتهي بالتملك" عند قيمة الإيجار المعلنة في السنة الأولى، وإنما يمتد إلى كامل الالتزام المالي الذي يوقع عليه المواطن.
فالوحدة التي تبدأ بإيجار شهري يبدو منخفضًا نسبيًا قد ترتفع قيمتها تدريجيًا مع تطبيق الزيادة السنوية، فيما تُضاف إلى الالتزام الأساسي تكلفة التمويل والصيانة، وقد تترتب على التأخير غرامات ومصاريف إضافية.
وفي المقابل، يوفر النظام للمستفيد مسارًا ينتهي بتملك الوحدة بعد استيفاء شروط التعاقد، وهو ما يميزه عن الإيجار التقليدي الذي ينتهي بانتهاء العلاقة الإيجارية دون انتقال الملكية.
لذلك، فإن الحساب الأكثر أهمية بالنسبة للراغب في الحجز ليس فقط: "كم سأدفع هذا الشهر؟"، وإنما: "كم سأدفع خلال 20 عامًا، وهل أستطيع تحمل الزيادة السنوية حتى آخر قسط؟"