مشروع حصاد مياه الأمطار بوادي فيران بتمويل هولندي، ومشاركة الشبكة الإسلامية للمياه.
تساؤلات حول مروان الرقاد، وقيود كامب ديفيد، والبيانات الهيدرولوجية التي قد تتحول إلى مورد استراتيجي لأطراف إقليمية.
وقّعت الشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه، بالتعاون مع الجانب الهولندي، بروتوكولاً لتنفيذ مشروع حصاد مياه الأمطار في وادي فيران بجنوب سيناء، بحضور وزير الموارد المائية والري بحكومة السيسي؛ الدكتور هاني سويلم.
ويحصل المشروع على منحة هولندية تبلغ 3.7 مليون يورو، ويستهدف إنشاء 50 بحيرة جبلية لتجميع مياه الأمطار والسيول، وتوفير مصدر للمياه العذبة يخدم التجمعات البدوية، إلى جانب حماية السكان والبنية التحتية من أخطار السيول.
ولا يقتصر المشروع على البحيرات، بل يتضمن نحو 85 تدخلاً لحصاد المياه، ودعم 35 مزرعة، وتركيب محطات مناخية ذكية، وإنشاء مركز للرصد والإنذار المبكر، كما تحدثت تصريحات وزارة الري عن خطة أوسع تشمل 80 بحيرة جبلية، بواقع 50 بحيرة في الدراسة السابقة و30 إضافية ضمن الأعمال الجاري استكمالها.
وتعني هذه المكونات أن المشروع يتجاوز تجميع مياه الأمطار إلى إنتاج بيانات عن مسارات السيول وأحواض التصريف ومعدلات سقوط الأمطار والظروف المناخية وإمكانات تغذية الخزانات الجوفية.
,يثير مشروع إنشاء بحيرات جبلية لحصاد مياه الأمطار في وادي فيران بجنوب سيناء تساؤلات تتجاوز أهدافه المعلنة المتعلقة بحماية التجمعات البدوية من السيول وتوفير المياه العذبة. فالمشروع، الذي يحظى بتمويل هولندي وينفذ بالتعاون مع الشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه، يتضمن أيضاً دراسات هيدرولوجية ومحطات مناخية ذكية وأنظمة للرصد والمتابعة.
وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أن المشروع لا يقتصر على إنشاء منشآت لتجميع مياه الأمطار، بل ينتج معرفة تفصيلية عن الموارد المائية والطبيعة الجغرافية والمناخية لمنطقة استراتيجية من سيناء.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تقتصر الاستفادة من المشروع على السكان المحليين والدولة المصرية، أم يمكن أن تمتد إلى أطراف إقليمية أخرى، وفي مقدمتها حكومة الاحتلال، في ظل توجهات معلنة للتعاون المائي والزراعي بين القاهرة وتل أبيب؟
https://x.com/AJA_Egypt/status/2115426931340443844
النداء الأخير من سيناء
وفي منشور بعنوان "النداء الأخير من سيناء.. هل مشروع الـ50 بحيرة في جنوب سيناء تنمية أم اختراق ما قبل الاحتلال؟"، طرحت الكاتبة الصحفية سيلين ساري مجموعة من التساؤلات بشأن طبيعة المشروع والجهات المشاركة فيه وتوقيته وموقعه الجغرافي.
وترى الكاتبة @celin931 أن حساسية المنطقة المستهدفة تستدعي التوقف أمام ترتيبات اتفاقية كامب ديفيد، مشيرة إلى وقوع مواقع بجنوب سيناء ضمن المنطقة ج، وما يرتبط بها من قيود أمنية وسيادية.
وتتساءل عما إذا كانت طبيعة الأعمال والمواقع المستهدفة تستلزم تنسيقاً مع الجانب الصهيوني، وما إذا كانت هناك ترتيبات غير معلنة تتعلق بالمشروع.
كما تطرح تساؤلات حول الدكتور مروان الرقاد، المدير التنفيذي للشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه، وخلفيته المهنية في ملفات المياه الجوفية والمياه المشتركة والحدودية بين الأردن وحكومة الاحتلال.
وتلفت إلى أن خبرته في مجال دبلوماسية المياه والتعاون الفني الإقليمي تثير تساؤلات حول أسباب إسناد ملف مائي حساس في جنوب سيناء إلى جهة إقليمية يقودها خبير له خبرة في هذه الملفات، ومدى وجود خبرات مصرية قادرة على تنفيذ المشروع وإدارته.
أما النقطة الثالثة فتتعلق بالتمويل الهولندي البالغ 3.7 مليون يورو، وتساءلت الكاتبة عن أسباب الاعتماد على التمويل الخارجي في مشروع يقع بمنطقة ذات أهمية استراتيجية، وعن طبيعة المقابل الفني والمؤسسي لهذا التمويل.
وتتركز مخاوفها بصورة خاصة حول مكونات المشروع التي تتجاوز البحيرات إلى المحطات المناخية ومركز الرصد والإنذار المبكر والدراسات الهيدرولوجية والطبوغرافية، وما يمكن أن تنتجه من معلومات تفصيلية عن المياه الجوفية غير المشتركة وخصائص المنطقة.
وترى سيلين ساري أن هذه البيانات قد تكون ذات قيمة لأطراف إقليمية أخرى، إذا أتيحت لها إمكانية الوصول إليها أو الاستفادة منها، تحت مظلة التعاون البيئي والمائي.
وتختتم الكاتبة موقفها بالتأكيد على أن التنمية في سيناء ضرورة، لكنها تشدد على أن تداخلها مع التمويل الأجنبي والقيود الأمنية والجهات الإقليمية يستوجب الحذر والشفافية حمايةً للأمن القومي.
وهذه التساؤلات تمثل موقف الكاتبة ومخاوفها، وليست إثباتاً مستقلاً لوجود تنسيق صهيوني أو حصول حكومة الاحتلال على بيانات المشروع، كما أن تحديد المنطقة الأمنية التي تقع فيها المنشآت يتطلب نشر إحداثياتها ومقارنتها بالخرائط الرسمية لاتفاقية السلام.
https://x.com/AhramHebdo/status/2115494362498887934
استراتيجية البيانات المائية
ويلفت مراقبون إلى تجاوز أهمية المشروع كمية المياه التي يمكن جمعها؛ فالمحطات المناخية والدراسات الهيدرولوجية تستطيع تكوين صورة تفصيلية عن الطبيعة المائية والجغرافية للمنطقة.
وتشمل هذه المعرفة معدلات سقوط الأمطار، وتوقيت السيول، واتجاهات الجريان السطحي، وخصائص أحواض التصريف، ومناطق تجمع المياه، وإمكانات تغذية الخزانات الجوفية.
ويمكن لهذه المعلومات أن تخدم أغراضاً مدنية وتنموية مشروعة، مثل حماية السكان وتحسين الزراعة والتنبؤ بالسيول، لكنها تمثل أيضاً معرفة جغرافية ومائية ذات قيمة استراتيجية، خصوصاً في منطقة قريبة من الحدود الصهيونية وخليج العقبة.
وهنا تبرز أسئلة جوهرية: من يمتلك البيانات الناتجة عن المشروع؟ هل تحتفظ وزارة الري المصرية بالسيطرة الكاملة عليها؟ هل يحق للجهات الأجنبية الوصول إليها بعد انتهاء المشروع؟ وهل توجد اتفاقيات تسمح بتبادلها مع مؤسسات إقليمية أخرى؟
تعاون مائي معلن ومصالح إقليمية
ولا يبدأ الاهتمام الصهيوني بالتعاون المائي مع مصر من مشروع وادي فيران، فقد أعلنت حكومة الاحتلال في مايو 2022 توجهات لتوسيع التعاون الاقتصادي مع مصر في مجالات تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف والمياه الزراعية وتطوير تقنيات الري والبحث الزراعي.
كما تناول معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني (INSS) فرص التعاون البيئي والمائي بين البلدين في دراسة بعنوان:
From Tel Aviv to Sharm el-Sheikh: Obstacles and Keys to Environmental Peacebuilding between Israel and Egypt.
وتناولت الدراسة مقترحات للتعاون في الزراعة والمياه والطاقة، بما في ذلك إنشاء مركز للبحث والتطوير قرب معبر نيتسانا، وهذه التوجهات لا تثبت أن مشروع وادي فيران جزء من خطة صهيونية، لكنها تؤكد وجود اهتمام صهيوني معلن بتوسيع مجالات التعاون المائي والزراعي مع مصر، وهو ما يجعل مراقبة الشراكات والبيانات المتولدة عن المشروعات في سيناء أمراً مهماً.
https://www.inss.org.il/strategic_assessment/from-tel-aviv-to-sharm-el-sheikh/
مروان الرقاد والشبكة الإسلامية للمياه
وتتولى الشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه (INWRDAM) دوراً في المشروع، ويقودها الدكتور مروان الرقاد، وتعمل الشبكة في مجالات إدارة الموارد المائية وحصاد مياه الأمطار، ولديها خبرات ومشروعات في الأردن.
وتكتسب هذه الخلفية أهمية عند دراسة العلاقات المائية الإقليمية، فالأردن يرتبط بحكومة الاحتلال باتفاقية سلام لعام 1994 تتضمن ترتيبات للتعاون في الموارد المائية وتبادل المعلومات الفنية وإجراء الدراسات المشتركة.
ولا توجد في المعلومات المتاحة وثيقة تثبت مشاركة جهة صهيونية في تنفيذ مشروع وادي فيران أو حصولها على بياناته. ومع ذلك، فإن طبيعة الشراكات الفنية والحقوق المترتبة على تبادل المعلومات تستحق التوضيح الرسمي.
كامب ديفيد وحدود القيود السيادية
وأثار منشور سيلين ساري مسألة وقوع مواقع المشروع في المنطقة ج وفق الترتيبات الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد، وما إذا كان ذلك يستلزم تنسيقاً مع حكومة الاحتلال.
وتنظم اتفاقية السلام المصرية الصهيونية وملحقها الأمني انتشار القوات والأسلحة في مناطق محددة من سيناء، وتفرض قيوداً أمنية وعسكرية تختلف من منطقة إلى أخرى.
لكن هذه القيود لا تعني وجود حظر عام على المشروعات المدنية أو منشآت حصاد مياه الأمطار.
كما أن تحديد المنطقة الأمنية التي يقع فيها المشروع لا يمكن أن يتم بمجرد الإشارة إلى جنوب سيناء أو إلى خط عرض معين، وإنما يتطلب مقارنة الإحداثيات الفعلية للمنشآت بالخرائط الرسمية الملحقة بالاتفاقية.
لذلك فإن نشر المواقع والإحداثيات وتوضيح الوضع القانوني والأمني لكل منشأة مطلب ضروري.
استفادة حكومة الاحتلال
ويمكن تصور استفادة حكومة الاحتلال المحتملة عبر ثلاثة مسارات.
الأول: هو الاستفادة المعرفية، إذ إن البيانات المتعلقة بأحواض التصريف والسيول والمياه الجوفية والظروف المناخية في جنوب سيناء قد تكون مفيدة في الدراسات البيئية والإقليمية والتخطيط المائي، إذا أتيح الوصول إليها عبر قنوات تعاون أو تبادل معلومات.
والثاني: هو الاستفادة من توسيع التعاون الإقليمي، إذ إن وجود مشروعات مائية وزراعية مشتركة أو متقاربة في أهدافها قد يخلق فرصاً لتبادل الخبرات والتكنولوجيا، وهو اتجاه تتحدث عنه بالفعل دراسات ومقترحات صهيونية معلنة.
أما الثالث: فهو الاستفادة الاستراتيجية غير المباشرة من تحسين الاستقرار والتنمية في سيناء، من خلال توفير المياه للتجمعات البدوية وتحسين الظروف الزراعية والحد من مخاطر السيول، بما يعزز الاستقرار في منطقة حدودية ذات أهمية إقليمية.
لكن يجب التأكيد أن هذه مسارات محتملة للاستفادة وليست وقائع مثبتة بشأن المشروع نفسه.
تجربة سانت كاترين تؤكد أهمية حصاد مياه سيناء
سبق أن أعلنت وزارة الموارد المائية والري المصرية نجاح منشآت الحماية وحصاد مياه الأمطار، وخاصة البحيرات الجبلية المحيطة بمدينة سانت كاترين، في استيعاب السيول التي ضربت المنطقة يومي 14 و15 أغسطس 2023.
وأفادت الوزارة بأنه جرى حصاد نحو 745 ألف متر مكعب من المياه، مع حماية المواطنين والبنية التحتية من آثار السيول، وتؤكد هذه الواقعة أن حصاد مياه الأمطار في سيناء له قيمة تنموية حقيقية، وأن البحيرات الجبلية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في توفير موارد مائية محلية.
والمطلوب ليس التشكيك في كل مشروع تنموي أو اعتبار التمويل الأجنبي دليلاً على اختراق أمني، وإنما ضمان عدم تحول الشراكات الفنية والتمويلية إلى مدخل لغياب الرقابة على البيانات والموارد الاستراتيجية.
ومن حق الرأي العام معرفة الجهة المالكة لبيانات المحطات المناخية وخرائط المياه الجوفية، والجهات التي تمتلك صلاحية الوصول إليها، وطبيعة العقود الموقعة مع المؤسسات الفنية الأجنبية، وما إذا كانت هناك اتفاقات تسمح بمشاركة البيانات مع أطراف إقليمية أخرى.
كما ينبغي نشر إحداثيات مواقع البحيرات والمحطات، وتوضيح حجم الاستفادة الفعلية للتجمعات البدوية، والكميات المتوقعة للمياه التي يمكن تخزينها سنوياً، وآليات استخدامها وصيانتها.
وإنشاء البحيرات الجبلية وحصاد مياه الأمطار مشروع يمكن أن يقدم فائدة حقيقية لسكان جنوب سيناء، خصوصاً في ظل ندرة المياه وتكرار السيول وصعوبة الظروف المعيشية في التجمعات البدوية، لكن أهمية سيناء الجغرافية والاستراتيجية تجعل من الضروري التعامل مع مشروعاتها المائية باعتبارها أكثر من مجرد أعمال إنشائية.
فالمياه ليست فقط مورداً للاستهلاك والزراعة، بل إن المعلومات المتعلقة بها تمثل جزءاً من المعرفة الاستراتيجية للدولة، وحتى الآن لا دليل معلن على اختراق صهيوني لمشروع وادي فيران، لكن توجد مصالح صهيونية معلنة في توسيع التعاون المائي والزراعي مع مصر، وتوجد شراكات دولية وإقليمية تستحق معرفة حدودها وحقوق أطرافها.
الشبكة الإسلامية لتنمية وإدارة مصادر المياه:
https://www.inwrdam.org/
النص المنشور لمعاهدة السلام الأردنية الصهيونية:
https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-179122/
وزارة الخارجية الصهيونية – معاهدة السلام المصرية الصهيونية:
https://embassies.gov.il/egypt/en/node/6405
جهود وزارة الري في 2023
https://x.com/HDrDAGJHSFDG25/status/1692330308916404642