صام وأفطر على تقشف… مراقبون: استحضار “الجيش” في قرار الإظلام والغلق يستدعي القلق

- ‎فيتقارير

حذّر مراقبون من خطورة استخدام الزي العسكري في الخطاب السياسي، معتبرًا أن ظهور شخصية عسكرية لتمدح قرارات التقشف وتدعو الشعب للالتزام بها؛ يهدد صورة القوات المسلحة ويضعف ارتباط المواطنين بجيشهم، مؤكدين أن هذا الأسلوب قد يخلق فجوة بين الشعب والمؤسسة العسكرية، داعين أبناء الجيش إلى الانتباه لهذه الرسائل التي قد تُستخدم سياسيًا دون مراعاة تأثيرها على سمعة الجيش ووحدته.

وتدور التعليقات على منصات التواصل حول حالة غضب شعبي متصاعدة من أداء السلطة في مصر، وتحديدًا من ظهور شخصية عسكرية في فيديو رسمي بدا وكأنه محاولة لطمأنة الناس بأن الجيش يقف خلف السياسات الحكومية.

واعتبر بعض المعلقين أن هذا الظهور ليس بريئًا، بل محاولة لإظهار أن المؤسسة العسكرية تراقب المشهد وتريد إرسال رسالة ردع للشارع.

وقال أحد المعلقين إن “السيسي أفلس شعبيًا” وإن النظام لجأ إلى “أراجوز من حماة الوطن” ليخيف الناس ويؤكد أن الجيش متابع لما يحدث، معتبرًا أن هذا السلوك يعكس أزمة ثقة داخل النظام نفسه.

وتساءل مراقبون عن غياب الجيش عن ملفات كبرى مثل تيران وصنافير، ورأس الحكمة، ورأس جميلة، وغلق معبر رفح وفتح معبر طابا، وغاز المتوسط، وسد النهضة، واعتبر أحد المعلقين أن المؤسسة العسكرية لم تتحرك في هذه القضايا، لكنها ظهرت فقط عندما شعرت بوجود غضب شعبي قد يهدد مصالحها. وأضاف أن ما يحدث يوحي بأن “بشار جديد يتصنع”، في إشارة إلى نمط الحكم الأمني الذي يعتمد على التخويف.

 

وتناول تعليق ثان الخلفية الاجتماعية للقيادات العسكرية، معتبرًا أن أغلب الجنرالات في الجيوش حول العالم يأتون من بيئات ريفية أو عشوائية، لأن المؤسسة العسكرية تمثل بالنسبة لهم وسيلة سريعة للترقي الاجتماعي وتحسين الوضع الاقتصادي. ورأى أن هذا النمط ليس خاصًا بمصر وحدها، بل هو ظاهرة عالمية، لكنه ينعكس على طبيعة أداء المؤسسة العسكرية داخل الدولة.

وقالت منصة (عبور – OBOR)  إنه مشهد عبثي يجسد الانهيار التام لمؤسسات الدولة، يتقمص المتحدث العسكري دور "محامي الحكومة"، ليحاضر المصريين في "التقشف"، مبرراً قرارات إغلاق المحلات ليلاً وتخفيف أحمال الكهرباء، عبر مقارنات مضللة ومستفزة تدعي أن "مصر أحسن من غيرها" مستشهداً بأمريكا والإمارات.

وأكد أن ​تدخل المؤسسة العسكرية لتسويق أزمة خدمية بحتة وتبرير العجز عن إدارة ملف الطاقة، ومصر من المفترض أنها ليست في حالة حرب، لا يعكس فقط الانهيار التام للمؤسسات المدنية، بل يثبت أن النظام فقد كل مبررات بقائه ولم يعد يملك سوى الاحتماء خلف "الزي العسكري" لفرض الأمر الواقع وإسكات غضب الشارع المنهك.

وتساءل "هل أصبح زج السيسي بالمؤسسة العسكرية لتبرير فواتير الغاز وقراراته الفاشلة هو الإعلان الرسمي لإفلاس نظامه التام؟".

تسويق التقشف

وتساءل المحلل السياسي والكاتب قطب العربي @kotbelaraby عن "لماذا سارع الجيش المصري لتسويق سياسات التقشف؟" موضحا أن تسارع الجيش المصري إلى تسويق سياسات التقشف الجديدة أثار تساؤلات واسعة، إذ إن من الطبيعي أن تتولى الحكومة تبرير قراراتها الاقتصادية المؤلمة، لكن غير المعتاد هو دخول المؤسسة العسكرية على الخط بهذه السرعة. هذا التدخل لا يحدث عادة إلا في حالات الضرورة القصوى، إما لأن الحكومة عاجزة عن إقناع الناس، أو لأن الجيش يشعر بأن هذه السياسات قد تهدد استقرار النظام الذي أنتجه ويرعاه منذ 2013.

وأشار إلى أن السياسات التقشفية الأخيرة شملت إغلاق المحال والمطاعم ومراكز التسوق ودور السينما والمسارح في التاسعة مساء، وتقليل الإضاءة في الشوارع، وخفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية، وتطبيق العمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعيًا. كما تضمنت رفعًا تدريجيًا لأسعار الوقود والكهرباء وتقليص الدعم، إلى جانب إدارة مرنة لسعر الصرف وتوسيع الإيرادات الضريبية، في محاولة لاحتواء أزمة العملة وتقليل عجز الموازنة. وتأتي هذه الإجراءات رغم أن مصر ليست طرفًا في الحرب الخليجية التي تُستخدم ذريعة لتبريرها.

وأوضح أنه مع تصاعد الغضب الشعبي تجاه هذه القرارات، أدركت الأجهزة الأمنية أن الأمور قد تنفلت، وأن السيطرة على الشارع ستكون صعبة إذا انفجر الغضب. لذلك نشر المتحدث العسكري فيديو يبرر فيه الإجراءات باعتبارها نتيجة ظروف قهرية فرضتها الحرب، وأن دولًا أخرى اتخذت إجراءات مشابهة. الرسالة الضمنية كانت واضحة: الجيش حاضر ومستعد لمواجهة أي تحرك شعبي ضد هذه السياسات.

 

وأكد أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر ليست وليدة الحرب، بل نتيجة تراكم سياسات فاشلة أغرقت البلاد في ديون خارجية بلغت 165 مليار دولار، ومثلها تقريبًا ديون داخلية. وقد تضاعفت الديون الخارجية أربع مرات في عهد السيسي، وأصبحت تلتهم 60% من الموازنة العامة. كما أن مصر مطالبة هذا العام بسداد 50 مليار دولار كأقساط وفوائد. هذه الديون جاءت نتيجة مشروعات كبرى لم تكن أولوية تنموية، وبعضها كان هدفه رفع الروح المعنوية للشعب كما قال السيسي نفسه. ونتيجة لذلك انهار الجنيه من 7 جنيهات للدولار إلى 54 جنيهًا، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة.

وشدد في مقاله الذي نشره على منصته على فيسبوك على أن السيسي يحكم مصر منفردًا منذ 2013، وادعى أنه درس الدولة لمدة 50 عامًا قبل أن يتولاها، لكن النتيجة كانت اقتصادًا هشًا يعتمد على معونات الخليج التي تجاوزت 50 مليار دولار في سنوات حكمه الأولى، وعلى الاستثمارات الخليجية التي وفرت مبالغ ضخمة مثل صفقة رأس الحكمة (35 مليار دولار) التي غطت استحقاقات ديون عاجلة. اليوم تتصاعد أزمة الثقة بين دول الخليج ونظام السيسي، كما أن اقتصادات الخليج نفسها تعرضت لخسائر تجاوزت 165 مليار دولار بسبب الحرب، وهي مرشحة للزيادة مع استمرار الضربات الإيرانية. هذا سيدفع تلك الدول إلى التركيز على إعادة إعمار منشآتها وتقليص استثماراتها الخارجية، خاصة في مصر، ووقف مشروعات كثيفة العمالة، ما يعني عودة أعداد كبيرة من العمالة المصرية وتقليص تدفقات الاستثمار.

وأبان أنه إذا كانت حرب استمرت شهرًا واحدًا قد فرضت كل هذه التداعيات على الاقتصاد المصري، فماذا لو طالت الحرب أو توسعت؟ قناة السويس خسرت 60% من إيراداتها بسبب هجمات الحوثيين خلال حرب غزة، وقد تخسر المزيد إذا أُغلق باب المندب مجددًا. كما توقف توريد الغاز الإسرائيلي إلى مصر، واضطرت القاهرة للحصول على مليون برميل نفط عاجل من ليبيا لتعويض النقص. وتراجع الجنيه مجددًا، وسط توقعات من مؤسسة ستاندرد آند بورز بمزيد من الانخفاض. ومن المتوقع أيضًا تراجع تحويلات المصريين في الخارج، وارتفاع تكاليف الاستيراد والغذاء، ما يزيد الأعباء الاجتماعية والمعيشية.

وخلص إلى أن هذه الأزمات الحالية والمتوقعة لا يمكن نسبتها فقط للحرب كما يفعل النظام، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات استعراضية فاشلة لم تبنِ اقتصادًا قويًا قادرًا على مواجهة الأزمات، على عكس دول أخرى مرت بظروف مشابهة وخرجت منها أكثر صلابة.