لم تعد أزمة القروض المتعثرة في مصر مجرد أرقام متناثرة في بيانات البنوك، بل تحولت إلى مشهد كامل يكشف حجم الغياب الرقابي داخل القطاع المصرفي، وعلى رأسه البنك المركزي المصري، الذي بدا وكأنه نائم عن متابعة قروض ضخمة لم تذهب إلى مشروعات إنتاجية بقدر ما ذهبت إلى رجال أعمال يعيشون في دائرة الرفاهية. فالقصة لم تعد تتعلق فقط بمديونية رجل الأعمال محمد الخشن التي تجاوزت 40 مليار جنيه، بل اتسعت لتشمل مديونية أخرى لا تقل صدمة، وهي مديونية الفنان ورجل الأعمال عماد زيادة وشقيقه، التي وصلت إلى ما بين 11 و14 مليار جنيه، وفق ما نشرته حسابات عديدة على منصة X، أبرزها حساب Eman (@Mmeyn7070) الذي وثّق جانبًا من نمط الحياة الفارهة لزيادة، رابطًا ذلك بحجم القروض المتعثرة، فقال: إن عربية من عربيات الحاج عماد زيادة بوجاتي بـ217 مليون جنبه.. رولز رايس بـ3000 ماسه بـ37 مليون .. عليهم قروض هو وأخوه بـ14 مليار جنيه .. الغريبة بقي إن خالهم محمد الخشن عليه 40 مليار جنيه ودي فلوس مودعيين فلوس ناس "
https://x.com/Mmeyn7070/status/2040871492888510624
وتصدّر اسم عماد زيادة واجهة الأزمة خلال الأيام الماضية، بعدما كشفت تقارير مصرية عن تعثر شركته "أويلكس" في سداد مديونية ضخمة لعدد من البنوك، في وقت كان فيه الرأي العام يتساءل عن كيفية حصوله وشقيقه على قروض بمليارات الجنيهات، بينما تنتشر صور سياراته الفارهة من طراز بوجاتي ورولز رويس. وفي الخلفية، يلوح اسم خاله محمد الخشن، مالك شركة "إيفرجرو"، الذي يواجه بدوره مديونية أكبر بكثير، تجاوزت 40 مليار جنيه، ما جعل كثيرين يربطون بين الحالتين باعتبارهما نموذجًا واحدًا لغياب الرقابة وضعف تقييم المخاطر الائتمانية.
وتحوّل هذا الملف إلى مادة نقاش واسعة على منصات التواصل، حيث كتب حساب عفريتكو (@SAGER160) أن قصة الخشن وابن أخته تكشف خطورة الاستدانة المفرطة في اقتصاد قائم على الديون والأموال الساخنة، وأن انهيار العملة جعل فوائد القروض تتضخم بشكل غير مسبوق، بينما ظل البنك المركزي غائبًا عن المشهد. وفي الوقت الذي تتحدث فيه البنوك عن ضمانات وإعادة هيكلة، يتساءل الرأي العام عن كيفية تراكم هذه المديونيات دون تدخل مبكر، وعن مسئولية الجهات الرقابية في حماية أموال المودعين.
وهكذا، أصبحت أزمة قروض عماد زيادة وخاله الخشن عنوانًا لمرحلة كاملة من الاضطراب المالي، حيث تتداخل القرارات المصرفية مع غياب الرقابة، وتتضخم القروض في ظل اقتصاد يعاني من ارتفاع الفائدة وتراجع قيمة الجنيه، بينما يبقى السؤال الأهم: كيف حصل هؤلاء على هذه المليارات، وأين كان البنك المركزي طوال هذا الوقت؟
ورغم هذه القروض الهائلة جدا لم تصل الأمور مع البنك المركزي أو البنوك المقرضة بعد إلى مرحلة الحجز القضائي النهائي، حيث تتواصل المفاوضات مع مستثمر محتمل لإنقاذ الشركة وسداد المديونية.
ويُعد عماد زيادة (مواليد 1974) أحد الوجوه البارزة التي جمعت بين عالم الأعمال والفن، حيث بدأ مسيرته التجارية في تجارة السيارات والزيوت، ثم دخل مجال التمثيل مؤخرا بقوة، فقد لعب أدوارا بارزة في مسلسلات مثل "نعمة الأفوكاتو" وغيرها، واشتهر بامتلاكه مجموعة سيارات فارهة نادرة.
ويأتي تعثر عماد زيادة في سياق أوسع من الضغوط الاقتصادية التي يواجهها قطاع الأعمال في مصر خلال 2025-2026، وأبرزها ارتفاع أسعار الدولار والمواد الخام المستوردة، وزيادة تكاليف الطاقة والتمويل بعد قرارات البنك المركزي برفع أسعار الفائدة، وصعوبة بعض الشركات في سداد الديون بالعملة الأجنبية أو جدولتها بسبب تقلبات سعر الصرف.
البداية في 2022
وتساءل مراقبون عن المديونية قبل سنوات، منذ نشر جريدة المال تقريرها في يونيو 2022 حول سعي شركة «إيفرجرو» للحصول على تمويل بقيمة 900 مليون جنيه من تحالف مصرفي بقيادة البنك الأهلي المصري والبنك العربي الأفريقي، بدا أن الشركة تواجه أزمة سيولة تحتاج إلى دعم مرحلي لتغطية رأس المال العامل. التقرير أشار بوضوح إلى أن الشركة كانت في مرحلة إعادة جدولة مديونيات بالجنيه المصري تمتد إلى 13 عامًا، وهو ما يعني أن التعثر كان قائمًا بالفعل، لكن لم يكن هناك أي إشارة إلى حجم المديونية الحقيقي أو مدى عمق الأزمة المالية داخل الشركة. في ذلك الوقت، كان الانطباع العام أن الشركة قوية لكنها تحتاج إلى تمويل إضافي، وأن البنوك تتعامل معها باعتبارها حالة طبيعية من حالات إعادة الهيكلة.
والخلل بحسب مراقبين، لا يتوقف عند البنوك وحدها، بل يمتد إلى البنك المركزي الذي يفترض أن يكون الجهة الرقابية الأعلى القادرة على اكتشاف مثل هذه المخاطر مبكرًا. فالمركزي مسئول عن متابعة منح القروض الكبرى، وعن التأكد من التزام البنوك بقواعد تقييم الجدارة الائتمانية، وعن التدخل عند وجود مؤشرات تعثر. لكن ما حدث يشير إلى أن المركزي لم يمارس دوره الرقابي بالشكل الكافي، أو أنه اعتمد على بيانات غير مكتملة قدمتها البنوك، أو أنه لم يتدخل في الوقت المناسب لوقف تضخم المديونية. وهذا يثير تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة المصرفية في مصر خلال تلك الفترة، خصوصًا في ظل اقتصاد يعاني من ارتفاع الفائدة وتراجع قيمة الجنيه.
في النهاية، فإن خبر جريدة المال عام 2022 لم يكن مجرد تقرير اقتصادي عابر، بل كان بداية خيط يكشف عن أزمة أعمق بكثير. فبين البحث عن 900 مليون جنيه في 2022، واكتشاف مديونية 40 مليار جنيه في 2026، ظهرت فجوة ضخمة لا يمكن تفسيرها إلا بوجود خلل إداري ورقابي، وربما فساد في إدارة القروض الكبرى. هذه الأزمة لا تخص شركة واحدة، بل تكشف عن مشكلة بنيوية في القطاع المصرفي المصري، وعن ضرورة إعادة النظر في آليات منح القروض ومتابعتها، وفي دور البنك المركزي كجهة رقابية يفترض أن تمنع مثل هذه الكوارث قبل وقوعها.
"إيفرجرو" نموذجا للشركات المتأثرة
وفي إطار أوسع، تناول (مركز رع للدراسات) في تقرير للباحثة رضوى محمد سعيد تأثير الأزمات الاقتصادية على القدرات المالية للشركات، مشيرًا إلى أن سياسة التشديد النقدي بين 2022 و2024 رفعت أسعار الفائدة إلى مستويات تجاوزت 22–25%، قبل أن تبدأ الدولة سياسة التيسير النقدي في أبريل 2025. وأوضح التقرير أن ارتفاع الفوائد يضعف إنتاجية الشركات ويستنزف عوائدها، وأن الأزمات العالمية منذ 2020 أثرت على سلاسل الإمداد، خصوصًا مع اضطرابات البحر الأحمر، مما أضعف قدرة الشركات على الوصول للأسواق.
واستعرض التقرير نموذج شركة إيفرجرو باعتبارها من أكبر الشركات المتأثرة، موضحًا أنها تأسست عام 2006 وتمتلك أربعة مصانع كبرى، وتوظف أكثر من 5000 عامل، وتبلغ قيمة مبيعاتها السنوية نحو 12 مليار جنيه، منها صادرات بقيمة 120 مليون دولار. وأشار إلى أن القيمة الاستبدالية لأصول الشركة تبلغ 62 مليار جنيه، وأن استثماراتها تتجاوز 35 مليار دولار. كما أوضح أن مديونية الشركة ارتفعت من 11.8 مليار جنيه في 2021 إلى نحو 40 مليار جنيه في 2026، نتيجة تدهور سعر صرف الجنيه مقابل الدولار، مما ضاعف قيمة القروض الأجنبية والفوائد التراكمية.
وبحسب التقرير، فإن أصول الشركة تغطي المديونية وأكثر، مما رفع درجة الأمان لدى البنوك الاثني عشر المتعاملة معها، ودفعها لاتخاذ إجراءات رهن عقاري للأصول، مع ضرورة تجديد تعاقدات التسوية للحفاظ على صناعة استراتيجية تخدم الأمن الغذائي. كما أشار التقرير إلى أن الشركة كانت تبحث منذ 2022 عن تمويلات جديدة، حيث ذكرت صحيفة "المال" في 14 يونيو 2022 أن تحالفًا مصرفيًا بقيادة البنك الأهلي المصري والبنك العربي الأفريقي كان يدرس تدبير قرض بقيمة 900 مليون جنيه لتمويل رأس المال العامل، مع إعادة جدولة مديونيات بالجنيه لمدة تصل إلى 13 عامًا.
شبكة نفوذ وفساد
ظهور أزمة عماد زيادة وشقيقه في الفترة نفسها، بمديونية تتراوح بين 11 و14 مليار جنيه، زاد من حدة الشكوك، لاسيما وأن "زيادة" هو ابن أخت محمد الخشن، وكلاهما حصل على قروض ضخمة من بنوك مصرية، وكلاهما تعثر في السداد في الفترة نفسها. هذا الترابط العائلي والمالي جعل الجمهور يتساءل عما إذا كانت هناك شبكة نفوذ واحدة حصلت على تمويلات بمليارات الجنيهات دون رقابة حقيقية، أو ما إذا كانت البنوك تمنح القروض بناءً على العلاقات الشخصية لا على الدراسات الائتمانية. انتشار صور سيارات عماد زيادة الفارهة على منصات التواصل الاجتماعي زاد من غضب الرأي العام، لأنه كشف فجوة كبيرة بين نمط الحياة الذي يعيشه وبين وضع شركاته المتعثرة.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح بحسب محللين، من الصعب تجاهل شبهة الفساد أو على الأقل الفساد الهيكلي داخل المنظومة المصرفية. فالفساد هنا لا يعني بالضرورة وجود سرقة مباشرة، بل يعني وجود خلل في طريقة منح القروض، وغياب للشفافية، وتضارب في المصالح، وتراخٍ في الرقابة، وتضخم للديون دون إعلان أو تدخل. كما يعني أن البنوك كانت تجدد التسهيلات الائتمانية رغم وجود تعثر واضح، وأن البنك المركزي لم يفرض الإفصاح الكامل أو يوقف التمويل في الوقت المناسب.