تواجه عائلات المحتجزين على خلفية قضايا سياسية أو قضايا رأي في مصر نمطًا قاسيًا من المعاناة الإنسانية التي تتجاوز الشخص المحتجز لتطال أسرته بالكامل، ولا تقتصر هذه المعاناة على غياب المعيل أو الحرمان من التواجد اليومي، بل تتحول إلى فواجع حقيقية وأزمات نفسية واجتماعية حادة عند وقوع أحداث استثنائية كالمرض الجسيم أو الوفاة لأقارب من الدرجة الأولى (الوالدين والأشقاء).
ويوم السبت الموافق 30 مايو 2026، رصدت المنظمات الحقوقية وفاة سمير بدوي شبانة، المحامي من محافظة الشرقية، إثر أزمة صحية ألمّت به في ظل غياب كامل لأبنائه الثلاثة المحتجزين في مقار احتجاز متباعدة على خلفية قضايا سياسية وليست جنائية مخلة بالشرف.
تفاصيل توزع الأبناء داخل مقار الاحتجاز:
المهندس عبد الله سمير بدوي: محتجز بمركز شرطة ديرب نجم.
الأستاذ أحمد سمير بدوي: محتجز بمركز شرطة ديرب نجم.
الأستاذ عمر سمير بدوي: محتجز بسجن دمنهور الأبعادية.
تمثل هذه الواقعة صدمة إنسانية بالغة، حيث واجهت العائلة مأساة مزدوجة تمثلت في فقد رب الأسرة، وحرمان الأبناء المحتجزين من حقهم الإنساني الأساسي في إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثمان والدهم، أو المشاركة في مراسم التشييع والدفن وتلقي العزاء، وهو ما يعد مؤشرًا مقلقًا على تراجع الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع ملف المحتجزين.
كما تمثل فواجع الفقد الأسرى للمعتقلين معاناة المعتقلين وذويهم حيث تتعرض الأسر إلى معاناة إنسانية قاسية نتيجة الحرمان الممتد من الروابط الطبيعية، خاصة في أوقات الأزمات والفواجع التي تضرب عائلاتهم.
قصص الفقد والكرب بين جدران السجون
ولا تمثل حالة المحامي سمير شبانة واقعة معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الفواجع التي وثقتها المراكز الحقوقية لأهالي المحتجزين، لاسيما الآباء والأمهات الذين يفارقون الحياة كمدًا أو مرضًا دون رؤية أبنائهم.
حالة الشاب “شهاب” ووفاة والده عقب الزيارة مباشرة
في 18 مايو 2024، توفي المواطن أشرف السيد عبد الصمد، والد الشاب شهاب، المحتجز منذ عام 2024 على خلفية مشاركته في تجمعات تضامنية مع القضية الفلسطينية.
وتعود المأساة إلى إصابة الوالد بأزمة قلبية حادة ومفاجئة داخل محبس نجله وعقب انتهاء الزيارة مباشرة، ليفارق الحياة دون أن تتمكن أسرته من نيل موافقة سريعة تتيح لنجله الخروج المؤقت للمشاركة في الجنازة.
حالة المعتقل “محمد مختار سلال” وتدوير ابنه
في 26 مايو 2026، تُوفي المعتقل محمد مختار سلال (58 عامًا) داخل سجن جمصة إثر تدهور حاد في حالته الصحية نتيجة إصابته بمرض الكبد وجلوسه على كرسي متحرك، المأساة الأسرية تضاعفت لكون ابنه محتجزًا معه في نفس السجن، ويواجه آلية “التدوير” على ذمة قضايا جديدة منذ 3 سنوات، مما حرم الأسرة من معيلها وحرم الابن من وداع والده المتوفى داخل المحبس.
مأساة والد المحتجز “زياد نبيل”
ووثق شقيق المحتجز “زياد نبيل” وفاة والدهم المصاب بالسرطان، والذي كابد مشقة السفر والتنقل بين السجون البعيدة لسنوات، وفي مفارقة مؤلمة، توفي الوالد بعد يوم واحد فقط من إبلاغ الابن باحتمالية إخلاء سبيله ونقله لإنهاء الإجراءات، ليرحل الوالد قبل أن يرى ابنه حرًا طليقًا خارج الأسوار.
معاناة الأمهات
وكتبت السيدة سناء عبد الجواد (زوجة د. محمد البلتاجي ووالدة أنس البلتاجي) عن الحرمان الكامل من رؤية الأبناء لسنوات طويلة، ووصفته بأنه “عزل كامل عن العالم وحرمان حتى من رؤية الألوان الطبيعية”.
كما وجهت والدة سمية ماهر رسالة علنية عقب الحكم على ابنتها بالسجن 10 سنوات، تشكو فيها حرمانها من زيارتها أو رؤيتها طوال 5 سنوات من التوقيف الاحتياطي.
ونقلت آمال سليم (والدة عمر علي) تدهور الحالة النفسية لنجلها المحتجز منذ 11 عامًا، ورفضه لزيارات الأعياد والمناسبات لما تسببه له من انتكاسات نفسية حادة واكتئاب جراء الاحتجاز الطويل دون أسباب جنائية.
التكييف الحقوقي
وتشير كافة الحالات المذكورة إلى تجاوز واضح للقوانين المحلية والاتفاقيات الدولية التي تنظم حقوق المحتجزين وأسرهم:
وتؤكد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة على وجوب السماح للمحتجزين، تحت حراسة أو بشكل مؤقت، بزيارة أقربائهم في حالة المرض الشديد أو حضور جنازات الأقارب من الدرجة الأولى، باعتبار ذلك جزءًا لا يتجزأ من الحق في الحفاظ على الكرامة الإنسانية والروابط الأسرية.
كما أن الدستور المصري يضمن معاملة المحتجزين بما يحفظ كرامتهم، وتعتبر القوانين المحلية أن الرعاية الإنسانية وتسهيل التواصل العائلي في حالات الوفاة يقع ضمن الصلاحيات الجوازية للنيابة العامة وقطاع الحماية المجتمعية التي يجب تفعيلها في مثل هذه الظروف الطارئة.
توصيات عاجلة
بناءً على ما تقدم من رصد وتوثيق لفواجع الفقد الأسري، تطالب المنظمات الحقوقية وهيئات الدفاع بالآتي:
الاستجابة الفورية لطلب خروج أبناء الراحل سمير شبانة (عبد الله، أحمد، عمر) تمكينًا لهم من مؤازرة والدتهم وتلقي العزاء في مصابهم الأليم.
تفعيل مواد القانون التي تتيح للمحتجزين في قضايا الرأي والقضايا السياسية الخروج المؤقت بضمانات أمنية لحضور مراسم دفن الأقارب من الدرجة الأولى.
وقف سياسة عزل المحتجزين ومنع الزيارات عنهم لفترات طويلة، والسماح للأمهات والآباء الكبار في السن برؤية أبنائهم دون عوائق تعسفية.
مراجعة ملفات المحتجزين كبار السن والمرضى (مثل حالات الكبد والسرطان) والإفراج الفوري عنهم لأسباب صحية وإنسانية لتفادي وقوع وفيات داخل مقار الاحتجاز.
ملف حقوقي
وترى منظمة هيومن رايتس إيجيبت أن تمكين المحتجزين من الحفاظ على صلاتهم الأسرية يمثل أحد الضمانات الأساسية للمعاملة الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز، وتتضاعف أهمية هذا الحق في حالات الوفاة أو المرض الجسيم لأحد أفراد الأسرة.
وتؤكد المعايير الدولية ذات الصلة، ومن بينها قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء المعروفة باسم «قواعد نيلسون مانديلا»، أهمية تمكين المحتجزين من التواصل مع أسرهم، باعتبار الاتصال العائلي عنصرًا أساسيًا من عناصر المعاملة الكريمة. وينبغي ألا تُفرض قيود على هذا الحق إلا في نطاق الضرورة، وبصورة استثنائية ومحددة ومتناسبة.
ومن ثم، فإن حرمان الأبناء الثلاثة من وداع والدهم أو حضور مراسم دفنه، دون بيان مبررات قانونية ضرورية ومتناسبة، من شأنه أن يفاقم معاناتهم النفسية والإنسانية، ويضيف ألمًا جديدًا إلى الأسرة في وقت تحتاج فيه إلى التضامن والدعم.
وتمثل وفاة أحد الوالدين ظرفًا استثنائيًا يفرض على السلطات المختصة إعمال الاعتبارات الإنسانية بأقصى قدر ممكن، خاصة عندما يكون الأبناء محتجزين ويواجهون احتمال الحرمان من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على والدهم.
ولا يقتصر أثر هذا الحرمان على المحتجزين وحدهم، بل يمتد إلى الأسرة بأكملها، بما يعمق مشاعر الفقد والألم النفسي والاجتماعي، كما أن التعامل السريع والمسؤول مع هذه الحالات يعكس مدى الالتزام بقواعد المعاملة الإنسانية، ويؤكد أن إدارة أماكن الاحتجاز لا ينبغي أن تنفصل عن مقتضيات الرحمة والكرامة الإنسانية.