اعتُقل المحامي والسياسي المصري عصام سلطان في 29 يوليو/تموز 2013، أي بعد أسابيع من الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، في واقعة وصفها معارضو السلطة آنذاك بـ«الانقلاب العسكري». وألقت السلطات القبض عليه في منطقة المقطم بالقاهرة، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«إهانة قضاة مجلس الدولة» عبر تصريحات أدلى بها لوسائل إعلام.
ومنذ ذلك الحين، يقبع سلطان خلف القضبان، في واحدة من أطول فترات الاحتجاز السياسي في مصر الحديثة. ويقضي حاليًا حكمًا بالسجن المؤبد في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «فض اعتصام رابعة العدوية»، وهو حكم أيدته محكمة النقض ليصبح نهائيًا وباتًا.
وتثير القضية جدلًا واسعًا، خصوصًا أن توقيف سلطان سبق فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس/آب 2013 بأكثر من أسبوعين، وهو ما دفعه، بحسب تصريحات سابقة منسوبة إليه، إلى التساؤل خلال إحدى جلسات المحاكمة: «أنا مقبوض عليّ يوم 29/7/2013، كيف أحاكم في قضية فض رابعة الذي تم في 14/8/2013؟».
ويُعد سلطان محاميًا وسياسيًا وناشطًا بارزًا، وشغل منصب نائب رئيس حزب الوسط، كما كان عضوًا سابقًا في مجلس الشعب المصري. وسبق أن كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، قبل أن ينشق عنها وينضم إلى مجموعة أسست لاحقًا حزب الوسط.
اتهامات جديدة رغم سنوات الحبس الانفرادي
في تطور لاحق، أحالت نيابة أمن الدولة العليا سلطان إلى المحاكمة في قضية جديدة، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويل الإرهاب».
واستنكر محاميه أحمد أبو العلا ماضي هذه الاتهامات، متسائلًا عن كيفية توجيه اتهامات من هذا النوع إلى شخص محتجز، بحسب قوله، في الحبس الانفرادي منذ سنوات.
وطالب ماضي بتفريغ كاميرات السجن لإثبات أن موكله لم يتواصل مع أي شخص من داخل محبسه، مشيرًا إلى أن الأمر نفسه، بحسب روايته، حدث مع رئيس حزب مصر القوية عبد المنعم أبو الفتوح.
ولا تقتصر تداعيات احتجاز سلطان على الجانب القضائي، إذ قال نجله أسامة إنه لم يلتقِ والده منذ أكثر من ثلاث سنوات، في ظل ما يصفه بحرمان الأسرة من التواصل معه. ويضيف هذا الوضع بُعدًا إنسانيًا إلى قضية معتقل سياسي أمضى سنوات طويلة خلف القضبان.
خصوم سياسيون وتهديدات سابقة
وفي سياق متصل، سبق أن وجّه الفريق أحمد شفيق، المرشح الرئاسي السابق، رسالة إلى سلطان في يونيو/حزيران 2012، قال فيها، وفق ما نُشر آنذاك: «أنت تقاتل مقاتلًا وستدفع الثمن ولن أتركك ليوم الدين».
وكان شفيق قد أعلن في ذلك الوقت رفضه ما اعتبره إساءة لشخصه، مؤكدًا أن عصام سلطان سيكون أول من يقاضيه، ومشيرًا إلى أن الحصانة التي يحتمي بها سلطان، بحسب تعبيره، «لن تنفعه ومن الممكن أن تزول».
مسيرة سياسية وقانونية حافلة
وُلد عصام سلطان عام 1965، ويُعد من أبرز الوجوه السياسية والقانونية في مصر خلال العقود الأخيرة. تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وبرز مبكرًا في النشاط الطلابي، قبل أن يعمل محاميًا وينخرط في العمل الحقوقي والسياسي.
وشارك سلطان في تأسيس حركة «كفاية»، ثم حزب الوسط، وعُرف بمواقفه المعارضة للفساد، وبخوضه عددًا من المعارك القانونية والقضائية، كما انتُخب عضوًا في مجلس الشعب عام 2012.
ومنذ اعتقاله في يوليو/تموز 2013، واجه سلسلة من القضايا والمحاكمات، من بينها القضية المعروفة إعلاميًا بـ«فض رابعة»، وسط انتقادات حقوقية بشأن ظروف احتجازه وطول مدة حبسه الانفرادي ومنع الزيارات والتواصل مع أسرته ومحاميه.
وتقول منظمات حقوقية، من بينها «عدالة لحقوق الإنسان» و«هيومن رايتس إيجيبت»، إن قضية سلطان تأتي ضمن نمط أوسع من احتجاز المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر بسبب آرائهم أو نشاطهم السياسي والمهني.
وتشير منظمة «عدالة» إلى أن سلطان احتُجز انفراديًا في سجن «بدر 3» بعد نقله من سجن «العقرب»، وأنه حُرم، وفق المنظمة، من الزيارة والتواصل مع أسرته ومحاميه لفترات طويلة، فضلًا عن مخاوف تتعلق بوضعه الصحي بعد خضوعه لجراحة في العمود الفقري، وما يستلزمه ذلك من رعاية طبية.
وتؤكد المنظمة أن «المحاماة ليست جريمة»، مطالبة بالإفراج عن المحامين المحتجزين على خلفية نشاطهم وآرائهم.
«رجل صاحب مبدأ ورسالة»
ومن بين العبارات المنسوبة إلى سلطان، والتي يستشهد بها أنصاره للتعبير عن تمسكه بمواقفه، قوله: «أنا رجل صاحب مبدأ ورسالة، وسأبقى كذلك ما حييت».
كما يستعيد مؤيدوه موقفه خلال إحدى جلسات المحاكمة عندما اعترض على إدراج اسمه في قضية لاحقة لتاريخ توقيفه، متسائلًا عن كيفية محاكمته في أحداث وقعت بعد اعتقاله.
حاتم عزام: «أسير للحرية بلا جريمة»
وفي ذكرى مرور ثلاثة عشر عامًا على اعتقال صديقه ورفيق دربه، كتب الدكتور حاتم عزام مستذكرًا علاقته بسلطان، واصفًا إياه بأنه «أسير للحرية بلا جريمة»، وأنه سُجن بسبب موقفه السياسي.
ويروي عزام بداية علاقته بسلطان، عندما لجأ إليه لاستشارته قبل الانضمام إلى الجمعية الوطنية للتغيير، مشيدًا بصدقه وتجرده ونصيحته المخلصة.
كما يستعرض تجربتهما المشتركة لاحقًا تحت قبة البرلمان وداخل حزب الوسط، مؤكدًا أن سلطان اتسم، بحسب وصفه، بالشجاعة ونظافة اليد والاستقلال الفكري، ورفض مسايرة التيار أو ترديد ما يرضي الناس على حساب قناعاته.
ويرى عزام أن استمرار احتجاز سلطان طوال هذه السنوات يمثل «جرحًا بالغًا في جسد العدالة وسيادة القانون»، مؤكدًا أن الحرية حق أصيل لكل إنسان وليست منحة من سلطة.
ويرفض عزام، في طرحه، اختزال قضية سلطان في أبعاد جنائية أو قانونية منفصلة عن سياقها السياسي، معتبرًا أن الرجل، بحسب وصفه، «أسير للحرية بلا جريمة»، وأن استمرار سجنه يعكس، من وجهة نظره، استخدام أدوات العدالة في الصراع السياسي.
يحيى حسين عبد الهادي: «عشرية عصام سلطان»
وفي مقال حمل عنوان «عشرية عصام سلطان»، يستحضر المهندس يحيى حسين عبد الهادي ذكرياته مع سلطان، متوقفًا عند رحلة جمعتهما عام 2010 ضمن وفد الجمعية الوطنية للتغيير إلى المنصورة.
ويتذكر عبد الهادي حوارًا دار بينهما آنذاك حول المستقبل، حين كان كل منهما يحلم بزوال الاستبداد والتفرغ لحياته المهنية. ويقول إن سلطان كان يؤكد أنه سيظل محاميًا يسعى إلى رد الحقوق لأصحابها، متمنيًا أن تنتهي القضايا السياسية بانتهاء الاستبداد.
ويرى عبد الهادي أن الواقع انقلب على تلك الأحلام، فتحول المحامي الذي دافع طويلًا عن المظلومين إلى «قضية سياسية حزينة» بعد اعتقاله في يوليو/تموز 2013.
ويلفت إلى قسوة ظروف احتجازه، وما يصفه بالعزلة الطويلة والزيارات المحدودة التي انقطعت لسنوات، مؤكدًا أن سلطان لم يكن يحمل سلاحًا سوى «الحجة القانونية».
ويختزل عبد الهادي تجربته بالقول إن «عشرية عصام سلطان هي عشرية مصر نفسها»، في إشارة إلى ما يراه انعكاسًا لأزمة سياسية وحقوقية أوسع تعيشها البلاد.
أنور الهواري: صداقة تتجاوز الخلاف السياسي
وفي ذكرى ميلاده الستين، في 12 فبراير/شباط، وجّه الكاتب الصحفي أنور الهواري تحية إلى صديقه القديم، داعيًا له ولجميع السجناء بالفرج واسترداد حريتهم والعودة إلى أسرهم وأعمالهم.
ويستعيد الهواري ذكريات زمالته المبكرة مع سلطان في جامعة القاهرة خلال ثمانينيات القرن الماضي، مستحضرًا ما يصفه بوفائه ومروءته وشهامته.
ويروي الهواري كيف التقى سلطان مصادفة في صيف عام 1987، حين أخبره بتعيينه صحفيًا في جريدة «الوفد»، مشيرًا إلى أن الخبر أسعد سلطان، الذي رأى فيه بداية لحياة مهنية كريمة لصديقه.
ورغم اختلاف مواقعهما لاحقًا، وتباين مواقفهما الفكرية والسياسية في بعض المراحل، وصولًا إلى اختلافات حادة خلال فترة تولي الهواري مسؤولية تنفيذ التحرير في صحيفة «المصري اليوم»، يؤكد الهواري أن ذلك لم يؤثر في عمق الصداقة والمودة بينهما، مشيرًا إلى أن سلطان ظل، بحسب روايته، سباقًا إلى الدعم والمساندة والدفاع عنه والرد على غيبته.
وتبقى قضية عصام سلطان، بعد سنوات طويلة من الاحتجاز والمحاكمات، واحدة من القضايا التي تستحضرها المنظمات الحقوقية والمعارضون في النقاش حول أوضاع السجناء السياسيين في مصر، وضمانات المحاكمة العادلة، وحدود استخدام الإجراءات القانونية في القضايا ذات الطابع السياسي.