بيع جبل الزيت للإمارات يثير الجدل.. محطة بـ567 مليون دولار تُباع بـ420 مليوناً

- ‎فيتقارير

واجهت إجراءات بيع محطة جبل الزيت لتوليد طاقة الرياح عقبات تمويلية وقانونية أدت إلى تجميد المفاوضات النهائية في شهر إبريل الماضي , حيث كانت تستهدف تحويل ملكية هذا الأصل الاستراتيجي إلى مستثمرين من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتأتي هذه التطورات في ظل سعي حكومة  الانقلاب لتوفير سيولة دولارية بقيمة 420 مليار دولار لمواجهة عجز الموازنة العامة وتلبية اشتراطات المؤسسات الدولية المانحة.

وكانت التوترات الإقليمية الراهنة قد تسببت في ارتفاع أسعار الغاز المسال بنسب تتراوح بين 130% و140% مما جعل الحفاظ على مصادر الطاقة المتجددة ضرورة قصوى لتأمين احتياجات الشبكة القومية.

وأعلنت جهات  دولية مانحة اعتراضها الرسمي على إتمام صفقة بيع محطة جبل الزيت لتوليد طاقة الرياح بسبب بنود قانونية تمنع تغيير طبيعة المشروع من تنموي إلى تجاري دون موافقة الممولين، وتصدرت شركة سيمنز الألمانية وبنك التنمية الألماني قائمة المؤسسات المعترضة على نقل الملكية؛ خاصة وأن المشروع جرى تنفيذه عبر قروض ميسرة بفائدة لا تتجاوز 1% وفترة سداد تمتد إلى 30 عاما، وتؤكد التقارير الفنية أن تحويل المحطة إلى القطاع الخاص سيعني بالضرورة رفع سعر الفائدة إلى 8% وتقليص مدة السداد إلى 7 سنوات فقط وهو ما يشكل عبئا ماليا إضافيا.

تحديات هيكلية
تعد محطة جبل الزيت لتوليد طاقة الرياح من الأصول النادرة التي تتميز بتكلفة تشغيلية منخفضة وقدرة إنتاجية تصل إلى 530 ميجاوات مما يجعلها محط أنظار المستثمرين الأجانب الساعين للاستحواذ على مشروعات ذات عوائد مستمرة، وتبين المؤشرات المالية وجود فجوة كبيرة بين تكلفة إنشاء المحطة التي بلغت 1.8 مليار دولار وقيمة الصفقة المطروحة المقدرة بنحو 420 مليون دولار، ويؤدي هذا التفاوت السعري إلى انتقادات حادة لسياسات البيع التي تتم تحت ضغوط اقتصادية ناتجة عن تراجع قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية في ظل الالتزام ببرنامج الإصلاح الهيكلي.

توضح البيانات الرسمية لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة أن جزءا من ديون مشروع محطة جبل الزيت لتوليد طاقة الرياح لا يزال قائما مما يعني استمرار الالتزامات الدولية حتى في حال إتمام عملية البيع المقترحة، ويبلغ إجمالي التزامات قطاع الكهرباء نحو 35 مليار دولار وهو ما يدفع الدوائر الحكومية لإعادة تقييم الصفقات من منظور استراتيجي يضمن تقليل الاعتماد على الوقود المستورد، وتنتج الشبكة القومية حاليا 60 ألف ميجاوات بينما يبلغ الاستهلاك الفعلي 40 ألف ميجاوات مما يشير إلى وجود فاقد يصل لنسبة 20% نتيجة ضعف التخطيط المسبق.

تحول المسار الفني
تسببت الثغرات الفنية في اتفاقيات التمويل الأصلية الموقعة مع بنك الاستثمار الأوروبي وهيئة التعاون اليابانية في وقف بيع محطة جبل الزيت لتوليد طاقة الرياح مؤقتا لحين الوصول إلى صيغة توافقية جديدة، وتشترط الجهات المانحة عدم تحويل القروض التنموية الميسرة إلى أدوات لجني الأرباح لصالح شركات خاصة خارج الإطار الحكومي المتفق عليه مسبقا.

ويفرض هذا الاعتراض الدولي واقعا جديدا يلزم حكومة الانقلاب بالاختيار بين الاحتفاظ بملكية الأصل أو القبول بشروط تمويل تجارية قاسية تضاعف من تكلفة الأعباء الدولارية طويلة الأجل على الموازنة العامة، تظل محطة جبل الزيت لتوليد طاقة الرياح نموذجا للمشروعات الاستراتيجية التي تتطلب شفافية كاملة في إجراءات الطرح والترسية لضمان الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في ثروات الطاقة المتجددة.

وتكشف الأزمة الحالية عن غياب التنسيق الكافي مع الشركاء الدوليين قبل البدء في إجراءات التخارج من الأصول المملوكة للدولة مما يهدد بتعطيل صفقات أخرى مماثلة، ويستوجب الوضع الراهن ضرورة مراجعة كافة بنود القروض الدولية التي منحت لتطوير قطاع الطاقة لضمان عدم اصطدام خطط الخصخصة مع الالتزامات القانونية المبرمة مع الممولين الأجانب.

بيع بثمن بخس 
ومنذ يومين وقعت حكومة المنقلب عبد الفتاح السيسي عقد بيع محطة رياح جبل الزيت في منطقة البحر الأحمر، لشركة الكازار الإماراتية. الصفقة وقعتها هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة والشركة المصرية لنقل الكهرباء من جهة والشركة الإماراتية من جهة أخرى بحضور وزير الكهرباء ووزير الاستثمار ورئيس الوزراء، بقيمة 420 مليون دولار.

الصفقة التي اعتبرتها الحكومة "استثمارا خارجيا" هي بيع بالخسارة الفعلية، وهذا لأن نفس محطة الرياح تكلفت استثمارات قيمتها 567.4 مليون دولار، بإجمالي خسائر حوالي 150 مليون دولار، أي حوالي 7.8 مليار جنيه. وطبعا لم يذكر المزيد من التفاصيل حول مدة التعاقد مع الاكتفاء بالذكر أنه حق انتفاع، هذا بجانب اتفاق بين الجانبين على شراء الحكومة المصرية لإنتاج المحطة، بدون توضيح للمقابل المادي وإن كان فيه أسعار تفضيلية أو لا.

كالعادة رئيس الوزراء يقول إن إجمالي قيمة الصفقة بالكامل سيتم توجيهه لوزارة المالية للمساهمة في خفض الدين، د. مدبولي لم يشأ أن يقول المعلومة بشكل واضح، وهي أن تكاليف إنشاء المشروع أنفقت من خلال قروض ومنح ميسرة من جهات دولية وبعد بيعه سيتم سداد قيمة هذه الديون بما فيها ما خسرته البلد.
وهنا نحن في حاجة للسؤال عن الرقابة ومحاسبة المسئولين على إهدار المال العام ومن قبلها على عدم اقتناعهم بل وتهميشهم لأهمية دراسات الجدوى، وهنا نعيد نشر ما كتبناه عن الصفقة في بدايتها.

وكانت منصة "صحيح مصر" قد نشرت تقريرا عن تطورات طرح محطة رياح جبل الزيت للبيع، مؤكدة أن العرض الأكبر الذي قدم من شركة إماراتية لشراء أكبر مزرعة رياح في أفريقيا كان أقل من تكلفتها المعلنة، حيث عرضت شركة ألكازار الإماراتية 420 مليون دولار بينما كانت تكلفتها قدرت بأكثر من 567 مليون دولار.

قال التقرير إن المحطة القريبة من العاصمة الإدارية الجديدة على بعد 280 كيلو مترا منها، تسعى الحكومة لبيعها منذ العام الماضي 2025، بينما عرض الإماراتيين أقل بـ147 مليون دولار عن تكلفة إنشائها. ومحطة الطاقة النظيفة التي تبعد 118 كيلو مترا عن منطقة جبل الزيت بدأ إنشاؤها في بداية الألفينات ومرت بتطورات كثيرة حتى وصلت إلى حجمها الحالي، وفي 2015 قررت الحكومة بدء تطوير المشروع اللي كان وقتها عبارة عن 120 توربينة بإجمالي قدرة 240 ميجا وات. وقبل زيادة عدد التوربينات بقيمة 80 توربينة ثم زيادتها بقيمة 100 توربينة بقدرة حوالي 200 ميجا وات، لكي تصل إلى حوالي 300 توربينة رياح على مساحة 100 كيلو متر مربع.

وبلغت التكلفة الإجمالية للمشروع حوالي 12 مليار جنيه مصري، وهذا هو المعلن في 2018 وقت افتتاح عبد الفتاح السيسي للمحطة، وقالت وقتها الصحف إن المحطة تنتج بقدرة 52% من قدراتها الإنتاجية الإجمالية، ونفذتها شركة "جاميسا" الإسبانية قبل ما تندمج لاحقا مع شركة "سيمنز" الألمانية".
ووفقا لموقع رئاسة الجمهورية تشمل مزرعة الرياح محطة جبل الزيت 1 بقدرة 240 ميجاوات، وجبل الزيت 2 بقدرة 220 ميجاوات، وجبل الزيت 3 بقدرة 120 ميجا وات، كما تضم المزرعة منظومة لمراقبة الطيور المهاجرة من خلال الرادار لكي تراعي عمل التوربينات وتوقفها مع مرور آمن للطيور وهي منظومة كلفت مليوني يورو لوحدها.

وقال تقرير "صحيح مصر"، إن المحطة بنيت بقروض أوروبية ويابانية بدأت بحصول الحكومة على قرض بقيمة 38 مليار ين ياباني في 2010، قبل توسع التمويل لاحقا عند إعادة توسعتها بقرض من بنك الاستثمار الأوروبي وقيمته 50 مليون يورو وقرض بقيمة 5.2 مليون يورو من البنك الألماني للتعمير ومنحة أوروبية بقيمة 20 مليون يورو، بالإضافة إلى تمويل من الحكومة الإسبانية بقيمة 120 مليون يورو.

وبعد حوالي 7 سنوات من تغني الصحف والمواقع القريبة من الحكومة بافتتاح المحطة، كما تغنت بأكبر وأعلى كل شيء ضمن المشروعات القومية المشكوك في جدواها الاقتصادية مقارنة بما أنفق فيها، أعلنت الحكومة في مايو 2024 طرح محطة الرياح للمستثمرين على شكل حق الانتفاع بأرض المشروع والمحطة لمدة 25 سنة.

لكن مع "تحريك" سعر الدولار في مصر إلى حدود الخمسين جنيه في مارس 2025، غيرت الحكومة الطرح إلى بيع كامل وليس حق انتفاع، وفي خلال سنتين أقامت الحكومة مناقصة تقدمت لها 38 شركة خليجية وأوروبية ومصرية، لكن التطور إلى إجراء الفحص النافي للجهالة -المرحلة الأخيرة قبل إتمام الصفقة- تقدمت 5 شركات منها شركة إماراتية وأخرى سعودية وبريطانية وشركة ماليزية وشركة أوروبية، بما في ذلك الاطلاع على البيانات المالية والفنية وآليات العمل وحجم أرباح وخسائر المحطة.

بعدها بشهرين لم تتقدم سوى شركة ألكازار الإماراتية -وهي شركة تتخذ من جزر العذراء في بريطانيا ملاذا آمنا من الضرائب بجانب انتفاعها الإضافي من الضرائب المزدوجة بين مصر والإمارات- لشراء المحطة بقيمة 350 مليون دولار وكان هذا تحديدا في يناير  الماضي ، بينما نقلت منصة "صحيح مصر" عن مصدر في وزارة الكهرباء أن عرض الشركة الإماراتية تم رفعه إلى 420 مليون دولار في فبراير خلال مفاوضات مع صندوق مصر السيادي، بينما مديونية المحطة بلغت 300 مليون دولار من الأصل يعني المحطة تقريبا سوف تباع بقيمة تصل إلى 21% من قيمة تكلفتها الأصلية بعد خفض سعر بيعها وبعد سداد الخسائر.

ووفقا لما نقلته منصة "صحيح مصر" عن مصدر في الجمعية العالمية لطاقة الرياح، فالعرض فيه خلل واضح خصوصا مع حجم المحطة الأكبر في أفريقيا وقيمتها الاقتصادية أعلى بكتير من السعر المعروض، بينما ذكر مالك شركة لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة إنه يجب التمييز بين تكلفة الإنشاءات والقيمة الاقتصادية، لأن تكلفة الإنشاء تشمل أسعار التوربينات والأعمال المدنية والإنشائية بينما القيمة الاقتصادية تحددها عوامل مختلفة مثل سعر بيع الكهرباء وحجم الإنتاج الفعلي وطبيعة التعاقدات مع المشتري ومدتها.

 وقال مسئول سابق في وزارة الكهرباء إن تكلفة إنشاء المحطة في المتوسط يبلغ حوالي 1100 دولار لكل كيلو وات وهذا معناه إنه قدرة المحطة الإنتاجية بقدرة 580 وات يحتاج إلى استثمارات بقيمة 638 مليون دولار، بينما متوسط تقييم بيع محطات الرياح بين 1300 إلى 1400 دولار لكل كيلووات وهذا معناه أن قيمتها التقديرية بين 754 إلى 812 مليون دولار وفقا لصحيح مصر، ورجح مصدرها وجود تفاصيل غير معلنة في الصفقة.

المعادلة التي امامنا، هو توسع غير رشيد في الاستدانة + إلقاء الأموال في مشروعات بلا جدوى لكي تستخدمها الحكومة كدعاية أكبر وأضخم كل شيء = خسائر فادحة وبالجملة، ثم المزيد من الاستدانة وبيع الأصول بأقل من قيمتها.
الحقيقة محطة الرياح دي وطروحات بيعها والعروض التي وصلت له بأقل كتير من قيمتها، ممكن تكون شارحة لخلل اقتصادي شديد البؤس، لما نشوف مشروعات أنفق فيها قروض ومنح وتمويلات بملايين الدولارات بلا دراسة جدوى، وفوق إنه خسائر تشغيلها 300 مليون دولار سوف تخسر فوقهم ما يقارب 25% من قيمتها.

المفارقة الأكثر بؤسا أن الحكومة صاحبة هذا الفشل نفسها سبق ومنحت الموافقة من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة في يناير الماضي بإنشاء محطة رياح جديدة في مزرعة جبل الزيت بقدرة 252 ميجاوات، وفقا لتقرير إنتربرايز.
فما بما من الممكن أن نراه في مشروعات أخرى مثل أكبر برج وأعلى ساري علم وأضخم كنيسة وجامع ونجفة وغيرها، فهل نستطيع أن نرى العقلية التي وصلت بالبلد واقتصادها ومقدراتها لهذا الدرك؟ نتمنى ان تساهم هذه اللطمة في استفاقة حقيقية للمسئولين عن الوضع المذري الذي وصلنا له، مثل ما نتمنى أن نرى نهاية لحقبة إلقاء الأموال في الصحراء بلا فائدة.