برزت مؤخراً ملامح خطة دبلوماسية وعسكرية منسقة تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تهدف إلى إيجاد قوة إقليمية قادرة على إدارة المشهد اللبناني المعقد وملء الفراغ الأمني والعسكري، والرغبة الأمريكية تبلورت في ممارسة ضغوط مكثفة على الإدارة المصرية وعبد الفتاح السيسي لدفع القوات المسلحة المصرية نحو المشاركة الميدانية في لبنان كقوة دولية وإقليمية ضامنة للاستقرار، وهو الدور الذي كان مطروحاً في البداية على دمشق قبل أن تتبدل الحسابات السياسية والميدانية.
قمة مجموعة السبع
وبعد أن كانت المؤشرات والدعوات الأولية تتجه لإشراك الرئيس السوري أحمد الشرع في القمة، كونه الطرف الأقرب جغرافياً وتاريخياً للمشهد اللبناني، تبدلت الترتيبات فجأة ليحضر عبد الفتاح السيسي، وجعله من ماكرون وترامب بمثابة "نجم الاجتماع".
وهذا الحضور حظي بحفاوة بالغة وتودد علني من الرئيس الأمريكي ترامب الذي أثنى على علاقته الشخصية بالسيسي، بالتوازي مع ترحيب واسع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
هذا التحول المفاجئ في الاهتمام الدولي أثار تحليلات واسعة حول الأسباب الحقيقية وراء تقريب القاهرة واستبعاد دمشق في هذه المرحلة؛ إذ يرى الكاتب والمحلل أحمد زاهر الشيشكلي (@zahershishackli) أن التقارب المفاجئ بين ترامب وماكرون والسيسي في القمة يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هناك ترتيب لظهور الجيش المصري في لبنان قريباً كبديل للرئيس السوري أحمد الشرع، متسائلاً إن كانت دمشق قد أضاعت فرصة إقليمية أم أنها تخلصت من "بلوى" ومستنقع حقيقي.
طبيعة التوريط الأمريكي وصيغة السمسرة السياسية
وبدأت ملامح التوجه الأمريكي الجديد تتضح بجلاء خلال كواليس قمة مجموعة السبع الأخيرة في فرنسا، والتي شهدت تحولاً لافتاً في طبيعة الحضور والاهتمام الدولي.
وتُجمع العديد من القراءات والتحليلات السياسية على أن المقاربة التي يعتمدها الرئيس الأمريكي ترامب في إدارة ملفات الشرق الأوسط تعتمد في جوهرها على منطق "العقارات والسمسرة التجارية" وليس على الدبلوماسية السياسية التقليدية، ومن هذا المنطلق، يسعى ترامب إلى إبرام صفقة تضمن حماية المصالح الصهيونية والغربية دون تكلفة عسكرية أمريكية مباشرة، وذلك عبر الضغط على السيسي لإرسال قوات مصرية إلى لبنان تحت شعار "قوة السلام والاستقرار وضد الحرب"، وفق ما أشارت إليه منصة النشرة الدولية (@alnashra_US).
وتتسارع التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط عقب انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة وعودة حدة الصراع البري في جنوب لبنان، وفي ظل السعي الأمريكي المستمر لتجنب الغرق المباشر في حروب استنزاف إقليمية طويلة الأمد.
وفي تفكيك طبيعة هذا الضغط، يرى المغرد صقر القلمون (@Falcon_2021) أن ترامب يمارس ضغوطاً مباشرة على السيسي لإرسال تلك القوات، في حين علّق المغرد ابو البنات (@Y5dBl) بأن ترامب يتصرف كـ"رجل عقارات وسمسار" يحاول توريط السيسي والشرع معاً في الملف اللبناني، متوقعا أن السيسي يحاول التهرب من هذا الفخ.
وعلى الصعيد المقارن، حذر المغرد (@ShamsiHadad_Sy) من أن هذا الطرح لن يُسوق كحرب بالوكالة، بل سيُقدم للقاهرة كـ"فرصة لإبراز مصر كقوة إقليمية جديدة"، وهي ذات الطريقة والدعاية الدولية التي استُخدمت تاريخياً لإقناع حافظ الأسد بدخول لبنان في السبعينيات.
الهروب المتبادل من الفخ اللبناني
على الجانب الآخر من المشهد، تبدو دمشق تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع مدركة تماماً لأبعاد الإستراتيجية الأمريكية وقلقة من التورط مجدداً في تفاصيل النزاع اللبناني. فرغم التصريحات المثيرة للجدل الصادرة عن بعض الدبلوماسية، والتي انتقدها بشدة الكاتب بسام جعارة (@BassamJaara) واصفاً تصريحات سفير مصر في لبنان بشأن رغبة دمشق في الدخول بـ"الضوء الأخضر الدولي" بأنها غير دقيقة، فإن المؤشرات الميدانية تؤكد أن الإدارة السورية فضلت المناورة والابتعاد عن هذا الطرح، وهو ما أيدته حسابات مثل الناشط سليم (@Rebelbedouin89) الذي أشار إلى أن التهرب من الطرح الأمريكي أمام الإعلام هو الخيار الأفضل لدمشق تماماً كما فعل السيسي.
وتكشف التسريبات السياسية أن الرئيس الأمريكي ترامب يرى في سوريا تحت حكم أحمد الشرع بالتعاون مع تركيا شريكاً قادراً ميدانياً على إضعاف نفوذ حزب الله، لدرجة اقتراحه على الجانب الصهيوني ترك أمر لبنان للسوريين.
إلا أن القيادة السورية، وتفادياً لمواجهة مباشرة، فضلت التهرب من هذه الالتزامات؛ وهو ذات النهج الحمائي الذي تحاول الدبلوماسية المصرية اتباعه لإدراك الطرفين أن الفضاء اللبناني يمثل بيئة استنزاف عسكري لا تخدم الحسابات الداخلية الحالية لأي من الدولتين.
الاستعراض الدبلوماسي
في ظل هذا التدافع الدولي، يرى الناشط والكاتب فخر الأيوبي (@FakhrAlAyoubi) أن التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة في لبنان، والتي تجسدت في زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى بيروت، لا تتعدى كونها محاولات لاستعراض دور إقليمي مفقود ومحاولة لابتزاز دول الخليج مالياً وسياسياً تحت عنوان "مسرحية مبتذلة"، معتبراً أن غياب الدور المصري الحقيقي ينعكس في العجز عن تقديم شطر كلمة مواساة تجاه مئات الآلاف من النازحين والشهداء على الحدود المباشرة لمصر في قطاع غزة على مدار سنتين، بينما يسافر الوزير لالتقاط صور دعائية في بيروت للتغطية على تراجع دور القاهرة الإقليمي بعد تحرير سوريا.
وتوضع هذه الخطوات الاستعراضية في سياق محاولات النظام المصري لإثبات أهمية الدور المحوري للقاهرة في ضبط التوازنات الأمنية الحساسة ومواجهة النفوذ الإيراني، خصوصاً بعد أن أظهرت واشنطن نفسها قلقاً بالغاً من الغرق المباشر في هذا الملف وتجنب السيسي الإجابة بوضوح عن إمكانية التدخل العسكري المباشر ضد الجماعات المسلحة في لبنان.
شراء الوقت في الجنوب
تأتي كل هذه المحاولات لتوريط قوى إقليمية في وقت يعيش فيه جنوب لبنان وضعاً ميدانياً بالغ التعقيد نتيجة التوغل العسكري الإسرائيلي الواسع؛ حيث أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن جيشه لن ينسحب من المناطق التي سيطر عليها قبل تحقيق كامل الشروط المتطلبات الأمنية. وتشير البيانات الموثقة من مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن جيش الاحتلال فرض سيطرته الميدانية على نحو 608 كيلومترات مربعة داخل العمق اللبناني بعمق يصل إلى 10 كيلومترات في بعض النقاط، مما تسبب في نزوح أكثر من 1.2 مليون مواطن لبناني.
وفي قراءة تاريخية عميقة لهذا السلوك، يرى المحلل السياسي والكاتب مأمون فندي (@mamoun1234) أن الكيان الصهيوني يمثل "مسألة وقت لا دولة"، موضحاً أن إسرائيل منذ عام 1948 لا تؤمن ببقائها الطويل وتحاول دائماً شراء بوليصات تأمين وعقود زمنية إضافية عبر الحروب المتعاقبة (1956، 1967، 1973، وغزو لبنان 1982 وصولاً للاتفاقات الإبراهيمية)، واليوم تسعى لشراء وقت جديد عبر مواجهتها مع إيران وتوغلها في لبنان، متسائلاً عن كيفية شرائها للوقت مستقبلاً إذا انهار رصيد اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة.
والتواجد العسكري الصهيوني، جعل من أي طرح لتدخل قوات دولية أو عربية بديلة بمثابة عملية حراسة أمنية وتثبيت لنتائج الاحتلال، وهو ما يعكس تخوفاً مصرياً عميقاً من أن تتحول القوات المصرية إلى أداة لتأمين الجانب الصهيوني في مواجهة الفصائل اللبنانية المسلحة.
وبرزت ملامح أمل ديبلوماسي من خلال الإشارات الصادرة عن قيادات سياسية لبنانية بارزة، مثل رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني طلال أرسلان، الذي دعا الدولة اللبنانية إلى قراءة دقيقة ومتمعنة لبنود الاتفاق الأخير المبرم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويتميز هذا الاتفاق بكونه يضع الملف اللبناني وحمايته من التفكك والضعف في مقدمة أولوياته وبنوده الأساسية، مما يفتح مساراً سياسياً مختلفاً يعتمد على التوافقات الإقليمية الكبرى بدلاً من المغامرات العسكرية الفردية.
ويخلص المراقبون إلى أن التطور الدبلوماسي قد يمنح القاهرة ودمشق معاً المبرر السياسي الكافي والمناورة اللازمة للتملص من الضغوط الأمريكية المباشرة الرامية إلى الزج بجيوشهما في صراع عسكري مباشر، والاعتماد بدلاً من ذلك على الحلول السياسية المتعددة الأطراف التي تضمن سيادة لبنان وتحقق الاستقرار الإقليمي دون الحاجة إلى توريط القوات المسلحة في مستنقعات أمنية لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.