أموال أوروبا مقابل «حرب القوارب».. هل تحولت حقوق المصريين إلى ورقة تفاوض؟

- ‎فيتقارير

 أموال أوروبا مقابل ضبط الهجرة.. السيسى يحصل على التمويل ويتمسك بالقبضة الأمنية

في الوقت الذي تتسابق فيه الحكومة المصرية للحصول على التمويل الخارجي وفتح أبواب الاستثمار وبيع حصص من أصول الدولة، يبدو أن ملف حقوق الإنسان والحريات العامة يحتل موقعًا معاكسًا تمامًا في أولويات السلطة، إذ لا تزال القاهرة تتمسك بسياسة القبضة الأمنية وتضييق المجال العام، حتى في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على ملايين المصريين.

 

المفارقة التي تكشفها العلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي هي أن القاهرة تحصل على مليارات اليوروهات مقابل التعاون في ملفات الهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي، بينما تتراجع قضية الحريات إلى الصفوف الخلفية من أجندة الشركاء الأوروبيين.

 

وفي أحدث حلقات هذا المسار، أقرت المفوضية الأوروبية تحويل 1.5 مليار يورو إلى مصر، ضمن حزمة الدعم الأوروبية التي تصل إلى 7.4 مليار يورو للفترة بين 2024 و2027، تشمل تمويلًا واستثمارات وقروضًا ميسرة، فيما يحتل ملف الهجرة وضبط الحدود موقعًا رئيسيًا في الشراكة بين الجانبين.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: **إذا كانت القاهرة قادرة على تقديم تنازلات واسعة في ملفات الاقتصاد والاستثمار والهجرة للحصول على التمويل الخارجي، فلماذا لا تقدم تنازلات مماثلة في ملف الحريات والإفراج عن سجناء الرأي وفتح المجال العام؟**

 

الإجابة، وفق قراءة معارضة للمشهد، تبدو مرتبطة بطبيعة النظام السياسي نفسه؛ فالتراجع عن القبضة الأمنية يعني بالنسبة للسلطة فتح المجال أمام قوى سياسية ومجتمعية يمكن أن تطالب بمراجعة سياساتها الاقتصادية والسياسية، وهو ما لا يبدو أن النظام مستعد له.

 

## 12 عامًا من تراجع الحريات

 

منذ وصول عبدالفتاح السيسي إلى السلطة عقب أحداث 2013، شهدت مصر، وفق تقارير منظمات حقوقية دولية، تضييقًا واسعًا على الحريات السياسية والمدنية وحرية الصحافة والتجمع والتعبير.

 

وتصنف منظمة **فريدوم هاوس** مصر في تقريرها لعام 2025 ضمن الدول «غير الحرة»، بدرجة 18 من 100 في مؤشر الحريات العالمية، و28 من 100 في مؤشر حرية الإنترنت. وتقول المنظمة إن المعارضة السياسية الفاعلة تكاد تكون غائبة، وإن التعبير عن الرأي المعارض قد يؤدي إلى الملاحقة الجنائية والسجن، فيما تخضع حرية الصحافة والتجمع لقيود شديدة. ([Freedom House][1])

 

أما **هيومن رايتس ووتش**، فتقول في تقريرها العالمي لعام 2026 إن المصريين لا يزالون يعيشون تحت قبضة سلطوية، وإن السلطات واصلت قمع المنتقدين السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بينما ظل المجال المدني مقيدًا بشدة، وبقي آلاف المحتجزين رهن الحبس الاحتياطي المطول أو يقضون عقوبات صدرت في محاكمات وصفتها المنظمة بأنها جائرة. ([hrw.org][2])

 

وتذهب **منظمة العفو الدولية** في تقييمها لعام 2025 إلى أن السلطات المصرية أحالت آلاف الأشخاص إلى المحاكمة بتهم مرتبطة بالإرهاب، وأن كثيرين منهم استُهدفوا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، كما تحدثت عن استمرار الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب والإفلات من العقاب. ووفق المنظمة، أُحيل نحو 6 آلاف شخص، بينهم صحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، إلى دوائر إرهاب بين سبتمبر 2024 ومايو 2025. ([Amnesty International][3])

 

هذه التقارير لا تقدم صورة عن تراجع عابر أو مؤقت، وإنما تشير إلى مسار ممتد منذ أكثر من عقد، أصبحت خلاله المساحة المتاحة للمعارضة والعمل السياسي المستقل وحرية التعبير أضيق بكثير مما كانت عليه قبل 2013.

 

## لماذا يفرّط النظام في كل شيء إلا الحريات؟

 

في قراءة سياسية معارضة، يمكن فهم سلوك السلطة من خلال مفارقة واضحة: **كلما ازدادت الضغوط الاقتصادية، ازداد انفتاح الحكومة على التفاوض حول الأصول والاستثمارات والتمويل الخارجي، بينما بقي ملف الحريات هو الخط الأحمر الأكثر صلابة.**

 

فالسلطة المصرية قدمت خلال السنوات الماضية تنازلات اقتصادية واسعة، من بيع حصص في شركات وأصول حكومية، إلى جذب الاستثمارات الخليجية والأجنبية، والحصول على برامج تمويل دولية، وتوقيع شراكات استراتيجية مع قوى إقليمية ودولية.

 

لكن عندما يتعلق الأمر بالإفراج عن المعارضين أو وقف الحبس الاحتياطي المطول أو فتح المجال السياسي والإعلامي، تبدو المرونة أقل بكثير.

 

والسبب، بحسب هذا التحليل، أن السلطة تنظر إلى الاقتصاد باعتباره ملفًا يمكن التفاوض عليه تحت ضغط الحاجة إلى العملة الصعبة، بينما ترى في الحريات تهديدًا مباشرًا لاحتكارها المجال السياسي.

 

بمعنى آخر، **يمكن للنظام أن يبيع حصة في شركة، أو يمنح مستثمرًا امتيازًا، أو يقبل شروطًا مالية للحصول على قرض، لكنه لا يبدو مستعدًا للتنازل عن الأدوات التي تمكنه من السيطرة على المجال العام.**

 

وهنا تصبح الحريات، في نظر السلطة، ليست حقًا أصيلًا للمواطن، وإنما مساحة سياسية يمكن فتحها أو إغلاقها بحسب حسابات الأمن والاستقرار.

 

## أوروبا ترى «الاستقرار».. والمصريون يدفعون الثمن

 

المشكلة لا تقع على عاتق القاهرة وحدها؛ فالاتحاد الأوروبي نفسه يواجه انتقادات متزايدة بسبب ما يراه حقوقيون ازدواجية في التعامل مع ملف حقوق الإنسان.

 

ففي الوقت الذي تنتقد فيه المؤسسات الأوروبية انتهاكات حقوقية في دول أخرى، يبدو أن أهمية مصر الجيوسياسية بالنسبة لأوروبا، خصوصًا في ملفات الهجرة والحدود والأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي، تجعل ملف الحقوق أقل أولوية عندما يتعارض مع المصالح السياسية.

 

وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت من أن الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومصر، التي تشمل حزمة بقيمة 7.4 مليار يورو، يجب ألا تتم بمعزل عن ضمانات حقوق الإنسان، خصوصًا في ظل الانتقادات المتعلقة بالتعامل مع اللاجئين والمهاجرين. ([Amnesty International][4])

 

وتكشف هذه المعادلة عن سؤال أكثر خطورة: **هل أصبحت القاهرة بالنسبة لأوروبا حارسًا للحدود الجنوبية للقارة، بحيث باتت السيطرة على الهجرة أهم من الحريات داخل مصر؟**

 

إذا كان الأمر كذلك، فإن أموال أوروبا لا تعالج جذور الأزمة المصرية، بل قد تمنح النظام مزيدًا من القدرة على الاستمرار في سياساته، بينما تظل الأسباب السياسية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى الهجرة أو الاحتجاج قائمة.

 

## «الاستقرار» الذي يخفي الأزمة

 

تراهن الأنظمة الأوروبية على أن بقاء الوضع السياسي في مصر مستقرًا أفضل من حدوث اضطرابات قد تدفع بمزيد من المهاجرين إلى سواحلها.

 

لكن حقوقيين يحذرون من أن هذا النوع من الاستقرار قد يكون مؤقتًا؛ لأن الاستقرار القائم على إغلاق المجال العام لا يعالج أسباب الغضب، وإنما يؤجل انفجاره.

 

وتشير تقارير حقوقية إلى أن السلطات المصرية واصلت استخدام الاعتقال والحبس الاحتياطي والمحاكمات المرتبطة بقضايا الإرهاب في مواجهة منتقدين ومعارضين. كما وثقت منظمة العفو الدولية في 2025 اعتقالات طالت عشرات الأشخاص بسبب منشورات ومحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي ينتقد الحكومة أو يدعو إلى التغيير السياسي. ([Amnesty International][5])

 

وفي يوليو 2024، قالت المنظمة نفسها إن السلطات اعتقلت 119 شخصًا، بينهم نساء وطفل، على خلفية دعوات احتجاجية عبر الإنترنت مرتبطة بارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء. ([Amnesty International][6])

 

وهكذا، فإن المواطن المصري يجد نفسه أمام معادلة صعبة: **أزمة اقتصادية تتفاقم، وارتفاع في الأسعار، وتراجع في القدرة الشرائية، وفي الوقت نفسه مساحة محدودة للغاية للاحتجاج أو التعبير عن الغضب.**

 

## حتى اللاجئون دخلوا معادلة الصفقة

 

لا يقتصر الجدل الحقوقي على المصريين، بل يمتد إلى ملف اللاجئين والمهاجرين، الذي يمثل أحد أهم أسباب التقارب الأوروبي المصري.

 

فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات اعتقال تعسفي وترحيل قسري بحق لاجئين سودانيين، وحذرت من أن التعاون الأوروبي مع القاهرة في مجال الهجرة وضبط الحدود يجب أن يتضمن ضمانات حقوقية حقيقية. ([Amnesty International][4])

 

وهنا تظهر مفارقة أخرى: أوروبا تمول مصر لمساعدتها في إدارة ملف الهجرة، لكنها في الوقت نفسه تواجه انتقادات حقوقية بسبب المخاطر التي يتعرض لها مهاجرون ولاجئون داخل مصر.

 

وبذلك تصبح حقوق الإنسان، سواء للمصريين أو للاجئين، رهينة لمعادلة أوسع عنوانها: **المال مقابل الاستقرار، والاستقرار مقابل منع الهجرة.**

 

## لماذا لا يضغط البرلمان والإعلام؟

 

يبقى السؤال الأصعب داخل مصر: لماذا لا تتحول هذه الملفات إلى قضية رأي عام حقيقية؟

 

فالبرلمان، الذي يفترض أن يمثل المواطنين ويراقب السلطة التنفيذية، لم يتحول إلى منصة فعالة لمساءلة الحكومة حول تراجع الحريات أو مصير المعتقلين أو شروط التمويل الخارجي.

 

كما أن الإعلام المصري الرسمي والخاص الخاضع بدرجات متفاوتة للقيود لا يمنح هذه القضايا المساحة التي تتناسب مع خطورتها.

 

وبذلك يصبح المواطن أمام دائرة مغلقة: **سلطة تنفيذية تفرض سياساتها، وبرلمان محدود القدرة على الرقابة، وإعلام مقيد، ومعارضة محاصرة، وشركاء دوليون يفضلون التعامل مع الحكومة القائمة على مواجهة ملف حقوق الإنسان.**

 

## المعادلة التي يطرحها السيسي

 

بعد أكثر من عقد على حكم السيسي، تبدو المعادلة التي تحكم مصر، وفق القراءة المعارضة، قائمة على مقايضة غير معلنة: تقديم تنازلات اقتصادية للحصول على الأموال والاستثمارات، وتقديم خدمات استراتيجية للقوى الدولية مقابل الدعم السياسي، في حين يتم الحفاظ على القبضة الأمنية باعتبارها الضمانة الأساسية لبقاء النظام.

 

لكن هذه المعادلة تطرح سؤالًا جوهريًا: **إذا كانت مصر قد قدمت الكثير في الاقتصاد والاستثمار والهجرة، فما الذي حصل عليه المصريون في المقابل من حقوقهم السياسية والمدنية؟**

 

تقارير حقوقية دولية متتالية تقول إن الإجابة لا تبدو إيجابية؛ فمصر لا تزال مصنفة ضمن الدول غير الحرة، والمجال المدني مقيد، والمعارضة السياسية ضعيفة، وحرية التعبير والصحافة تواجه قيودًا واسعة، فيما تستمر الاعتقالات والمحاكمات التي تطال منتقدين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان. ([Freedom House][1])

 

والأخطر أن استمرار هذه السياسة قد يحول «الاستقرار» من وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة لحماية السلطة نفسها.

 

فالدولة التي تحصل على مليارات الدولارات لمنع الهجرة، بينما تغلق في الداخل أبواب المشاركة السياسية، قد تنجح في تأجيل الأزمة، لكنها لا تعالج جذورها.

 

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يظل مطروحًا أمام المصريين وشركائهم الأوروبيين ليس فقط: **كم مليار يورو تحتاجه مصر؟** بل: **كم تبقى من الحريات التي يمكن للمصريين أن يخسروها قبل أن يصبح الاستقرار نفسه مجرد غطاء لأزمة أعمق؟**

 

 

 

في الوقت الذي تتسابق فيه الحكومة المصرية للحصول على التمويل الخارجي وفتح أبواب الاستثمار وبيع حصص من أصول الدولة، يبدو أن ملف حقوق الإنسان والحريات العامة يحتل موقعًا معاكسًا تمامًا في أولويات السلطة، إذ لا تزال القاهرة تتمسك بسياسة القبضة الأمنية وتضييق المجال العام، حتى في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على ملايين المصريين.

 

المفارقة التي تكشفها العلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي هي أن القاهرة تحصل على مليارات اليوروهات مقابل التعاون في ملفات الهجرة والأمن والاستقرار الإقليمي، بينما تتراجع قضية الحريات إلى الصفوف الخلفية من أجندة الشركاء الأوروبيين.

 

وفي أحدث حلقات هذا المسار، أقرت المفوضية الأوروبية تحويل 1.5 مليار يورو إلى مصر، ضمن حزمة الدعم الأوروبية التي تصل إلى 7.4 مليار يورو للفترة بين 2024 و2027، تشمل تمويلًا واستثمارات وقروضًا ميسرة، فيما يحتل ملف الهجرة وضبط الحدود موقعًا رئيسيًا في الشراكة بين الجانبين.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: **إذا كانت القاهرة قادرة على تقديم تنازلات واسعة في ملفات الاقتصاد والاستثمار والهجرة للحصول على التمويل الخارجي، فلماذا لا تقدم تنازلات مماثلة في ملف الحريات والإفراج عن سجناء الرأي وفتح المجال العام؟**

 

الإجابة، وفق قراءة معارضة للمشهد، تبدو مرتبطة بطبيعة النظام السياسي نفسه؛ فالتراجع عن القبضة الأمنية يعني بالنسبة للسلطة فتح المجال أمام قوى سياسية ومجتمعية يمكن أن تطالب بمراجعة سياساتها الاقتصادية والسياسية، وهو ما لا يبدو أن النظام مستعد له.

 

## 12 عامًا من تراجع الحريات

 

منذ وصول عبدالفتاح السيسي إلى السلطة عقب أحداث 2013، شهدت مصر، وفق تقارير منظمات حقوقية دولية، تضييقًا واسعًا على الحريات السياسية والمدنية وحرية الصحافة والتجمع والتعبير.

 

وتصنف منظمة **فريدوم هاوس** مصر في تقريرها لعام 2025 ضمن الدول «غير الحرة»، بدرجة 18 من 100 في مؤشر الحريات العالمية، و28 من 100 في مؤشر حرية الإنترنت. وتقول المنظمة إن المعارضة السياسية الفاعلة تكاد تكون غائبة، وإن التعبير عن الرأي المعارض قد يؤدي إلى الملاحقة الجنائية والسجن، فيما تخضع حرية الصحافة والتجمع لقيود شديدة. ([Freedom House][1])

 

أما **هيومن رايتس ووتش**، فتقول في تقريرها العالمي لعام 2026 إن المصريين لا يزالون يعيشون تحت قبضة سلطوية، وإن السلطات واصلت قمع المنتقدين السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بينما ظل المجال المدني مقيدًا بشدة، وبقي آلاف المحتجزين رهن الحبس الاحتياطي المطول أو يقضون عقوبات صدرت في محاكمات وصفتها المنظمة بأنها جائرة. ([hrw.org][2])

 

وتذهب **منظمة العفو الدولية** في تقييمها لعام 2025 إلى أن السلطات المصرية أحالت آلاف الأشخاص إلى المحاكمة بتهم مرتبطة بالإرهاب، وأن كثيرين منهم استُهدفوا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، كما تحدثت عن استمرار الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب والإفلات من العقاب. ووفق المنظمة، أُحيل نحو 6 آلاف شخص، بينهم صحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، إلى دوائر إرهاب بين سبتمبر 2024 ومايو 2025. ([Amnesty International][3])

 

هذه التقارير لا تقدم صورة عن تراجع عابر أو مؤقت، وإنما تشير إلى مسار ممتد منذ أكثر من عقد، أصبحت خلاله المساحة المتاحة للمعارضة والعمل السياسي المستقل وحرية التعبير أضيق بكثير مما كانت عليه قبل 2013.

 

## لماذا يفرّط النظام في كل شيء إلا الحريات؟

 

في قراءة سياسية معارضة، يمكن فهم سلوك السلطة من خلال مفارقة واضحة: **كلما ازدادت الضغوط الاقتصادية، ازداد انفتاح الحكومة على التفاوض حول الأصول والاستثمارات والتمويل الخارجي، بينما بقي ملف الحريات هو الخط الأحمر الأكثر صلابة.**

 

فالسلطة المصرية قدمت خلال السنوات الماضية تنازلات اقتصادية واسعة، من بيع حصص في شركات وأصول حكومية، إلى جذب الاستثمارات الخليجية والأجنبية، والحصول على برامج تمويل دولية، وتوقيع شراكات استراتيجية مع قوى إقليمية ودولية.

 

لكن عندما يتعلق الأمر بالإفراج عن المعارضين أو وقف الحبس الاحتياطي المطول أو فتح المجال السياسي والإعلامي، تبدو المرونة أقل بكثير.

 

والسبب، بحسب هذا التحليل، أن السلطة تنظر إلى الاقتصاد باعتباره ملفًا يمكن التفاوض عليه تحت ضغط الحاجة إلى العملة الصعبة، بينما ترى في الحريات تهديدًا مباشرًا لاحتكارها المجال السياسي.

 

بمعنى آخر، **يمكن للنظام أن يبيع حصة في شركة، أو يمنح مستثمرًا امتيازًا، أو يقبل شروطًا مالية للحصول على قرض، لكنه لا يبدو مستعدًا للتنازل عن الأدوات التي تمكنه من السيطرة على المجال العام.**

 

وهنا تصبح الحريات، في نظر السلطة، ليست حقًا أصيلًا للمواطن، وإنما مساحة سياسية يمكن فتحها أو إغلاقها بحسب حسابات الأمن والاستقرار.

 

## أوروبا ترى «الاستقرار».. والمصريون يدفعون الثمن

 

المشكلة لا تقع على عاتق القاهرة وحدها؛ فالاتحاد الأوروبي نفسه يواجه انتقادات متزايدة بسبب ما يراه حقوقيون ازدواجية في التعامل مع ملف حقوق الإنسان.

 

ففي الوقت الذي تنتقد فيه المؤسسات الأوروبية انتهاكات حقوقية في دول أخرى، يبدو أن أهمية مصر الجيوسياسية بالنسبة لأوروبا، خصوصًا في ملفات الهجرة والحدود والأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي، تجعل ملف الحقوق أقل أولوية عندما يتعارض مع المصالح السياسية.

 

وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت من أن الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومصر، التي تشمل حزمة بقيمة 7.4 مليار يورو، يجب ألا تتم بمعزل عن ضمانات حقوق الإنسان، خصوصًا في ظل الانتقادات المتعلقة بالتعامل مع اللاجئين والمهاجرين. ([Amnesty International][4])

 

وتكشف هذه المعادلة عن سؤال أكثر خطورة: **هل أصبحت القاهرة بالنسبة لأوروبا حارسًا للحدود الجنوبية للقارة، بحيث باتت السيطرة على الهجرة أهم من الحريات داخل مصر؟**

 

إذا كان الأمر كذلك، فإن أموال أوروبا لا تعالج جذور الأزمة المصرية، بل قد تمنح النظام مزيدًا من القدرة على الاستمرار في سياساته، بينما تظل الأسباب السياسية والاقتصادية التي تدفع الشباب إلى الهجرة أو الاحتجاج قائمة.

 

## «الاستقرار» الذي يخفي الأزمة

 

تراهن الأنظمة الأوروبية على أن بقاء الوضع السياسي في مصر مستقرًا أفضل من حدوث اضطرابات قد تدفع بمزيد من المهاجرين إلى سواحلها.

 

لكن حقوقيين يحذرون من أن هذا النوع من الاستقرار قد يكون مؤقتًا؛ لأن الاستقرار القائم على إغلاق المجال العام لا يعالج أسباب الغضب، وإنما يؤجل انفجاره.

 

وتشير تقارير حقوقية إلى أن السلطات المصرية واصلت استخدام الاعتقال والحبس الاحتياطي والمحاكمات المرتبطة بقضايا الإرهاب في مواجهة منتقدين ومعارضين. كما وثقت منظمة العفو الدولية في 2025 اعتقالات طالت عشرات الأشخاص بسبب منشورات ومحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي ينتقد الحكومة أو يدعو إلى التغيير السياسي. ([Amnesty International][5])

 

وفي يوليو 2024، قالت المنظمة نفسها إن السلطات اعتقلت 119 شخصًا، بينهم نساء وطفل، على خلفية دعوات احتجاجية عبر الإنترنت مرتبطة بارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء. ([Amnesty International][6])

 

وهكذا، فإن المواطن المصري يجد نفسه أمام معادلة صعبة: **أزمة اقتصادية تتفاقم، وارتفاع في الأسعار، وتراجع في القدرة الشرائية، وفي الوقت نفسه مساحة محدودة للغاية للاحتجاج أو التعبير عن الغضب.**

 

## حتى اللاجئون دخلوا معادلة الصفقة

 

لا يقتصر الجدل الحقوقي على المصريين، بل يمتد إلى ملف اللاجئين والمهاجرين، الذي يمثل أحد أهم أسباب التقارب الأوروبي المصري.

 

فقد وثقت منظمة العفو الدولية حالات اعتقال تعسفي وترحيل قسري بحق لاجئين سودانيين، وحذرت من أن التعاون الأوروبي مع القاهرة في مجال الهجرة وضبط الحدود يجب أن يتضمن ضمانات حقوقية حقيقية. ([Amnesty International][4])

 

وهنا تظهر مفارقة أخرى: أوروبا تمول مصر لمساعدتها في إدارة ملف الهجرة، لكنها في الوقت نفسه تواجه انتقادات حقوقية بسبب المخاطر التي يتعرض لها مهاجرون ولاجئون داخل مصر.

 

وبذلك تصبح حقوق الإنسان، سواء للمصريين أو للاجئين، رهينة لمعادلة أوسع عنوانها: **المال مقابل الاستقرار، والاستقرار مقابل منع الهجرة.**

 

## لماذا لا يضغط البرلمان والإعلام؟

 

يبقى السؤال الأصعب داخل مصر: لماذا لا تتحول هذه الملفات إلى قضية رأي عام حقيقية؟

 

فالبرلمان، الذي يفترض أن يمثل المواطنين ويراقب السلطة التنفيذية، لم يتحول إلى منصة فعالة لمساءلة الحكومة حول تراجع الحريات أو مصير المعتقلين أو شروط التمويل الخارجي.

 

كما أن الإعلام المصري الرسمي والخاص الخاضع بدرجات متفاوتة للقيود لا يمنح هذه القضايا المساحة التي تتناسب مع خطورتها.

 

وبذلك يصبح المواطن أمام دائرة مغلقة: **سلطة تنفيذية تفرض سياساتها، وبرلمان محدود القدرة على الرقابة، وإعلام مقيد، ومعارضة محاصرة، وشركاء دوليون يفضلون التعامل مع الحكومة القائمة على مواجهة ملف حقوق الإنسان.**

 

## المعادلة التي يطرحها السيسي

 

بعد أكثر من عقد على حكم السيسي، تبدو المعادلة التي تحكم مصر، وفق القراءة المعارضة، قائمة على مقايضة غير معلنة: تقديم تنازلات اقتصادية للحصول على الأموال والاستثمارات، وتقديم خدمات استراتيجية للقوى الدولية مقابل الدعم السياسي، في حين يتم الحفاظ على القبضة الأمنية باعتبارها الضمانة الأساسية لبقاء النظام.

 

لكن هذه المعادلة تطرح سؤالًا جوهريًا: **إذا كانت مصر قد قدمت الكثير في الاقتصاد والاستثمار والهجرة، فما الذي حصل عليه المصريون في المقابل من حقوقهم السياسية والمدنية؟**

 

تقارير حقوقية دولية متتالية تقول إن الإجابة لا تبدو إيجابية؛ فمصر لا تزال مصنفة ضمن الدول غير الحرة، والمجال المدني مقيد، والمعارضة السياسية ضعيفة، وحرية التعبير والصحافة تواجه قيودًا واسعة، فيما تستمر الاعتقالات والمحاكمات التي تطال منتقدين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان. ([Freedom House][1])

 

والأخطر أن استمرار هذه السياسة قد يحول «الاستقرار» من وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة لحماية السلطة نفسها.

 

فالدولة التي تحصل على مليارات الدولارات لمنع الهجرة، بينما تغلق في الداخل أبواب المشاركة السياسية، قد تنجح في تأجيل الأزمة، لكنها لا تعالج جذورها.

 

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يظل مطروحًا أمام المصريين وشركائهم الأوروبيين ليس فقط: كم مليار يورو تحتاجه مصر؟\ بل: كم تبقى من الحريات التي يمكن للمصريين أن يخسروها قبل أن يصبح الاستقرار نفسه مجرد غطاء لأزمة أعمق؟