13 عامًا بلا متهم واحد.. طمس الأدلة وتشويه الحقائق وإفلات من العقاب

- ‎فيتقارير

لا ينصب التركيز فيها فقط على حجم المأساة والضحايا، بل يمتد لتسليط الضوء على الفراغ القانوني وغياب الجاني الرسمي أمام عدالة غائبة لأكثر من عقد كامل دولي مستمر.

في الذكرى العاشرة للحدث، أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن السلطات المصرية فشلت طوال عقد كامل في محاسبة أي شخص عن أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث بحسب وصفها. كما أشارت منظمة العفو الدولية في عام 2023 إلى أن أكثر من 900 شخص قد قُتلوا في أحداث رابعة، وسط استمرار حالة الإفلات التام من العقاب.

وإذا كان هناك مئات القتلى، وآلاف الشهود، ومئات التسجيلات المصورة والصور الفوتوغرافية والتقارير الدولية الموثقة.. فأين الجاني؟

 

غياب الجاني ليس صدفة.. بل هندسة قانونية مقصودة

ولم يكن غياب المتهم الوحيد في قضية رابعة مجرد إخفاق في التحقيقات، بل نتاج سلسلة من الإجراءات القانونية والقضائية التي صُممت لضمان الإفلات التام من العقاب.

حيث جرى اعتقال المحامين والمدافعين عن الحقوق، وتعرض محامو الضحايا وأسرهم لملاحقات قضائية واعتقالات متكررة، مما أفشل أي محاولة لرفع دعاوى داخلية أو توثيق الجرائم قانونياً. وشهدت الفترة التي تلت رابعة تعديلات جوهرية على قانون السلطة القضائية، ركزت السلطات في يد رئيس الجمهورية، ووسعت نطاق
اختصاص المحاكم العسكرية والاستثنائية على حساب القضاء المدني الطبيعي، مما جعل أي مسار قضائي داخلي مستقل شبه مستحيل.

إحكام السيطرة على هيئة القضاة حيث تنصيب قيادات موالية في المواقع القضائية العليا، وتحويل القضاء إلى أداة في يد السلطة التنفيذية، بدلاً من كونه رقيباً عليها.

محاكم لندن والقضايا الأوروبية

ورغم الإفلات الداخلي، شهدت السنوات الأخيرة محاولات قانونية خارج الحدود المصرية، فقد رفع عدد من المنظمات الحقوقية وأهالي الضحايا دعاوى أمام محاكم في بريطانيا وأوروبا، مستندين إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية أينما وقعت.

وواجهت هذه الدعاوى عقبات كبيرة، أبرزها الحصانة السيادية التي يتمسك بها رؤساء الدول، وغياب الإرادة السياسية الأوروبية الكافية لملاحقة نظام يُنظر إليه كحليف استراتيجي في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب.

ومارست "القاهرة" في ظل الانقلاب ضغوطاً دبلوماسية مكثفة على الدول الأوروبية لعرقلة أي مسار قضائي، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية والأمنية المتنامية مع هذه الدول.

 

حين يصمت العالم

وأكد مراقبون أن غياب الجاني لم يكن مجرد فشل قضائي مصري، بل كان نتاج تواطؤ دولي صريح حيث يتهم مراقبون السلطات بازدواجية المعايير، فبينما تصدر الدول الغربية بيانات إدانة شكلية، تواصل في الوقت نفسه تعزيز علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع النظام المصري، وتستقبل قادته في العواصم الأوروبية.

وبرأي المراقبين فقد تحولت مصر إلى شريك أمني لا غنى عنه في ملف الهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تمويل النظام بمليارات اليوروهات مقابل إحكام السيطرة على الحدود.

ويبدو أن المجتمع الدولي اختار "النسيان العملي" لرابعة، تماماً كما فعل مع جرائم أخرى في المنطقة، طالما أن النظام الحالي يخدم مصالحه الاستراتيجية.

 

القاتل الذي لا يتوقف عن تبرير فعلته

في عز انتصاره، ما زال القاتل حريصاً على تبرير فعلته، وكأنه موصوم بالعار أو مدين بالبيان. عشر سنوات متتاليات لا ينقطع فيها عن تذكير الناس كل سنة -عبر عمل فني- بأنه فعل ذلك "حنكة ودهاء وحفظاً وحماية" وليس مكراً ولا غدرة. هذا الإصرار على التبرير المستمر يكشف أن الجاني نفسه يعرف حجم الجريمة، وأنه يحاول جاهداً إعادة كتابة التاريخ بما يخدم روايته.

ولأن الدم لا يسقط بالتقادم، ولأن القاتل ما زال يحكم بالخوف. فالقتلة الذين أداروا المجزرة هم أنفسهم من يصادرون اليوم حياة المصريين وقوتهم. نسيان رابعة يعني القبول بـ"معادلة الرعب" التي أقامها النظام. لم تكن رابعة مجرد ميدان يُفض، بل كانت "لحظة الحقيقة" التي كشفت وجه الاستبداد الكالح.. ومهما حاول النظام إعادة كتابة التاريخ، تبقى الحقيقة الثابتة: الجسد يُقتل، لكن الفكرة لا تُمحى، والذاكرة لا تُهزم.

13 عاماً بلا متهم واحد

ليس مجرد رقم، بل عنوان لجريمة كاملة الأركان، صُمم لها نظام قانوني وقضائي يضمن إفلات الجاني، وتواطأ معها المجتمع الدولي الذي فضّل المصالح على العدالة، وبقيت ضحاياها شاهداً حياً يرفض الدفن. السؤال الذي يظل مفتوحاً: إذا كان هناك مئات القتلى، وآلاف الشهود، ومئات التسجيلات والصور والتقارير الدولية.. فأين الجاني؟

السؤال أعاده حساب "صدى مصر " بسؤال "لماذا لم ينسَ المصريون مجزرة رابعة؟» مرت 13 عاماً على 14 أغسطس 2013، أنفق فيها النظام الملايين، وسخّر الإمبراطوريات الإعلامية، وجيَّش الدراما والسينما، واستخدم أعلى درجات البطش الأمني لمحو الجريمة من ذاكرة المصريين… ومع ذلك، فشلت كل محاولاته، وبقيت "رابعة" جرحاً مفتوحاً وشاهداً حياً يرفض الدفن.

 

https://x.com/sadamisr25/status/2088354979169931392

الصحفي عمار مطاوع كتب عبر (X) "منذ فض رابعة، والقـ.ـاتل لم يتجاوز الحدث حتى اليوم.. في عز انتصاره، ما زال حريصا على أن يُبرر فعلته، وكأنه موصوم بالعار أو مدين بالبيان.. عشر سنوات متتاليات لا ينقطع القـ.ـاتل فيها عن تذكير الناس كل سنة -عبر عمل فني- بأنه فعل ذلك حنكة ودهاء وحفظا وحماية.. وليس مكرا ولا غدرة!".

https://x.com/AmmarMetawa/status/2088287820632744039

وأضاف "مش ضد عـدو خارجي متربص ومستني الفرصة. النظام في مصر شايف إن الخطر من جوه مش من بره.. من الشعب مش من العدو.. ودي مصيبة أكبر من بناء العاصمة الإدارية.. مصيبة…".

 

من الأرقام المتضاربة إلى تسمية المسئولين

على مدار عشر سنوات منذ فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013، ظل الجدل محتدماً حول سبع نقاط خلافية، من عدد الضحايا إلى مصدر إطلاق النار الأول.

في هذا السياق، حاول فريق "صحيح مصر" الصحفي عبر تقارير "لجان تقصي الحقائق" التي شكلتها حكومة الانقلاب والوثائق الرسمية وشهادات العيان والمنظمات المحلية والدولية.

 

أرقام الضحايا: فجوة لا يمكن ردمها

وتباينت الأرقام حول عدد قتلى فض الاعتصام بشكل لافت؛ إذ انتهى تقرير "لجنة تقصي حقائق" ما بعد 30 يونيو إلى مقتل 607 مدنيين بالإضافة إلى 8 من الشرطة، في حين أورد تقرير هيومن رايتس ووتش أن العدد "لا يقل عن 817 شخصاً وأكثر من ألف على الأرجح".

ويُدعم ذلك تصريح حازم الببلاوي رئيس الوزراء حينها، إذ قال: "أعتقد أن أعداد الجثث كانت تقترب من الألف". أما المجلس القومي لحقوق الإنسان فقال إن العدد 632 قتيلاً بينهم 8 من رجال الشرطة، بينما ذكر المتحدث الرسمي لمصلحة الطب الشرعي أن حالات الوفاة بلغت 627 حالة رسمياً، ولا يستبعد وجود نحو 20 حالة أخرى دُفنت دون إخطار رسمي، بحسب ما نقلت صحيح مصر.

 

الممر الآمن: وعد لم يُنفذ

وأعلنت قوات الشرطة عن تحديد طريق النصر كممر آمن لخروج المعتصمين، مع التأكيد على عدم ملاحقة الخارجين.

لكن تقرير لجنة تقصي الحقائق، الذي نشرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية جزءاً منه، كشف أن الممر لم يكن مفتوحاً ولا آمناً من الساعة 7:45 صباحاً حتى 3 مساءً، وهي الساعات التي شهدت قتل مئات المعتصمين.

ووثّق المجلس القومي لحقوق الإنسان أن الإنذار بالخروج لم يستمر سوى 25 دقيقة فقط، بينما أشار تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أن المغادرة الآمنة الجماعية لم تتحقق إلا في الساعة 6 مساءً، وهو المشهد الذي بثه التلفاز المصري كدليل على وجود مخارج آمنة. هنا يبرز سؤال ثانٍ: إذا كان الممر آمناً كما ادعت الحكومة، فلماذا لم يسمح بخروج المعتصمين إلا بعد ساعات من القتل الجماعي؟

 

من 20 ألفاً إلى 182 ألفاً

وتفاوتت الروايات حول أعداد المعتصمين بشكل صارخ؛ فبينما عدّت جماعة الإخوان المتواجدين بأربعة ملايين، هوت الحكومة بالعدد إلى نحو 20 ألفاً فقط بحسب تصريحات وزير الداخلية محمد إبراهيم.

ولكن "هيومن رايتس ووتش"، مستعينة بصور القمر الصناعي لإحدى ليالي الاعتصام، قدّرت ما يقرب من 85 ألف متظاهر في المنطقة ليلتها، فيما قدّر التقرير النهائي للجنة تقصي الحقائق القدرة الاستيعابية للميدان بنحو 182.1 ألف فرد كحد أقصى. هذا التفاوت الهائل في التقديرات يطرح سؤالاً ثالثاً: كيف يمكن للحكومة أن تُخطط لعملية فض بهذا الحجم دون معرفة دقيقة بعدد المتواجدين، أم أن التقليل من العدد كان مبرراً مسبقاً لحجم القوة المستخدمة؟

 

الأسلحة: محدودة أم ذريعة؟

رصدت هيومن رايتس ووتش وجود عدد من الأسلحة في أيدي المتظاهرين، لكنها أكدت أن هذا العدد "كان محدوداً". وقال وزير الداخلية إن قوات الأمن صادرت 15 بندقية من اعتصام رابعة، فيما رصد تقرير لجنة تقصي الحقائق ضبط 51 سلاحاً نارياً، أشارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن من بينها 32 سلاح خرطوش.

وتساءلت "صحيح مصر" هذا الرقم الضئيل من الأسلحة مقابل مئات القتلى يطرح سؤالاً رابعاً: هل يمكن تبرير مقتل أكثر من 800 شخص بالرد على 51 سلاحاً نارياً؟

 

اعتراف بالتوقع المسبق

وكشفت تصريحات المسئولين أن الحكومة كانت تُدرك حجم الكارثة المحتملة؛ إذ قال وزير الداخلية محمد إبراهيم: "وفقاً للمعايير العالمية كان متوقعاً وقوع 10% من المتواجدين خسائر"، وقدّر عدد المعتصمين بأكثر من 20 ألفاً وقت الفض.

وقال حازم الببلاوي: "الخسائر التي كانت متوقعة أكبر بكثير مما حدث فعلياً على الأرض".

أما هيومن رايتس ووتش فنقلت عن أحد المدافعين عن حقوق الإنسان أن مسئولي وزارة الداخلية، في اجتماع مع منظمات حقوقية قبل الفض بتسعة أيام، كشفوا عن توقعهم لحصيلة وفيات تبلغ 3500 شخص. هذا الاعتراف بالتوقع المسبق لحجم الخسائر يطرح سؤالاً خامساً: إذا كانت الحكومة تتوقع سقوط آلاف القتلى، فلماذا مضت قدماً في خطة الفض دون تعديلها؟

 

خيارات رُفضت

وحصلت لجنة تقصي الحقائق على إفادة رسمية من اللواء مدحت المنشاوي، قائد عملية الفض، تفيد بمناقشة بدائل أخرى لاستخدام القوة. البديل الأول كان قطع المياه والكهرباء وفتح الصرف الصحي على منطقة التجمع، وتم التراجع عنه لما له من أثر على المواطنين المقيمين.

البديل الثاني تمثل في محاصرة التجمع ومنع وصول المؤن الغذائية، واستُبعد لما له من أثر على سكان المنطقة. هذا التوثيق الرسمي لوجود بدائل سلمية يطرح سؤالاً سادساً: لماذا رفضت الحكومة جميع البدائل غير الدموية واختارت القوة المميتة؟

 

من بدأ إطلاق النار؟ ومن يتحمل المسئولية؟

وتباينت الروايات حول مصدر الطلقات الأولى؛ فأشارت النسخة النهائية لتقرير لجنة تقصي الحقائق، التي لم تُنشر رسمياً، إلى أن المسلحين من داخل الاعتصام بدأوا بإطلاق النيران، لكنها أضافت أن قوات الأمن كان عليها التحسب لذلك مسبقاً وفقاً للخطة الموضوعة سلفاً، وأنها أخفقت في تقدير أعداد الضحايا عند الرد.

وقالت هيومن رايتس ووتش إنه "لا يمكن التثبت من مصدر الطلقات الأولى"، لكنها وثقت أن المتظاهرين فتحوا النار في عدد محدود من الوقائع، مشيرة إلى قلة أعداد المسلحين.

أما المجلس القومي لحقوق الإنسان فرصد أن المسلحين قابلوا قوات الشرطة بإطلاق النار والمولوتوف والحجارة، لكنه ألقى باللوم على قوات الفض أيضاً: "قوات الشرطة وإن كانت اضطرت إلى الرد على إطلاق النار، إلا أنها أخفقت في التركيز على مصادر إطلاق النار المتحركة بين المتجمعين مما زاد من أعداد الضحايا".

"نحن نسجل": تسمية المسئولين مباشرة.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=836279461195874&set=a.758562705634217&locale=ar_AR

رواية "نحن نسجل"

وبينما اكتفى "صحيح مصر" بعرض الأرقام الرسمية (بعيدا بشكل مطلق عن أرقام الطرف المعتدي عليه)، ذهب فريق "نحن نسجل" الحقوقي إلى أبعد من ذلك بتقديم رواية تصفية وحاسمة.

ووصف الفريق الحدث بأنه "أكبر عملية قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث"، نُفذت من قبل قوات مشتركة من الجيش والشرطة ضد معتصمين سلميين مؤيدين للرئيس المنتخب محمد مرسي.

ووثق الفريق أن العملية شملت إطلاق الرصاص الحي العشوائي وإضرام النيران في منطقة الاعتصامين، بما في ذلك الخيام والمسجد والمستشفى الميداني، مع تدخل الجرافات العسكرية لطمس آثار المجزرة ونقل ما خلفته القوات إلى منطقة صحراوية غير معلومة تابعة للجيش المصري.

الأهم أن "نحن نسجل" قدم قائمة بأسماء المسئولين عن القرار والتنفيذ، استناداً إلى شهادات مرئية جمعها الفريق، من بينها شهادة حازم الببلاوي الذي أقر بأن قرار الفض اتخذ بشكل جماعي في مجلس الوزراء، وأن خطة الفض النهائية أُقرت من الرئيس المؤقت عدلي منصور، ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، ورئيس الأركان صدقي صبحي، ورئيس المخابرات الحربية محمود حجازي، ومدير جهاز المخابرات العامة محمد فريد التهامي، ووزير الداخلية محمد إبراهيم، ورئيس جهاز الأمن الوطني خالد ثروت، واللواء مدحت المنشاوي الذي كُلف بقيادة عمليات القتل. كما وثق الفريق أسماء 21 امرأة من بين القتلى.

المجني عليهم أصبحوا جناة

أكد "نحن نسجل" في 14 أغسطس 2019 أنه لم يُفتح أي تحقيق في أي واقعة من وقائع القتل، بل قامت السلطات المصرية بإدراج المعتقلين من المعتصمين في قضية خاصة بهذا اليوم، "ليتم تحويل المجني عليهم إلى جناة، وليصبح الشهود متهمين".

وأشار الفريق إلى أن حازم الببلاوي، أحد المسؤولين عن اليوم بحكم موقعه كرئيس للحكومة، يعمل الآن كمدير تنفيذي في صندوق النقد الدولي لعدد من دول الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، كشفت تسريبات عن لجنة تقصي الحقائق الرسمية نفسها عن وجود إدانات.

https://x.com/WeRecordAR/status/1161585976407470080