لم يكن محمود الأحمدي يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره حين انتهت حياته خلف القضبان، بعدما تحولت أحلام شاب أزهري متفوق في التعليم إلى قصة مأساوية تختصر جانبًا مؤلمًا من سنوات القمع والأحكام بالإعدام في مصر.
كان محمود، المولود في 15 يوليو 1994 بقرية كفر السواقي التابعة لمركز أبو كبير بمحافظة الشرقية، طالبًا بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، يطمح إلى التفوق والتعيين معيدًا في الجامعة، كان يحب الحياة، وحفظ القرآن، وكرة القدم، والرحلات وصيد السمك، ويستمتع باللعب مع الأطفال وتقديم الحلوى والهدايا لهم.
كان، بحسب أسرته ومن عرفوه، شابًا هادئًا مرحًا، مقبلًا على الحياة، ولم يكن يتصور أن الطريق الذي بدأه طالبًا للعلم سينتهي به إلى زنزانة ثم إلى حبل المشنقة.
من قاعات المحاضرات بالجامعة إلى زنزانة أمن الدولة
في فبراير 2016، اعتُقل محمود، بحسب رواية أسرته، ونُقل إلى مقر مباحث أمن الدولة في لاظوغلي بالقاهرة.
هناك بدأت، وفق شهاداته أمام المحكمة، واحدة من أقسى مراحل حياته.
قال محمود إن اعترافات انتُزعت منه تحت التعذيب، وإنه تعرض للصعق بالكهرباء والحرمان من النوم والطعام والزيارات، وتحدث أمام المحكمة عن آثار التعذيب التي قال إنها تركت علامات واضحة على جسده.
لم يكن دفاعه أمام القاضي مجرد محاولة لإنقاذ نفسه، بل تحول إلى شهادة على ما قال إنه حدث له ولآخرين داخل أماكن الاحتجاز.
وفي واحدة من أكثر لحظات محاكمته تأثيرًا، قال للقاضي:
"اديني صاعق كهرباء وأنا أخلي أي حد يعترف إنه قتل الرئيس الراحل أنور السادات"
ثم أضاف أن كمية الكهرباء التي تعرضوا لها، بحسب قوله، كانت تكفي مصر لعشرين عامًا مقبلة.
كانت كلمات شاب نحيل يقف داخل قفص الاتهام، لكنه حاول أن يحول ضعفه الجسدي إلى قوة في مواجهة ما اعتبره ظلمًا وقع عليه.
تهمة اغتيال النائب العام
وُجهت إلى محمود وآخرين اتهامات تتعلق باغتيال النائب العام السابق هشام بركات، الذي قُتل في يونيو 2015 إثر تفجير استهدف موكبه في القاهرة.
لكن محمود تمسك أمام المحكمة بأنه لم يرتكب الجريمة، وأن الاعترافات المنسوبة إليه انتُزعت منه تحت التعذيب.
وبحسب رواية أسرته، أخبره أحد ضباط أمن الدولة بأنه سيُحمَّل القضية، وهو ما اعتبرته الأسرة دليلًا على تلفيق الاتهام، وفي المقابل، مضت إجراءات المحاكمة حتى صدر الحكم بإعدامه.
وكان محمود واحدًا من مجموعة من المتهمين الذين انتهت قضيتهم إلى أحكام بالإعدام، وسط انتقادات حقوقية وقانونية واسعة لطريقة التعامل مع القضية، ولما قاله محامون عن انتهاك قواعد المحاكمة العادلة والاعتماد على اعترافات قال المتهمون إنها انتُزعت تحت التعذيب.
حين يصبح القفص مكانًا للشهادة
لم يكن محمود يملك في قاعة المحكمة سوى صوته.
كان جسده، كما وصفته أسرته، ضعيفًا، لكن كلماته كانت تحمل إصرارًا على الدفاع عن نفسه.
وقال للقاضي: "إنه سوف يحاججه أمام الله يوم القيامة، لأنه رأى أنه ظُلم".
تلك الكلمات بقيت من أكثر مشاهد القضية حضورًا في ذاكرة من تابعوا محاكمته، لأنها لم تكن كلمات سياسي أو قائد جماعة، وإنما كلمات شاب في مقتبل العمر وجد نفسه فجأة في مواجهة حكم قد ينهي حياته.
أمٌّ تنتظر ابنها حتى اللحظة الأخيرة
خلف القضبان كانت هناك أسرة تنتظر.
كانت أم محمود تعيش على أمل أن يعود ابنها إليها، وأن تنتهي المحاكمة بالبراءة، وأن يعود إلى جامعته وحياته وأصدقائه وأحلامه.
وفي آخر زيارة أسرية له، بحسب رواية أسرته، كان محمود سعيدًا بوجود أطفال العائلة، فقضى وقت الزيارة في اللعب معهم، ووعدهم بأن يواصل اللعب معهم عندما يخرج.
كان يتحدث معهم كما لو أن المستقبل ما زال مفتوحًا أمامه.
لم يكن يعلم أن ذلك الوعد ربما كان آخر وعد يقطعه لهم.
لم تعرف الأسرة بموعد الإعدام
في عام 2019 نُفذ حكم الإعدام في محمود.
وتقول أسرته: "إنها لم تُبلَّغ مسبقًا بموعد التنفيذ، وإنها علمت بالأمر من خلال وسائل الإعلام، الأمر الذي حرمها من فرصة الوداع الأخير".
تحول الخبر بالنسبة إلى الأسرة من انتظار طويل للأمل إلى صدمة لا يمكن استيعابها.
فالشاب الذي خرج من منزل أسرته طالبًا للعلم، عاد إليها جثمانًا.
وتولت الأسرة استلام جثمانه من مشرحة زينهم، قبل أن يُنقل إلى قريته كفر السواقي.
وبحسب الرواية المتداولة عن جنازته، فرضت سلطات الانقلاب إجراءات أمنية مشددة حول القرية، فيما خرج الأهالي لتشييعه بالدعاء والتكبير.
أم تستقبل جثمان ابنها بالزغاريد
في واحدة من أكثر الصور الإنسانية قسوة وتأثيرًا، استقبلت والدة محمود جثمان ابنها بالزغاريد.
لم تكن الزغاريد بالنسبة إليها احتفالًا بالموت، وإنما كانت تعبيرًا عن يقين ديني بأن ابنها، الذي ترى أنه قُتل ظلمًا، قد انتقل إلى رحمة الله.
كانت أمًا فقدت ابنها، لكنها حاولت أن تواجه لحظة الانكسار بالإيمان والصبر.
ورأت أن ما حُرم منه محمود في الدنيا من حياة ومستقبل وزواج وعمل، ينتظره في الآخرة.
شاب كان يريد أن يكون معلّمًا
بعيدًا عن أوراق القضية وأحكام المحاكم، كان هناك محمود آخر.
شاب يحب كرة القدم, يحب الرحلات وصيد السمك, يحب الأطفال ويمنحهم الحلوى, يحب حفظ القرآن.
ويحلم بأن يصبح معيدًا في الجامعة.
كان أصغر إخوته، وكان أمامه، لو استمرت حياته بصورة طبيعية، سنوات طويلة من الدراسة والعمل والزواج وتكوين الأسرة.
لكن تلك الحياة لم تبدأ أصلًا،
لقد اختُصر مستقبل إنسان كامل في ملف قضائي وحكم بالإعدام.
شقيقه أيضًا خلف القضبان
لم تتوقف مأساة الأسرة عند محمود.
فقد اعتُقل شقيقه محمد وأُدرج في القضية نفسها، ثم خُفف الحكم الصادر بحقه لاحقًا إلى السجن المؤبد.
وبذلك فقدت الأسرة أحد أبنائها بالإعدام، بينما بقي الآخر خلف القضبان.
وتصف الأسرة ما حدث لمحمود بأنه قتل متعمد مع سبق الإصرار، وترى أن إعدامه لم يكن عدالة وإنما امتدادًا لمأساة بدأت يوم اعتقاله.
شهادة أثارت جدلًا حول القضية
زاد الجدل حول القضية بعد تداول تصريح منسوب إلى مروة، ابنة النائب العام الراحل هشام بركات، قالت فيه إنها علمت بأن عددًا من الشباب المتهمين في قضية اغتيال والدها سيُنفذ بحقهم حكم الإعدام، وإنها ترى أنهم ليسوا هم من قتلوا والدها، مطالبة بالوصول إلى القتلة الحقيقيين.
ما بعد الموت
بعد دفن محمود، تداولت أسرته رواية عن انبعاث رائحة طيبة من قبره في اليوم التالي للدفن، ووصفتها بأنها كانت علامة طمأنينة بالنسبة إليهم.
ومهما كان الموقف من هذه الرواية، فإن الأهم إنسانيًا هو ما تعكسه بالنسبة إلى أسرة فقدت ابنها؛ أسرة تبحث وسط الألم عن أي شيء يمنحها القدرة على الاستمرار.
فحين يفقد الإنسان شخصًا يحبه، يبحث عن معنى يساعده على احتمال الغياب.
محمود الذي لم يحصل على فرصة للحياة
ربما تختزل قصة محمود الأحمدي في النهاية في سؤال بسيط:
ماذا لو أُعطي هذا الشاب فرصة أن يعيش؟
ماذا لو عاد إلى جامعته؟ ماذا لو حصل على الوظيفة التي كان يحلم بها؟ ماذا لو تزوج وأنجب أطفالًا، وربما أصبح يومًا أستاذًا جامعيًا؟
ماذا لو بقيت كرة القدم وصيد السمك والرحلات والأطفال جزءًا من حياته بدلًا من أن تصبح ذكريات في حياة أسرته؟ لا أحد يستطيع أن يعرف الإجابة.
لكن المؤكد أن الإعدام لم ينهِ حياة متهم في قضية فقط؛ بل أنهى حياة إنسان له أحلام وعائلة وطفولة وذكريات ومستقبل كان يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا.
قصة إنسان قبل أن تكون قصة متهم
قضية محمود الأحمدي لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال الاتهامات والأحكام، فوراء كل ورقة في ملف قضائي إنسان.
وخلف كل حكم أسرة تنتظر، وخلف كل زنزانة أم تتمنى أن تسمع صوت ابنها، وخلف كل حكم بالإعدام مستقبل إنسان كان يمكن أن يمتد لعقود.
ولهذا فإن العدالة الحقيقية لا تعني فقط إصدار الأحكام، وإنما تعني أيضًا التأكد من أن كل حكم بُني على أدلة سليمة، ومحاكمة عادلة، واعترافات لم تُنتزع بالإكراه، وحق كامل للمتهم في الدفاع عن نفسه.
أما محمود، فقد رحل.
ورحلت معه أحلام شاب كان يريد أن يكمل دراسته، ويعمل، ويتزوج، ويعيش حياة عادية مثل ملايين الشباب.
وبقيت أسرته تحمل صورته وذكرياته، وبقي السؤال الذي طرحته قصته أكبر من شخصه:
هل يمكن أن تكون العدالة عدالةً إذا كان الإنسان قد دخل قاعة المحكمة بجسد يحمل آثار التعذيب، ثم خرج منها إلى الإعدام؟
ذلك سؤال لا تجيب عنه الزنازين، ولا يغلقه حكم قضائي، وإنما يتركه التاريخ مفتوحًا أمام ضمير المجتمع.