عسكرة التعليم في مصر.. اختبارات المعلمين إلى معايير للوظيفة المدنية

- ‎فيتقارير

يؤكد المراقبون أن الوظيفة التعليمية تحتاج إلى المعرفة والثقافة، والتخصص، والقدرة على التواصل، والمهارات التربوية وإدارة الفصل، بينما لا تعكس القدرة على الجري أو أداء تمارين الضغط بالضرورة أيًا من هذه القدرات.

 

 وترى الإدارة العسكرية للبلاد إدخال التدريب أو الاختبارات البدنية في عملية التأهيل يمكن أن يُقدَّم من جانب الدولة باعتباره جزءًا من إعداد الموظف والانضباط واللياقة؛ ولكن عندما يصبح الرفض بسبب معايير بدنية أو عسكرية غير مرتبطة مباشرة بالوظيفة سببًا لاستبعاد صاحب كفاءة علمية وتربوية تصبح الكارثة.

فالقصة تتجاوز قصة معلمة واحدة المعلمة (نهى السيد) المتقدمة لمهنة (مدرسة الرياضيات) والتي استبعدها العسكري؛ بل معايير اختيار المعلمين، ودور الأكاديمية العسكرية في تأهيل العاملين المدنيين، واستقلال نقابة المعلمين والمهن التعليمية.

وهل يحسم العسكري مستقبل مدرس الرياضيات بقدرته على الجري والضغط والوزن، أم بقدرته على تعليم الرياضيات؟

شبيه هتلر

السياسي والحقوقي د. أسامة رشدي @OsamaRushdi يربط بين السيسي ومحاولة  تقليد هتلر بعسكرة اختيار المعلمين، وهاجم إخضاع المتقدمين لوظائف التدريس لاختبارات بدنية في الأكاديمية العسكرية، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعكس، من وجهة نظره، عسكرة للوظيفة العامة وتقديم الولاء والمظهر الجسدي على الكفاءة المهنية.

 

 وقارن رشدي بين اختبارات اللياقة التي كانت تفرضها ألمانيا النازية على «شبيبة هتلر» لإعداد الشباب للحرب، وبين إخضاع معلمي الرياضيات واللغة العربية ورياض الأطفال لاختبارات الجري والقفز والضغط والبطن والوزن وكشف الهيئة.

 

 وتساءل: ما علاقة قدرة المعلم على أداء تمارين الضغط والجري بقدرته على الشرح والتربية وإدارة الفصل؟

 

 واستند رشدي إلى شهادة المعلمة منى السيد، التي قال "إنها تمتلك 11 عامًا من الخبرة في تدريس الرياضيات، وخاضت مراحل الاختبارات المختلفة بعد فترة قصيرة من الولادة، وخفضت وزنها بصورة كبيرة، قبل أن تنتهي رحلتها بالحصول على نتيجة «غير مقبول» من دون معرفة السبب".

 

ووجد رشدي أن المعلم ليس جندي صاعقة، والمدرسة ليست ثكنة، معتبرًا أن اختيار المعلمين ينبغي أن يقوم على الكفاءة العلمية والتربوية، لا على القدرة البدنية أو الانضباط العسكري.

ولفت إلى ما وثقته المبادرة المصرية من استبعاد 11,951 معلمًا ومعلمة في الجولة الأولى بعد نجاحهم أصلًا في اختبارات التنظيم والإدارة، لأسباب من بينها الوزن والحمل واللياقة وكشف الهيئة، وفي المسابقة الأخيرة أُعلن تعيين 43 ألفًا فقط، بعدما كان الحديث عن 72 ألف وظيفة، بما يثير التساؤل عن مصير 29 ألف فرصة. تقرير المبادرة المصرية⁠

وأشار إلى أننا لسنا أمام مسابقة لاختيار الأكفأ، بل أمام عسكرة للوظيفة العامة وإهانة للمواطن واستغلال لفقره وحاجته إلى راتب متواضع، فبدلًا من قياس معرفة المعلم وكفاءته التربوية، يقيسون محيط خصره وسرعته في الجري وقدرته على أداء تمارين الضغط.

واعتذر لهتلر لتشبيه السيسي به لأنه أقل كثيرا من أن يوضع في مقارنة، ولكننا بالتأكيد أمام عقلية سلطوية مهووسة بالعسكرة والطاعة والمظهر الجسدي، تريد أن تصب المصريين جميعًا في قالب واحد، ثم تجعلهم يدفعون ثمن إذلالهم واستعبادهم ثم استبعادهم.

وتساءل في الختام "هل وصلنا للقاع ام لايزال هناك المزيد من السقوط في الوحل؟!".

 

https://x.com/OsamaRushdi/status/2099534113380130835
 

معلمة محترفة دفعت الثمن

وركز الإعلامي أيمن عزام @AymanazzamAja على القصة الإنسانية للمعلمة منى السيد، باعتبارها نموذجًا لما يراه خللًا في منظومة اختيار المعلمين.

 

ونقل تفاصيل تجربتها في المسابقة، إذ قالت إنها تمتلك خبرة 11 عامًا في تدريس الرياضيات، ونجحت في الاختبار الإلكتروني، ثم خضعت للتدريب والاختبارات الطبية والرياضية، رغم كونها قد وضعت مولودًا قبل فترة قصيرة.

 

وبحسب الرواية التي نشرها، دفعت المعلمة 1008 جنيهات رسومًا للكشف الطبي، وسافرت عدة مرات إلى العاصمة الإدارية، وخفضت وزنها من نحو 83 إلى 55 كيلوغرامًا أثناء فترة الرضاعة، قبل أن تجتاز الاختبارات المطلوبة.

 

 ومع وصولها إلى مرحلة كشف الهيئة، ظنت أن رحلة الاختبارات انتهت وأن التعيين بات قريبًا، لكنها فوجئت في النهاية بعبارة «غير مقبول»، من دون توضيح السبب، بحسب روايتها.

 

 ويضع القصة تحت سؤال أوسع: لماذا يُطلب من معلمة رياضيات اجتياز اختبارات بدنية وعسكرية لا ترتبط مباشرة بمهنتها؟

 

https://x.com/AymanazzamAja/status/2099085943642665232

وزارة التربية والتعليم العسكرية

واختصر سلامة @FattahFattahh موقفه في توصيف ساخر ومباشر، وكتب: وزارة التربية والتعليم العسكرية، ودعا إلى قراءة قصة معلمة الرياضيات، معتبرًا أن إخضاع إجراءات التعيين في وزارة التربية والتعليم للأكاديمية العسكرية بهذه الطريقة يمثل، من وجهة نظره، نموذجًا غير مسبوق.

 

ووصف سلامة الإجراءات بأنها «مهزلة»، ورأى أن اختيار الموظفين المدنيين بهذه الآليات سيترك أثرًا في التاريخ، منتقدًا تحويل التعيين في مهنة التعليم إلى عملية تتضمن اختبارات وإجراءات ذات طابع عسكري.

 

لماذا يُقاس معلم العلوم واللغات بالعدو والتمارين؟

 

وطرح حسن العجوز @hassanelagouz السؤال من زاوية العلاقة بين اللياقة البدنية والكفاءة التعليمية.

وقال: "إن المعلمين يخضعون لتدريب في الأكاديمية العسكرية، وإن النجاح في تمارين الرياضة والعدو يصبح جزءًا من الطريق إلى التعيين، متسائلًا عن علاقة ذلك بقدرات معلم العلوم أو اللغات أو الرياضيات".

 

 ويرى العجوز أن القضية تستحق نقاشًا عامًا، خصوصًا عندما يصبح معيار بدني جزءًا من المفاضلة على وظيفة أساسها المعرفة والمهارة التربوية.

المعلمون "عساكر" بدل الكفاءة والمهنية

 

ومن جانبه، انتقد ماجد صالح @MagedSalla81811 نظام العسكرة للتدريس، معتبرًا أن التعامل مع المعلمين بمنطق «صفا وانتباه» يحولهم إلى ما يشبه العسكريين بدل التركيز على الكفاءة المهنية.

ويختزل موقفه في اعتراض أساسي: هل المطلوب من المعلم أن يكون منضبطًا عسكريًا أم أن يكون مؤهلًا لتعليم الطلاب؟

المبادرة المصرية: قرابة 12 ألف مستبعد من الناجحين في الاختبارات التربوية

أما المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فقد قدمت القضية من زاوية حقوقية، مشيرة إلى أن متقدمين لمسابقة تعيين المعلمين فوجئوا باشتراط خضوعهم لاختبارات في الأكاديمية العسكرية شملت تمارين الضغط والبطن، والجري لمسافتي 100 و800 متر، والوثب من الثبات، والزجزاج.

وبحسب المبادرة، استُبعد نحو 12 ألف متقدم ممن نجحوا في الاختبارات التربوية، لأسباب قالت إنها شملت الوزن والقدرات البدنية والحمل والإنجاب حديثًا والحالة الصحية، إضافة إلى ما يتعلق بالمقابلة الشخصية.

وقالت المبادرة "إنها وثقت في تقرير لها شهادات المستبعدين، واعتمدت على مقابلات ووثائق مرتبطة بدعاوى قضائية أقامتها نيابة عن عدد من المتضررين".

كما أثارت المبادرة تساؤلات بشأن بعض الأسئلة الطبية التي قالت إن المتقدمين والمتقدمات تعرضوا لها، معتبرة أن بعضها لا يرتبط بطبيعة وظيفة التدريس.

شهادة منى السيد

تتصدر قصة المعلمة منى السيد الجانب الإنساني في القضية، فبحسب روايتها التي أعادت الحسابات تداولها، بدأت المسابقة وهي تحمل خبرة طويلة في تدريس الرياضيات، ثم وجدت نفسها مطالبة باجتياز سلسلة من المراحل، من الاختبار الإلكتروني إلى التدريب، ثم الكشف الطبي والاختبارات الرياضية وكشف الهيئة.

 

وخلال تلك الرحلة، كانت ترعى طفلًا رضيعًا، وخفضت وزنها بصورة كبيرة حتى وصلت إلى الوزن المطلوب، ثم فوجئت في النهاية بعدم قبولها من دون تفسير واضح، بحسب روايتها.

 

وتحوّلت قصتها إلى مثال يستخدمه المنتقدون للتساؤل عن معايير اختيار المعلمين وحدود إدخال المعايير العسكرية والبدنية في الوظائف المدنية.

 

أزمة استقلال نقابة المعلمين

 

ولا تتوقف الانتقادات التي وردت في المواد المرسلة عند طريقة اختيار المعلمين، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدولة ونقابة المهن التعليمية.

 

وتتناول مادة «الموقف المصري» حراكًا نقابيًا للمطالبة بإجراء انتخابات نقابة المعلمين والإفراج عن النقابي محمد زهران، الذي تقول المادة إنه اعتُقل بعد تحركات مرتبطة بالمطالبة بإجراء الانتخابات.

 

وتطرح المادة قراءة سياسية تعتبر أن غياب الاستقلال النقابي يحرم المعلمين من امتلاك أداة مؤسسية للتفاوض حول الأجور والتوظيف وسياسات التعليم.

 

كما تربط بين ذلك وبين انتشار أنماط التعاقد المؤقت والعمل بنظام الحصة أو الأجر اليومي، وترى أن وجود نقابة مستقلة ومنتخبة يمكن أن يمنح المعلمين قدرة أكبر على الدفاع عن مصالحهم والتأثير في سياسات التعليم.

 

المعلمون مركز ضغط

 

 ونقابة تضم نحو مليون ونصف المليون معلم تمثل، في حال استقلالها وانتخاب قياداتها، قوة اجتماعية ومهنية كبيرة قادرة على التأثير في سياسات التعليم.

 

 والسلطة، بحسب "الموقف المصري"، لا ترغب في وجود مركز ضغط مستقل ينازعها في قضايا التعليم والتوظيف والإنفاق.

 

 كما تعتبر أن انتخاب قيادة نقابية بصورة دورية يمكن أن يصبح نموذجًا لبقية النقابات المهنية والعمالية في مصر، ولذلك تربط المادة بين الديمقراطية النقابية وبين مستقبل السياسات التعليمية.

والنقابة لم تشهد انتخابات عامة من سنة 2000، باستثناء انتخابات التجديد الكلي عام 2012، وانتخابات تجديد نصفي بعدد من النقابات الفرعية خلال عامي 2013 و2014.

ونقابة المهن التعليمية من أكبر النقابات في البلاد بعضوية تصل لمليون ونصف مليون معلم، وتضم 320 لجنة نقابية و53 نقابة فرعية على مستوى الجمهورية.

في 30 نوفمبر 2025، صدر حكم قضائي يلزم نقابة المهن التعليمية بإجراء الانتخابات النقابية وفقا للقانون وبمواعيد محددة، بما يضمن حق جميع الأعضاء في المشاركة والترشح، وكان الحكم بمثابة خطوة حاسمة نحو استعادة انتظام العملية الانتخابية داخل النقابة.