كشف وكيل اتحاد الصناعات، طارق توفيق، عن اتجاه حكومة الانقلاب نحو رفع أسعار المحروقات خلال المرحلة المقبلة، في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب في الخليج وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، محذرًا من أن الاقتصاد ، يواجه ضغوطًا جديدة في وقت لا يزال يعاني فيه من اختلالات هيكلية وارتفاع أعباء الديون.
وقال توفيق إن أسعار النفط قد تصل إلى نحو 120 دولارًا للبرميل، بينما بُنيت موازنة العام المالي 2026-2027 على افتراض سعر للنفط يبلغ 75 دولارًا للبرميل، بما يعني فجوة كبيرة بين الافتراضات التي قامت عليها الموازنة والتطورات التي تشهدها أسواق الطاقة.
وأوضح أن هذه الفجوة تضع الحكومة أمام ضغوط متزايدة لتحريك أسعار المحروقات سريعًا، خصوصًا مع ارتفاع تكلفة استيراد النفط والغاز، في وقت تتزايد فيه تداعيات الحرب على حركة التجارة والنقل البحري في المنطقة.
لجنة تسعير المحروقات أمام اختبار جديد
وأشار توفيق إلى أن لجنة تسعير المحروقات التابعة لمجلس الوزراء ستجتمع خلال الأيام المقبلة لتحديد الأسعار للفترة المقبلة، في ظل ارتفاع تكلفة مشتريات الحكومة من الغاز والنفط.
وبحسب رؤيته، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بسعر الخام في الأسواق العالمية، وإنما تمتد إلى قدرة الدولة على تدبير احتياجاتها من النقد الأجنبي لتمويل واردات الطاقة، في ظل الضغوط التي تفرضها التطورات الإقليمية على مصادر العملة الصعبة.
وأضاف أن إمكانية حصول مصر على دعم مالي إضافي من دول الخليج قد تكون أكثر صعوبة في ظل تعرض الاقتصادات الخليجية نفسها لتداعيات ارتفاع تكاليف الحرب وأسعار الطاقة واضطراب حركة الملاحة.
وبذلك، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: ارتفاع تكلفة استيراد المحروقات من جهة، وضغوط اجتماعية واقتصادية تحد من قدرتها على تمرير زيادات كبيرة في أسعار الوقود من جهة أخرى.
هرمز والبحر الأحمر.. خطر مزدوج على الاقتصاد
ولا تتوقف المخاطر عند ارتفاع أسعار النفط، إذ حذّر توفيق من تداعيات تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وتهديد حركة السفن في البحر الأحمر وقناة السويس.
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وتمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة من خلاله عاملًا مباشرًا في زيادة أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين.
وفي المقابل، فإن استمرار التوترات في البحر الأحمر يضع قناة السويس أمام ضغوط إضافية، بعدما تعرضت حركة الملاحة عبر القناة بالفعل لتداعيات أمنية وجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة.
وبالنسبة للاقتصاد المصري، فإن اجتماع ارتفاع أسعار النفط مع اضطراب الملاحة يمثل صدمة مزدوجة؛ إذ ترتفع تكلفة الواردات في الوقت الذي قد تتعرض فيه إيرادات قناة السويس لضغوط إذا اضطرت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.
اقتصاد يعتمد على السيولة أكثر من الإنتاج
ويرى توفيق أن الاقتصاد المصري يدخل هذه المرحلة وهو يعاني من اختلالات هيكلية، معتبرًا أن الاعتماد على تدفقات الأموال الساخنة وصفقات بيع الأصول والاقتراض لا يوفر حماية كافية أمام الصدمات الخارجية.
ورغم تحسن الاحتياطي النقدي وارتفاع الحصيلة الدولارية لدى الجهاز المصرفي والاستقرار النسبي لسعر الصرف، فإن هذه المؤشرات، من وجهة نظره، لا تعني أن الاقتصاد أصبح أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.
ويعتبر أن الاقتصاد يحتاج إلى تحول أعمق نحو الإنتاج والتصنيع والزراعة، بدلًا من الاعتماد على مصادر تمويل مؤقتة يمكن أن تتأثر سريعًا بالتغيرات الإقليمية والدولية.
وقال إن استمرار إدارة الاقتصاد بالاعتماد على الاقتراض وبيع الأصول لا يعالج أصل المشكلة، مطالبًا بإجراء تغييرات هيكلية تسمح بتوسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من العملة الصعبة.
ضغوط أمريكية على الصادرات المصرية
وفي سياق متصل، قال توفيق إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضت رفع مصر من قائمة الدول المستفيدة من التسهيلات الجمركية، مع اتجاهها إلى زيادة التعريفة على الصادرات المصرية من 10% إلى 12.5%.
وأضاف أن هذه الخطوة جاءت رغم تحركات قام بها وفد من رجال الأعمال المصريين خلال زيارة إلى واشنطن قبل نحو شهرين، بهدف التفاوض بشأن الزيادة الجديدة في الرسوم المفروضة على الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكية.
وكان توفيق ضمن الوفد ممثلًا لاتحاد الصناعات وعضوًا بمجلس إدارة غرفة التجارة المصرية الأمريكية بالقاهرة.
وأشار إلى أنه لا يتوقع تغيرًا جوهريًا في السياسة التجارية الأمريكية تجاه مصر طالما استمرت إدارة ترامب في السلطة، معتبرًا أن على الحكومة المصرية التعامل مع هذه الضغوط من خلال زيادة القدرة التنافسية للصناعة المحلية بدلًا من الاعتماد على الترتيبات المؤقتة.
تقرير اقتصادي: تحسن السيولة.. لكن المخاطر لم تختفِ
وتتزامن تصريحات وكيل اتحاد الصناعات مع ما أورده المركز المصري للدراسات الاقتصادية في أحدث إصدارات تقريره "نظرة على الأسواق المالية"، الذي حذّر من هشاشة التحسن الأخير في السيولة الأجنبية.
وأشار التقرير إلى استمرار ارتفاع صافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي والاحتياطيات الدولية، وهو ما دعم الوضع الخارجي لمصر على المدى القصير.
كما حافظ الجنيه على سعر صرف موحد ومستقر نسبيًا، مع تقلبات محدودة خلال الفترة محل الرصد.
لكن المركز اعتبر أن هذا التحسن "مؤقت بطبيعته"، في ظل عدم استناده إلى إصلاحات هيكلية كافية، واستمرار تعرض الاقتصاد المصري للصدمات الإقليمية وارتفاع التزامات الدين الخارجي.
وهنا تظهر المفارقة بين تحسن المؤشرات النقدية قصيرة الأجل وبين استمرار نقاط الضعف الهيكلية التي تجعل الاقتصاد أكثر حساسية تجاه أي صدمة خارجية جديدة.
الدين الخارجي يضغط على مساحة الحركة
ولفت التقرير إلى أن ظروف التمويل الخارجي لمصر ظلت تحت ضغط، رغم التراجع الأخير في عقود مبادلة مخاطر الائتمان (CDS).
وأوضح أن ارتفاع إجمالي الدين الخارجي والتزامات خدمة الدين يعكسان استمرار احتياجات مصر التمويلية ووجود التزامات كبيرة يتعين سدادها.
كما ظل عائد السندات الحكومية المصرية لأجل عشر سنوات مرتفعًا، وهو ما يعكس استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض وتشدد ظروف التمويل.
وفي المقابل، تراجعت عقود مبادلة مخاطر الائتمان لأجل خمس سنوات بشكل طفيف، وهو ما أشار التقرير إلى أنه يعكس تحسنًا محدودًا في النظرة إلى مخاطر الدين السيادي وزيادة طفيفة في ثقة المستثمرين.
غير أن هذا التحسن لا يلغي، بحسب التقرير، الضغوط الأساسية المرتبطة بحجم الدين واحتياجات التمويل الخارجي.
بين صدمة النفط ومشكلة الاقتصاد الهيكلية
تكشف التطورات الحالية أن أزمة المحروقات المحتملة لا ترتبط فقط بقرار رفع الأسعار من عدمه، وإنما بقدرة الاقتصاد المصري على تحمل صدمات متزامنة في أسعار الطاقة والنقل والتجارة والتمويل.
فارتفاع أسعار النفط يضغط مباشرة على فاتورة الاستيراد، واضطراب الملاحة قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويضغط على إيرادات قناة السويس، بينما تفرض الديون الخارجية وخدمة الدين احتياجات مستمرة من النقد الأجنبي.
وفي هذه البيئة، تصبح زيادة أسعار المحروقات إحدى الأدوات المتاحة للحكومة لاحتواء جانب من فاتورة الطاقة، لكنها في الوقت نفسه قد تنعكس على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات، بما يزيد الضغوط على المواطنين والقطاع الخاص.
وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام اختبار صعب: هل تستطيع تمرير تكلفة الصدمة النفطية إلى السوق دون موجة تضخمية جديدة، أم أن ارتفاع أسعار الطاقة سيكشف مجددًا هشاشة نموذج اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الاقتراض والتدفقات الخارجية بدلًا من توسيع الإنتاج؟
وبينما تشير المؤشرات النقدية إلى تحسن نسبي في الاحتياطيات والسيولة الأجنبية، فإن تقرير المركز المصري للدراسات الاقتصادية وتصريحات وكيل اتحاد الصناعات يلتقيان عند نقطة أساسية: تحسن السيولة وحده لا يكفي لحماية الاقتصاد من صدمات جديدة، ما لم يصاحبه إصلاح هيكلي يعزز الإنتاج والتصنيع والصادرات ويقلل الاعتماد على التمويل الخارجي.