مع اقتراب المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج التمويل وارتفاع اسعار النفط العالمي تتضاعف الضغوط على الموازنة؛ حيث تقع حكومة الانقلاب بين استرداد التكلفة واحتواء التضخم وتتزايد الضغوط عليها لاستكمال رفع أسعار الطاقة قبل نهاية العام الحالي، مع اقتراب المراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج التمويل مع صندوق النقد الدولي، في وقت تلقي فيه تقلبات أسواق النفط العالمية بظلالها على تكلفة الاستيراد والموازنة العامة، بينما يواجه المواطنون تداعيات موجات الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
وكشفت أحدث تقارير صندوق النقد، الصادرة مطلع أكتوبر الحالي، عن استمرار مطالبته الحكومة المصرية باستكمال مسار رفع أسعار الطاقة واسترداد تكلفتها الاقتصادية، مع الدعوة إلى تنفيذ زيادتين على الأقل قبل نهاية عام 2026، وعدم الاكتفاء بالزيادات التي أُقرت خلال الربع الثاني من العام.
ويستهدف الصندوق، وفقاً لما ورد في وثائقه، ضمان بيع المحروقات والكهرباء بأسعار تغطي تكلفتها الاقتصادية، والحد من تجاوز مخصصات دعم الطاقة الاعتمادات المدرجة في الموازنة العامة. ووصف استئناف آلية التسعير التلقائي للوقود بأنه «خطوة مهمة وضرورية» لتقليص الدعم غير الموجه، معتبراً أن مواصلة استرداد التكلفة تتيح للحكومة مساحة مالية أكبر للإنفاق الاجتماعي والاستثمارات ذات الأولوية.
وتضع هذه المعادلة حكومة الانقلاب أمام مفارقة اقتصادية واجتماعية واضحة؛ فرفع أسعار الطاقة قد يقلص الأعباء المباشرة على الموازنة، لكنه ينذر في المقابل بموجة جديدة من الضغوط التضخمية، خصوصاً مع انعكاس أسعار الوقود على تكاليف النقل والإنتاج والزراعة وأسعار السلع والخدمات.
زيادتان مرتقبتان وأسعار النفط تضغط على الموازنة
وتشير وثائق صندوق النقد إلى أن الاتفاق مع الحكومة يتضمن رفع أسعار الوقود مرتين خلال ما تبقى من عام 2026، بعدما خفض الصندوق تقديره السابق الذي كان يفترض تنفيذ ثلاث زيادات خلال الفترة نفسها، في ضوء تحسن توقعاته للتضخم مقارنة بالتقديرات السابقة.
وتنص آلية التسعير المتفق عليها على مراجعة أسعار البنزين والسولار والمازوت كل ثلاثة أشهر، وفقاً للتغيرات في أسعار خام برنت وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، مع وضع حد أقصى للتغيير يبلغ 10% خلال الربع الواحد، سواء بالزيادة أو الانخفاض.
وتأتي هذه الالتزامات في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية؛ إذ أظهرت بيانات وزارة البترول بلوغ سعر خام برنت 104.56 دولار للبرميل في 17 سبتمبر الماضي، و105.67 دولار في 25 سبتمبر، بعدما تجاوز مستوى 100 دولار في عدة أيام خلال الشهر نفسه.
وتعتمد معادلة التسعير المصرية، بحسب البيانات الواردة، بنسبة 80% على التغير في أسعار خام برنت وسعر الصرف، بينما ترتبط النسبة المتبقية، البالغة 20%، بالتغير السنوي في التكاليف الأخرى وتسويات الفروق السابقة، المعروفة بتعديلات "التدارك".
ويعني ذلك أن ارتفاع النفط عالمياً يضع الحكومة أمام ضغوط إضافية لتعديل الأسعار المحلية، لا سيما في ظل اعتماد مصر على استيراد جانب من احتياجاتها من الطاقة، وما يترتب على ذلك من زيادة فاتورة الاستيراد والضغط على الحساب الجاري والمالية العامة.
123.5 مليار جنيه لدعم الطاقة في الموازنة الجديدة
وتكشف مخصصات الموازنة العامة عن حجم التحدي الذي تواجهه الحكومة في إدارة ملف الطاقة؛ إذ تتضمن موازنة العام المالي 2026/2027 نحو 123.5 مليار جنيه لدعم الطاقة، وفقاً لبيانات صندوق النقد، منها قرابة 78.5 مليار جنيه لدعم الوقود.
وتأتي هذه المخصصات مقارنة بنحو 198 مليار جنيه لدعم الطاقة في السنة السابقة، و146 مليار جنيه مقدرة للعام المالي 2025/2026، بما يعكس الاتجاه نحو تقليص أعباء الدعم، في الوقت الذي تظل فيه تكلفة الطاقة عرضة للتقلبات العالمية.
ومع سعر صرف يدور حول 52 جنيهاً للدولار، تصبح أي زيادة مستدامة في أسعار النفط عبئاً إضافياً على تكلفة الواردات، بينما يؤدي تمرير هذه الزيادة إلى المستهلكين إلى تقليص قدرتهم على مواجهة النفقات اليومية، في ظل الضغوط المتراكمة على مستويات المعيشة.
وتدخل حكومة الانقلاب للمراجعة الثامنة والأخيرة لبرنامج صندوق النقد، المرتقبة خلال الأسابيع المقبلة، وسط معادلة صعبة: إما زيادة الأسعار لتحجيم تكلفة الدعم وتخفيف العبء عن الموازنة، أو تأجيل الزيادات بما قد يوسع الفجوة بين التكلفة الفعلية للطاقة ومخصصات الدعم.
وفي الوقت نفسه، تتجه حكومة الانقلاب إلى طرح ملفي الطاقة والحماية الاجتماعية ضمن أجندة «منتدى مصر 2026» المقرر عقده في 18 أكتوبر الحالي، في محاولة للجمع بين تأمين احتياجات الطاقة واحتواء التداعيات الاجتماعية لارتفاع تكلفتها.
تضارب التصريحات حول موعد زيادة البنزين والسولار
وفي ظل هذه الضغوط، تصاعد الجدل بشأن موعد الزيادة المقبلة وحجمها، مع تباين التصريحات بين توقعات ممثلي القطاع النفطي والنفي الرسمي الصادر عن وزارة البترول.
وتوقع رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية باتحاد الغرف التجارية، حسن نصر، ارتفاع أسعار البنزين والسولار خلال الفترة المقبلة بنسبة تتراوح بين 10% و15%، معتبراً أن إقرار الزيادة أصبح مسألة وقت.
وفي المقابل، نفت وزارة البترول والثروة المعدنية ما تداولته صفحات ومواقع على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن تغيير أسعار المنتجات البترولية، مؤكدة أن الأسعار المتداولة باعتبارها أسعاراً جديدة غير صحيحة، وأن العمل مستمر بالأسعار الحالية دون تغيير.
وأوضحت الوزارة، في بيان ، أن اللجنة المشكلة لمتابعة آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية لم تنعقد حتى الآن، ولم يصدر عنها أي قرار أو توصية بشأن تحريك الأسعار.
ويعكس هذا التباين حالة الترقب التي تسبق المراجعة الجديدة، في ظل وجود التزامات مرتبطة ببرنامج الصندوق، مقابل غياب قرار رسمي يحدد موعد الزيادة المقبلة أو نسبتها. كما أن توقعات الخبراء لا تعني بالضرورة أن النسب المتداولة ستُعتمد عند صدور القرار النهائي.
خبراء: صدمات الطاقة يجب ألا يتحملها المواطن وحده
ويرى خبير الطاقة وعميد كلية الهندسة بالجامعة البريطانية في القاهرة، عطية عطية، أن مصر تمر بمرحلة انتقالية في خريطة الطاقة العالمية، في ظل استمرار الأزمات والتطورات العسكرية في الخليج والمنطقة المحيطة بإيران، وما تفرضه من تقلبات في أسواق النفط والغاز.
وأوضح أن هذه الظروف تستدعي توزيع أعباء الأزمة بين الدولة والمواطن، بدلاً من تحميل طرف واحد التكلفة كاملة، مشيراً إلى أن استمرار الصدمات الخارجية يفرض تحديات إضافية على الاقتصاد المصري.
وأضاف أن مصر قد تصل خلال العام المقبل إلى وضع أفضل في ملف الطاقة، مع دخول قبرص على خطوطها بما يتيح إسالة الغاز وتصديره إلى أوروبا، إلى جانب الاستفادة من حقوق النقل والتسيل، معتبراً أن تحسن الأوضاع يظل مرتبطاً باستمرار الظروف الحالية وعدم تعرض المنطقة لصدمات جديدة.
وشدد عطية على أن أي تحريك لأسعار الطاقة لن يكون، وفق تقديره، بصورة مفاجئة، وإنما تدريجياً وعلى المدى البعيد، في ظل صعوبة التوفيق بين الضغوط الخارجية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
آلية التسعير التلقائي تحت الاختبار
من جانبه، قال خبير الطاقة والأستاذ بالجامعة الروسية في القاهرة، وائل بدوي، إن احتمال تعديل أسعار المحروقات والكهرباء يظل قائماً في ضوء الالتزامات المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، والعودة إلى تطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود.
لكنه شدد على عدم إمكانية الجزم بنسبة الزيادة أو موعدها قبل صدور قرار رسمي من مجلس الوزراء، موضحاً أن معادلة التسعير لا تعتمد على سعر خام برنت وحده، بل ترتبط أيضاً بسعر صرف الجنيه أمام الدولار، إلى جانب عناصر أخرى من التكلفة وتسويات الفترات السابقة والتغيرات الفصلية.
وأشار بدوي إلى أن انخفاض أسعار النفط عالمياً لا يعني بالضرورة تراجع التكلفة المحلية بالنسبة نفسها، بسبب تأثير سعر الصرف وبقية مكونات المعادلة، وهو ما يجعل تقييم أي تغيير في الأسعار مرتبطاً بمجمل عناصر التكلفة، وليس بمؤشر النفط وحده.
ودعا حكومة الانقلاب إلى تحريك الأسعار تدريجياً، وفق معادلة معلنة وشفافة تعمل في الاتجاهين، صعوداً وهبوطاً، مع توجيه جزء من الوفر المالي الناتج عن تقليص الدعم إلى حماية الفئات الأكثر تضرراً.
وأكد أن تطبيق التسعير التلقائي بصورة عادلة يقتضي أن يشعر المواطن بانخفاض الأسعار عندما تتراجع عناصر التكلفة بشكل مستدام، لا أن تقتصر آثار الآلية على تمرير الزيادات عند ارتفاع الأسعار العالمية.
السولار.. الحلقة الأخطر في انتقال الغلاء
وحذر بدوي من التعامل مع زيادة أسعار السولار باعتبارها مجرد تعديل في تكلفة الوقود، نظراً إلى دوره المحوري في قطاعات النقل والزراعة وسلاسل الإمداد، وهو ما يجعل أي زيادة فيه قابلة للانتقال إلى أسعار عدد كبير من السلع والخدمات.
وأوضح أن ارتفاع تكلفة الديزل قد يوسع نطاق الضغوط التضخمية، بحيث لا تتوقف آثاره عند محطات الوقود، بل تمتد إلى تكاليف نقل المنتجات الزراعية والغذائية وتشغيل الأنشطة الإنتاجية والخدمية، بما يزيد الأعباء على الأسر.
وأشار إلى أن الكهرباء تمثل جانباً موازياً في إدارة صدمة الطاقة، لافتاً إلى أن تقييم صندوق النقد الأخير أظهر تعديلات في تعريفة الكهرباء وأسعار الغاز والوقود لقطاعات مختلفة، في إطار محاولة توزيع تكلفة الصدمة بدلاً من تحميل الموازنة العامة كامل الزيادة.
وتبرز هذه النقطة أهمية تقييم أثر قرارات التسعير على الاقتصاد ككل، إذ إن خفض الدعم المباشر لا يعني بالضرورة اختفاء التكلفة الاقتصادية، بل قد ينتقل جزء منها إلى الشركات والمصانع والمزارعين ثم إلى المستهلك النهائي عبر ارتفاع أسعار المنتجات والخدمات.
الحل يتجاوز رفع الأسعار إلى زيادة الإنتاج وكفاءة الاستهلاك
وأكد بدوي أن نجاح سياسة الطاقة لا ينبغي أن يُقاس بعدد مرات رفع الأسعار، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد المصري على تقليل تعرضه للصدمات الخارجية مستقبلاً.
وأوضح أن زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين مزيج توليد الكهرباء، وخفض استهلاك الوقود لكل وحدة من الناتج، والتوسع في الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة الشبكات، إلى جانب توجيه الدعم إلى مستحقيه، تمثل أدوات أساسية لتقليص تكلفة الأزمات المقبلة على الدولة والمواطن.
وشدد على أن الاعتماد على رفع الأسعار وحده لمعالجة اختلالات قطاع الطاقة لا يوفر حلاً مستداماً، ما لم يصاحبه تحسن في الإنتاج والكفاءة وتنوع مصادر الإمداد، فضلاً عن وجود آليات حماية اجتماعية قادرة على تخفيف آثار القرارات الاقتصادية على محدودي الدخل والفئات الأكثر هشاشة.
واختتم بدوي بالتأكيد على ضرورة تجاوز معادلة «صندوق النقد يطلب، والحكومة ترفع، والمواطن يدفع»، عبر توزيع مدروس للتكلفة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية الموجهة، والحد من الاستهلاك غير الكفء، وزيادة الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الطاقة.
وبين مطالب الصندوق باسترداد التكلفة الاقتصادية للطاقة، وضغوط الأسواق العالمية، ومخاوف انتقال الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات، يبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة هو إدارة الأزمة دون تحويل المواطن إلى الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح؛ فالمطلوب ليس تثبيت أسعار البنزين إلى الأبد، ولا تمرير كل صدمة خارجية إلى المستهلك فوراً، وإنما بناء اقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الأزمات بأقل تكلفة ممكنة على الموازنة العامة والقوة الشرائية للمواطنين.