مصر في قلب المراجعة.. كيف تُتابع إسرائيل وأمريكا تغييرات المناهج الدراسية المصرية؟

- ‎فيتقارير

كشفت عملية تتبع وتدقيق أجراها موقع "عربي بوست" لتقارير وبيانات حكومية وبرلمانية إسرائيلية، ودراسات أكاديمية صادرة عن مؤسسات ومعاهد إسرائيلية وأمريكية وأوروبية، عن شبكة عابرة للحدود عملت على مدار نحو ثلاثة عقود على مراقبة وتدقيق المناهج الدراسية في 17 دولة عربية، ولا سيما ما يتعلق منها بإسرائيل والقضية الفلسطينية والصراع مع الاحتلال.

ويظهر هذا التتبع أن عملية مراقبة المناهج العربية لم تكن جهوداً متفرقة أو مرتبطة بتقارير موسمية، وإنما تطورت إلى منهجية مستمرة لجمع الكتب والمواد التعليمية العربية، وترجمتها وتصنيفها وتحليل مضمونها، ثم تقديم نتائج هذه المراجعات إلى حكومات وبرلمانات وجهات مانحة ومراكز نفوذ غربية، بما يتيح استخدامها في الضغط على الدول العربية لإعادة صياغة أجزاء من مناهجها التعليمية.

وتتركز المراجعات بصورة خاصة على الموضوعات المرتبطة بصورة اليهود وإسرائيل والصهيونية، والجهاد، وخرائط فلسطين التاريخية، والقدس والمسجد الأقصى، والشهادة والمقاومة، إلى جانب الطريقة التي تتناول بها الكتب العربية الهولوكوست والحروب العربية الإسرائيلية واتفاقيات السلام.

 

من الكتب المدرسية إلى دوائر القرار

وتكشف التقارير التي جرى تتبعها أن نتائج مراجعة المناهج لم تبق في إطار الأبحاث الأكاديمية، وإنما انتقلت في حالات عديدة إلى دوائر صنع القرار السياسي.

فقد رُفعت تقارير ومراجعات إلى جماعات ضغط وجهات رسمية، من بينها الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي ووزارات خارجية غربية، وانتهت بعض هذه المسارات إلى مراجعات مستقلة للمناهج، أو حوارات مباشرة مع وزارات تعليم عربية، أو إدراج إصلاح المحتوى التعليمي ضمن برامج وشروط تمويلية وإصلاحية.

وبذلك تحولت الكتب المدرسية إلى أحد ميادين الصراع السياسي حول صورة إسرائيل والقضية الفلسطينية، حيث لم تعد عملية تقييم المناهج تقتصر على سؤال ما إذا كان المحتوى التعليمي مناسباً للطلاب، وإنما امتدت إلى محاولة التأثير في الطريقة التي يتعرف بها جيل جديد من الطلاب العرب على تاريخ الصراع، وهوية فلسطين، وإسرائيل، والصهيونية.

ورصد التتبع 10 مراكز ومؤسسات بحثية إسرائيلية عملت خلال العقود الثلاثة الأخيرة على مراقبة المناهج والمواد التعليمية العربية وتوظيف نتائجها سياسياً في 17 دولة عربية، إلى جانب جهات رسمية إسرائيلية أخرى، من بينها وزارة التعليم الإسرائيلية، وما يعرف بـ "الإدارة المدنية الإسرائيلية"، وهي الذراع التنفيذية للحكومة والجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، فضلاً عن لجان خاصة في الكنيست الإسرائيلي.

وتندرج هذه المؤسسات ضمن نشاط أوسع شاركت فيه جهات أمريكية وأوروبية، شمل مراجعات واسعة للكتب المدرسية العربية ومتابعة التغييرات التي طرأت على محتوياتها عبر السنوات.

 

مصر في قلب المراجعة الإسرائيلية

وتحتل المناهج المصرية موقعاً بارزاً في هذه المراجعات، نظراً إلى ثقل مصر السياسي والتاريخي في الصراع العربي الإسرائيلي، وكونها أول دولة عربية توقع اتفاق سلام مع الاحتلال الإسرائيلي.

وتتركز التقارير الإسرائيلية التي راجعت المناهج المصرية بصورة رئيسية على التفاوت بين الكتب التي خضعت للإصلاح والمقررات الأقدم، وعلى الطريقة التي تقدم بها هذه الكتب صورة اليهود والمسيحيين والصهيونية، إلى جانب تناولها للحروب العربية الإسرائيلية والسلام والعلاقة مع القضية الفلسطينية.

وفي تقرير تناول 271 كتاباً مصرياً صدرت بين عامي 2018 و2023، أقر معهد "إمباكت-سي" بوجود تحسينات في الصفوف الابتدائية الأولى، وتغييرات في بعض الدروس التي كان يعتبرها إشكالية في السابق، لكنه انتقد في المقابل استمرار مواد اعتبرها إشكالية في المراحل التعليمية الأعلى.

ومن بين الأمثلة التي أوردها المعهد فقرة في كتاب "تاريخ مصر والعرب الحديث والمعاصر" للصف الثالث الثانوي، طبعة 2022–2023، الصفحة 122، تتناول نشر الوكالة اليهودية أخبار الجرائم النازية باعتبارها وسيلة لتبرير الهجرة إلى فلسطين.

ويرى التقرير أن طريقة عرض عدد ضحايا الهولوكوست في هذا السياق تمثل تقليلاً من شأنه، رغم أن النص نفسه يصف الجرائم النازية بأنها "بشعة".

كما انتقد التقرير مواد في كتاب "الدين" للصف الخامس الابتدائي، تتضمن، بحسب ترجمة المعهد، عبارات من قبيل "التاريخ الدنيء لليهود" و"الطبيعة الغادرة لليهود"، إضافة إلى الإشارة إلى أفعال اليهود "الآن وحينذاك".

ويشير التقرير إلى أن الطلاب يُطلب منهم البحث عن أمثلة على ما يسميه الكتاب "غدر اليهود"، ومناقشة "خصائص اليهود"، إلى جانب كتابة موضوع بعنوان "يهود الأمس هم يهود اليوم".

وفي موضع آخر من المراجعة، أشار المعهد إلى صفحة 11 من الكتاب ذاته باعتبارها تتضمن ما ترجمه إلى عبارات تتعلق بـ "التاريخ الدنيء لليهود" و"الطبيعة الغادرة لليهود" و"أفعال اليهود الآن وحينذاك".

 

الدور الأمريكي.. من المراقبة إلى المراجعة المستقلة

ولم تقتصر مراقبة المناهج المصرية على المؤسسات الإسرائيلية، إذ ظهر مسار أمريكي موثق من خلال اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية "USCIRF".

فقد التقت وفود اللجنة مسئولين مصريين، من بينهم وزير التعليم آنذاك طارق شوقي، خلال زيارتين في مارس 2018 ويناير 2019.

وبحسب تقارير اللجنة، عرض المسئولون المصريون خلال تلك اللقاءات كتباً مدرسية ابتدائية جديدة، باعتبارها دليلاً على إزالة ما وصفته اللجنة بـ "اللغة الإقصائية" من المناهج.

لكن هذا المسار لم يتوقف عند اللقاءات المباشرة، إذ أصدرت اللجنة في أغسطس 2022 مراجعة مستقلة قارنت فيها مقررات مختارة بين طبعات أقدم وأخرى أحدث، وانتهت إلى انتقاد ما اعتبرته تغييرات "تجميلية" في عدد من المواد، بدلاً من إجراء تغييرات أعمق في المحتوى.

وهكذا تداخل المساران الإسرائيلي والأمريكي في التعامل مع المناهج المصرية، بين مراجعة الكتب، ومقارنة الطبعات المتعاقبة، ولقاء المسؤولين المصريين، ثم إصدار تقارير يمكن استخدامها في النقاشات السياسية والحقوقية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

 

إسرائيل تراقب ما تغير بعد مبارك

وإلى جانب "إمباكت-سي"، أجرت مؤسسات إسرائيلية أخرى مراجعات مستقلة للمناهج المصرية. ففي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي "INSS" عام 2016 بعنوان "السلام مع إسرائيل في الكتب المدرسية المصرية: ما الذي تغير بين عهد مبارك وعهد السيسي؟"، تناول الباحث الإسرائيلي أوفير وينتر أحد كتب الصف التاسع المصري، وهو كتاب "جغرافية الوطن العربي وتاريخ مصر الحديث" للفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2015–2016.

وركز وينتر بصورة خاصة على الدروس المتعلقة بـ "مصر والقضية الفلسطينية"، وحرب أكتوبر 1973، والسلام مع إسرائيل. وخلصت الدراسة إلى أن الكتاب ظل يقدم فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني باعتبارها أرضاً عربية سُلبت من سكانها، كما ظل يصف الصهيونية باعتبارها حركة استعمارية تمثل تهديداً.

لكن الباحث الإسرائيلي رصد في الوقت نفسه تحولاً اعتبره إيجابياً من وجهة النظر الإسرائيلية في النسخة الجديدة من المنهج خلال عهد عبد الفتاح السيسي.

فقد رأى أن الكتاب بدأ يقدم إسرائيل باعتبارها شريكاً في علاقات سلام "ودية"، كما ظهرت صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيجن إلى جانب الرئيس المصري الراحل أنور السادات. كما أشار إلى تقليص المساحة التي تشغلها الحروب مع إسرائيل والقضية الفلسطينية مقارنة بالكتب المدرسية السابقة.

 

معركة على الذاكرة قبل أن تكون على الكتب

وتكشف هذه المراجعات مجتمعة أن الصراع حول المناهج العربية لم يكن منفصلاً عن الصراع السياسي الأوسع حول الرواية التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي.

فالموضوعات التي تُركز عليها المؤسسات الإسرائيلية والأمريكية في مراجعاتها لا تتعلق فقط بأسلوب تقديم المعلومات، وإنما تمتد إلى مفاهيم ووقائع أساسية في الوعي العربي، من تاريخ فلسطين وتهجير الفلسطينيين، إلى الصهيونية والقدس والمسجد الأقصى والمقاومة والجهاد، وصولاً إلى صورة إسرائيل والهولوكوست.

وفي المقابل، فإن المقارنة بين الطبعات القديمة والجديدة من الكتب المدرسية، كما تظهر في التقارير التي جرى تتبعها، تكشف اهتماماً خاصاً برصد اتجاهات التغيير: ما الذي جرى حذفه؟ وما الذي أُعيدت صياغته؟ وما المساحة التي تراجعت لصالح موضوعات أخرى؟ وكيف تغيرت صورة إسرائيل في الكتب التي صدرت خلال السنوات الأخيرة؟

وبذلك لم تعد المناهج الدراسية مجرد شأن داخلي يخص وزارات التعليم العربية، وإنما أصبحت مادة للرصد والتحليل والضغط السياسي الخارجي، في مسار ممتد تشارك فيه مؤسسات إسرائيلية وأمريكية وأوروبية، وتصل نتائجه إلى البرلمانات والحكومات والجهات المانحة.

وتشير الحالة المصرية بوضوح إلى طبيعة هذا المسار؛ فبينما تتحدث القاهرة عن تطوير المناهج وتحديثها، تتابع مؤسسات إسرائيلية وأمريكية تفاصيل هذا التغيير، وتقارن الطبعات الجديدة بالقديمة، وتقيّم مقدار التراجع أو الاستمرار في حضور موضوعات مثل فلسطين والصهيونية والحروب العربية الإسرائيلية، لتصبح الكتب المدرسية نفسها ساحة أخرى من ساحات الصراع على الرواية والذاكرة والهوية.