“عزة الأمة في مواجهة الطغيان”.. الإخوان يستحضرون أكتوبر وفلسطين ويدعون إلى تحرك قانوني لقضية المعتقلين

- ‎فيبيانات وتصريحات

دعا أ. د. محمود حسين، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، إلى تعزيز استقلال إرادة الأمة الإسلامية، ومواجهة الاحتلال والهيمنة الأجنبية، ورفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، مؤكداً ضرورة مواصلة الدفاع عن حقوق المعتقلين السياسيين في مصر بالوسائل السلمية والقانونية والإعلامية.

جاء ذلك في مقال حمل عنوان "عزة الأمة في مواجهة الطغيان"، نُشر الأحد 11 أكتوبر 2026، وتناول قضايا التحرر الوطني، واستحضار محطات من التاريخ الإسلامي والحديث، والتطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، إلى جانب أوضاع المعتقلين والمطالب المتعلقة بالحرية والعدالة والمصالحة المجتمعية.

وربط المقال بين استعادة الأمة مكانتها وبين استقلال القرار السياسي والاقتصادي، ومقاومة الاحتلال، وحماية المقدرات الوطنية، معتبراً أن التحرر من الهيمنة يمثل أساساً لأي مشروع نهضوي يسعى إلى بناء مجتمعات أكثر استقلالاً وتأثيراً.

استحضار غزوة مؤتة.. العزة في مواجهة الطغيان

 

واستهل د.محمود حسين مقاله بالتأكيد على أن الأمة الإسلامية تمر بمرحلة تشتد فيها المحن والتحديات، داعياً إلى التمسك بالعزة والنهوض بالمسؤولية تجاه استقلال الأوطان وحماية مقدراتها ودفع الظلم.

واستحضر في هذا السياق غزوة مؤتة، التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة، عقب مقتل الحارث بن عمير الأزدي، رسول النبي محمد ﷺ إلى حاكم بصرى، وأشار إلى أن النبي جهز جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وأمّر عليه زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، وفق ترتيب القيادة الذي ورد في الروايات التاريخية.

وقدم المقال هذه الواقعة باعتبارها مثالاً على الثبات في مواجهة التحديات، وربطها بضرورة استلهام دروس التاريخ في مواجهة الأزمات المعاصرة، والعمل من أجل وحدة الأمة وتحرير الأوطان والمقدسات من الاحتلال.

ودعا إلى عدم الاستسلام لليأس، والأخذ بالأسباب التي تعزز الوحدة والاعتصام، معتبراً أن استعادة الكرامة والاستقلال تتطلب عملاً متواصلاً وإرادة قادرة على تجاوز المحن.

تحرير الأوطان في صدارة المشروع الإسلامي

وخصص المقال محوراً للحديث عن مفهوم العزة في التصور الإسلامي، مؤكداً أن رفض الهيمنة الأجنبية وصون السيادة الوطنية يمثلان جزءاً أساسياً من مسؤولية الأمة تجاه حاضرها ومستقبلها.

وفي هذا الإطار، استشهد محمود حسين برؤية حسن البنا لمشروع النهضة، مشيراً إلى أن رسالة المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين تضمنت الدعوة إلى تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي غير إسلامي، سواء أكان سياسياً أم اقتصادياً أم روحياً.

ورأى المقال أن العمل الدعوي وبناء الفرد والأسرة والمجتمع، إلى جانب المشاركة السياسية، لا يمكن أن يحقق أهدافه كاملة في ظل الاحتلال الأجنبي أو غياب الاستقلال الوطني.

كما استعرض ما وصفه بجهود جماعة الإخوان المسلمين في مقاومة الاحتلال البريطاني في مصر والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، ومساندة الشعوب العربية والإسلامية التي تعرضت للاحتلال.

وأكد أن حق الشعوب في التحرر من الاستعمار والهيمنة يستند، وفق رؤية المقال، إلى المبادئ الدينية والفطرة الإنسانية والمواثيق والقوانين الدولية.

من انتصار 1973 إلى رفض التطبيع

وتوقف المقال عند حرب أكتوبر 1973، واصفاً إياها بأنها محطة مفصلية في التاريخ المصري والعربي، تجاوزت دلالتها حدود المواجهة العسكرية إلى استعادة الثقة بالقدرة على تحدي التفوق العسكري الصهيوني.

وربط المقال بين تلك المرحلة وبين التحولات السياسية اللاحقة، مشيراً إلى اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ثم معاهدة السلام عام 1979، باعتبارهما محطتين في مسار الانتقال من المواجهة العسكرية إلى التسوية السياسية.

 

وانتقد ما وصفه بموجات التطبيع اللاحقة، ولا سيما الاتفاقات الإبراهيمية، التي أُبرمت في إطارها اتفاقات لتطبيع العلاقات بين الكيان وأربع دول عربية هي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. معتبرا أن هذه التحولات لم تنه الصراع على القضية الفلسطينية، وأن التطبيع لم يبدد أسباب التوتر المرتبطة بالاحتلال وحقوق الفلسطينيين ومستقبل أراضيهم.

الانتفاضات الفلسطينية والطوفان

واستعرض المقال محطات من المقاومة الفلسطينية، بدءاً من الانتفاضة الأولى عام 1987، مروراً بانتفاضة الأقصى عام 2000، وصولاً إلى هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي أطلقت عليه حركة حماس اسم «طوفان الأقصى».

وربط الكاتب بين هذه المحطات واتساع مسارات التطبيع في المنطقة، معتبراً أن استمرار القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي يعكس عدم انتهاء الصراع بمجرد إبرام الاتفاقات السياسية.

وأكد المقال أن القضية الفلسطينية ستظل حاضرة ما دام الاحتلال قائماً، وأن ضعف الإمكانات أو تراجع الدعم الخارجي لا يلغي تمسك الشعوب بحقوقها الوطنية.

المعتقلون ومواصلة التحرك القانوني والإعلامي

وخصص د.محمود حسين قسماً من "رسالتنا" لأوضاع المعتقلين في مصر، منتقداً ما وصفه بتضييق المجال العام منذ عام 2013، واتساع نطاق الاعتقالات والمحاكمات التي طالت معارضين ونشطاء من تيارات سياسية وفكرية مختلفة.

وأشار إلى ما اعتبره تقييداً لحرية التعبير وتراجعاً في فرص المشاركة العامة، فضلاً عن استمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، وهي قضايا تندرج ضمن الجدل الحقوقي والسياسي بشأن أوضاع السجون وضمانات المحاكمة العادلة في مصر.

وتطرق المقال إلى الإضرابات الأخيرة التي أشار إليها باعتبارها تعبيراً عن احتجاج بعض المعتقلين على أوضاعهم، ووسيلة للمطالبة بحقوقهم الأساسية.

ووجّه رسالة تضامن إلى المعتقلين، مؤكداً أن معاناتهم لن تُنسى، وداعياً إلى استمرار المطالبة بحقوقهم والإفراج عنهم وفق ما يطرحه المقال من مطالب سياسية وحقوقية.

تحرك سلمي وقانوني

ودعا "د. حسين" الجهات والمنظمات المعنية بقضية المعتقلين إلى مواصلة العمل عبر المسارات السلمية والقانونية والإعلامية، وتوثيق الأوضاع داخل السجون، وطرح القضية أمام المحافل الوطنية والإقليمية والدولية.

وشدد على أهمية عدم الاستسلام لليأس، والعمل على تحويل التضامن مع المعتقلين إلى جهود عملية للدفاع عن حقوقهم.

وفي سياق أوسع، ربط بين الاستقرار المستدام واحترام الحقوق والحريات، معتبراً أن معالجة الانقسامات السياسية تتطلب مصالحة مجتمعية حقيقية، واستيعاب الاختلاف بدلاً من تحويله إلى صراع دائم.

المصالحة المجتمعية والعدالة

ولم يقتصر المقال على انتقاد الأوضاع السياسية، بل طرح تصوراً عاماً لمستقبل أكثر استقراراً يقوم على احترام الحقوق، واستقلال القرار الوطني، وتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع.

وأكد أن الظلم، وفق رؤية الكاتب، لا يحقق استقراراً دائماً، وأن بناء مستقبل أكثر أمناً يتطلب معالجة أسباب الاحتقان السياسي، وإتاحة المجال أمام الاختلاف والتعبير السلمي.

كما دعا إلى تحويل التضحيات التي قدمها المعتقلون إلى وعي مجتمعي وعمل منظم من أجل العدالة والكرامة، بدلاً من أن تبقى مجرد أحداث في الذاكرة السياسية.

واختتم د.محمود حسين مقاله بالتأكيد على أن العزة والحرية والعدالة تمثل قيماً أساسية في التصور الإسلامي، داعياً إلى التمسك بها في مواجهة الظلم والاستبداد والهيمنة.

وربط بين استعادة الأمة دورها وبين قدرتها على إدراك نقاط القوة والضعف، والاستفادة من دروس التاريخ، وبناء مؤسسات ومجتمع"ات أكثر استقلالاً وتأثيراً.

واستشهد في ختام مقاله بآيات قرآنية تؤكد، في سياق النص، معاني الصبر والأمل ودفع الظلم، مختتماً بعبارة "والله أكبر ولله الحمد".

(عزة الأمة في مواجهة الطغيان)

 

        الحمد لله رب العالمين، وليِّ المؤمنين، ونصير العاملين، عَزَّ من التجأ إليه، وانتصر من احتمى بحماه، والصلاة والسلام على سيد البشر وخير الرسل، وناصح الأمة إلى سبيل عزها ومجدها، وبعد:

تمر أمتنا الإسلامية اليوم بمرحلة اشتدت فيها المحن وتكالب عليها الأعداء، وانتشرت مشاريع الهدم والإضعاف، وقد آن للأمة أن تواجه هذا الواقع؛ إذ لا مخرج من الملمات سوى أن تتمسك بعزتها، وتنهض بدورها، وتقوم بواجبها في استقلال إرادتها وتحرير أوطانها، مستشرفة مكانها الصحيح بدفع الظلم وحماية المقدرات؛ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251].

لقد مرت أمتنا الإسلامية منذ عصرها الأول بأحداث جسام، وخاضت معارك فاصلة في مواجهة الطغيان، فلم تتخلَّ في أحلك الظروف عن كرامتها، أو تنزع عنها رداء الإباء. ففي مثل هذا الشهر الفضيل –جمادى الأولى– سنة 8 هجرية، أرسل رسول الله ﷺ الصحابيَّ الجليل الحارث بن عمير الأزدي إلى بصرى الشام ليبلغ رسالة الإسلام، وما إن وصل حتى أمر حاكم بصرى شرحبيل بن عمرو الغساني بقتله، فلما بلغ ذلك النبيَّ ﷺ، أمر بتجهيز جيش ردًا على هذه الجريمة النكراء.

وقد تجهز للغزوة حينها ثلاثة آلاف مقاتل، وأمَّر النبي ﷺ عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن قُتل زيد فجعفر، وإن قُتل جعفر فعبد الله بن رواحة»، وقد واجهوا جيشًا قيل إن عدده بلغ مائتي ألف مقاتل؛ منهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف من حلفائهم من قبائل العرب، وما كان للمسلمين أن يواجهوا كل هذه الأعداد إلا بقوة الإيمان التي تغلغلت في القلوب، وبعزة المؤمن وحميته على دينه وعرضه، واليقين بنصر الله عز وجل.

إن أمتنا اليوم حَرِيٌّ بها أن تستدعي سنن ربها، وتأخذ بكل الأسباب المؤدية للوحدة والاعتصام بحبل الله؛ لتحرير الأوطان والمقدسات من كل محتلٍ، والعمل الدؤوب دون يأس حتى يأتي الله بأمره ويتنزل عليها نصره.

أمتنا ومكامن العزة

لقد جُبلت أمتنا على مكامن العزة؛ فكما كانت في تاريخها التليد، أبت في تاريخها الحديث أن تخضع لقوى الاستكبار العالمي، فقاومت كما ينبغي لها أن تقاوم، ورفضت أن تُهان كرامتها، أو تُنتهك سيادتها، أو تُسلّم مقدراتها لغيرها. وكيف لها أن تفعل وقد سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]، وسمعت قول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10]؟!

وقد وضع الإمام حسن البنا مَعْلَمًا وَاضِحًا من معالم المشروع الإسلامي لنهضة هذه الأمة، ركز فيه على مسار تحرير الأوطان جنبًا إلى جنب مع مسار العمل الدعوي في بناء الفرد والأسرة والمجتمع، وجنبًا إلى جنب مع مسار العمل السياسي؛ حيث طالب الأمة في رسالة المؤتمر الخامس بالانخراط في: «تحرير الوطن بتخليصه من كل سلطان أجنبي غير إسلامي؛ سياسي أو اقتصادي أو روحي»، لِأَنَّ أَيَّ جُهْدٍ دعوي أو حراك سياسي سيبوء بالفشل ولن يؤتي ثمره أو يحقق مراده في ظل أي احتلال أجنبي.

وخلال تاريخها، بذلت جماعة "الإخوان المسلمون" جهودًا كبيرة في مواجهة الاحتلال الأجنبي، فقدمت أروع البطولات في مقاومة الاحتلال البريطاني في مصر، والاحتلال الصهيوني في فلسطين، بل وساندت كافة الشعوب العربية والإسلامية التي تعرضت للاحتلال؛ إدراكًا منها بأن تحرير الأوطان هو البداية الحقيقية لإعادة بناء الأمة وانطلاقتها نحو الاستقلال والريادة الحضارية.

إن اهتمام الأمة الإسلامية بالتحرر من قيود الاستعمار ورفض الاحتلال الأجنبي، وَعَدَّهُ قيدًا يتوجب كسره وحاجزًا ينبغي تخطيه، إنما هو حق ثابت أقرته كل الأديان والشرائع، وحظي بحضور واضح في كل المواثيق والقوانين الدولية، وهو ما ينسجم مع الفطرة الإنسانية السوية التي تأبى القيد، وتسعى إلى التحرر من ربقة الاستعباد والهيمنة.

بين نصر مبين وتطبيع ذليل

لقد كانت العزة هي الخيار الوحيد لدى الأمة الإسلامية عبر تاريخها؛ وَاقِعًا مَعِيشًا وحقيقة وافرة لا تخطئها عين ولا يحول دون إدراكها حجاب. وفي معارج التاريخ أيام فارقة لا تقاس بالأيام والأعوام، بل بما تُحدثه من تغيير في مسار الشعوب وما تحفره في وجدان الأمم.

ولم تكن تلك الأيام تاريخًا يَنْدَرِسُ، بل إن تاريخنا الحديث شهد صولات أضفت على هذا التاريخ نضارة، فجددت رونقه وزادته بهاءً؛ فقد شهد تاريخنا الحديث صفحاتٍ ناصعة البياض كتبت بدماء الشهداء، كان في مقدمتها ملحمة "أكتوبر 1973"، التي لم تكن مجرد معركة عسكرية بين جيشين، بل كانت تجسيدًا حيًا لإنهاء أسطورة "الجيش الذي لا يقهر"، في لحظة التحمت فيها إرادة الشعب الأبي مع جهاد الجنود البواسل على ضفاف قناة السويس وفي خطوط المواجهة،

ولكن هيهات لهذه اللحظات المباركة أن يترك المبطلون الشعوبَ تتنفس عبقها وتستكمل بها طريقها، حيث قطعته انحرافات البوصلة تحت دعاوى التطبيع المذل؛ ففي عام 1978م تم توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، تلتها في عام 1979م اتفاقية السلام بين مصر والكيان الصهيوني، تهوينًا للتفاهمات مع المحتل، وفي السنوات الأخيرة جاءت موجة جديدة من التطبيع تحت شعارات واهية وخيالات مريضة وانحرافات فكرية وعقدية، فيما يسمى بـ "الاتفاقات الإبراهيمية"، والتي انضمت إليها أربع دول عربية هي: الإمارات، والبحرين، والمغرب، والسودان؛ ليصبح التطبيع تحالفًا صريحًا على حساب تضحيات الشعوب.

ورغم كل هذا الهوان بقيت للأمة صفحات من نور سطرها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]، حيث انطلق الفلسطينيون يذودون عن حياض وطنهم ويدافعون عن شرف أمتهم بما يملكون، وما يملكون إلا القليل بعد أن تخلى عنهم القريب والبعيد؛ فكانت انتفاضة الحجارة عام 1987م (أو ما عُرف بأطفال الحجارة)، وكانت انتفاضة الأقصى عام 2000م، وصولًا إلى "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023م، في وقت كانت فيه مسارات التطبيع قد شهدت توسعًا ملحوظًا؛ الأمر الذي أعاد قضية الاحتلال والقضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي، مما يؤكد أن الشعوب ستقاوم الاحتلال مهما قلت إمكاناتها ومهما انفض عنها من كان يجب أن يقف بجوارها.

تحية إلى الصامدين خلف القضبان

وفي مصر، شهد المجال العام منذ الانقلاب العسكري تضييقًا غير مسبوق، وطالت الاعتقالات والمحاكمات قطاعات واسعة من المعارضين والنشطاء من كافة التيارات السياسية والفكرية ممن سعوا لنهضة أوطانهم واستقلال إرادتها، في ظل مناخ سياسي قاتم قيد المجال العام، وحجب حرية التعبير، وصادر كل رأي؛ فاكتظت السجون بالمخلصين من أبناء الوطن، وامتلأت بالمجاهرين بكلمة الحق والرافضين للظلم والساعين لإصلاح بلادهم.

لقد فاض الكيل بهذه النخبة الصابرة من المعتقلين أمام تعنت سلطة تأبى أن تعطي لهم حق الحياة، وتمنع عنهم أدنى الحقوق، وتفتح أمامهم مدد الاعتقال والحبس الاحتياطي لآماد غير منظورة، فكانت صرختهم التلقائية عالية مدوية في حركة الإضرابات الأخيرة؛ تؤكد أن نفوسهم التي أبت أن تصمت أمام الباطل خارج السجون لن تقبله داخلها، وأن التمادي في الظلم لن يكسر إرادتهم ولن يفلح في طمس معالم الجريمة التي ترتكب بحقهم.

وإلى هذه الثلة من الصامدين خلف القضبان، ممن قدموا التضحيات ودفعوا ضريبة الجهر بكلمة الحق فحُرموا حق الحياة، نقول لهم: "إن ظلام السجون سيتبدد يومًا بضياء الحرية، وإن نورًا تتبدى ملامحه في نهاية النفق، فنحن أمة لا تعرف اليأس؛ ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]، وإن عتمة الزنازين لن تطول، وستبقى معاناتكم شعلة في سويداء قلوبنا وقلوب أحرار العالم حتى تنكسر أغلال الظلم".

وعلى من يحملون قضية المعتقلين أن يواصلوا العمل السلمي والقانوني والإعلامي، والتعريف بأوضاعهم، والدفاع عن حقوقهم في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية، مستفرغين الوسع في خدمة قضيتهم، بعيدًا عن اليأس أو الاستسلام، مستعينين بحول الله وقوته، إلى أن يأتي الفرج وتشرق شمس الحرية والعدالة من جديد؛ قال تعالى: ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]. لقد علمتنا التجارب أن الظلم مهما طال لا يصنع استقرارًا دائمًا، وأن الأوطان التي تريد مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا تحتاج إلى مصالحة مجتمعية حقيقية، وإلى احترام الحقوق، وإلى قدرة على استيعاب الاختلاف بدل تحويله إلى خصومة دائمة.

خاتمة

إن العزة التي يمنحها الإسلام، والمخزون القيمي والروحي الذي يهبه لأتباعه، ليملأ الدنيا بكل معاني الحق والقوة والحرية، ويضيء مشاعل الكرامة للبشرية مهما أمعن الطغاة في الظلم والاستبداد، وإن التضحيات التي يقدمها الأحرار في سبيل الحق والعدل والحرية لا ينبغي أن تضيع، بل ينبغي أن تتحول إلى وعي، وإلى عمل، وإلى إصرار على بناء مستقبل أكثر عدلاً وكرامة؛ وأن الأمة التي تعرف قدرها، وتدرك مواطن ضعفها وقوتها، وتتمسك بقيمها، وتستفيد من دروس تاريخها، تستطيع أن تستعيد ثقتها بنفسها، وأن تصنع لنفسها مكانًا أكثر استقلالًا وتأثيرًا في عالم سريع التحول؛ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18]، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].

وفي نهاية الطريق، يبقى اليقين بالله، والعمل من أجل الحق، والصبر على الطريق، من أعظم ما تحتاجه الأمة في مواجهة محنها؛ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: 51].

 

والله أكبر ولله الحمد،،،

أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
الأحد 30 من ربيع ثاني 1448 هجرية – الموافق 11 من أكتوبر 2026م

 

https://ikhwan.online/article/276211