في ظل التفريط والخيانة للشعب المصري من قبل قائد الانقلاب العسكري، يسعى السيسي بطريقة غير مباشرة إلى محاولة التلويح بالقوة العسكرية ضد جهة ما من أجل الأمن القومي المصري، وهو خيار يبدو بعيدًا عن السيسي النعامة، الذي يجيد العمل لمصالحه الشخصية فقط على حساب مقدرات الأمن القومي المصري.
الخيار العسكري الذي كان مجديًا وقت الرئيس محمد مرسي، الذي هدد باستعماله عبر لقاء موسع بالرئاسة المصرية، وجرى تسريبه بهدف إحراج مرسي وليس تهديد إثيوبيا، إلا أنه أحدث وقتها رعبا في إثيوبيا التي ارتبكت بسبب تصريحات مرسي بإمكانية استعمال الحلول العسكرية لوقف بناء سد النهضة الإثيوبي قبل البدء في إنشائه.
ذلك التهديد باستعمال القوة العسكرية، في نظر الاستراتيجية العسكرية، أقوى تأثيرًا من استعمال القوة بحد ذاته.
إلا أن السيسي وإعلامه الانقلابي اتخذ التصريح بسخرية، وحيكت حوله القصص الإعلامية الساخرة من مرسي وأدائه.
وبعد الانقلاب على مرسي، سعى السيسي المنبطح إلى تقديم أول اعتراف تاريخي لإثيوبيا، بمقتضاه تنازلت مصر عن حقوقها التاريخية الثابتة في مياه النيل، بتوقيعه على اتفاق المبادئ الذي يحاول الآن التهديد بالانسحاب منه بعد فوات الأوان، وهو خيار بلا جدوى حاليا.
وكان الكثير من الوطنيين المصريين الذين زج بهم في السجون، قد دعوا السيسي إلى اللجوء إلى مجلس الأمن أو المحاكمة الدولية وطلب التحكيم الدولي لإثناء إثيوبيا عن مشروعها، أو بمجرد الإعلان عن الرفض المصري للأسلوب الإثيوبي، إلا أن السيسي حرص على إرضاء إثيوبيا إلى أقصى مدى؛ من أجل اعتراف الاتحاد الإفريقي بانقلابه العسكري.
فيما استخدمت إثيوبيا سلاح الوقت والمفاوضات تلو المفاوضات في التعاطي مع الموقف المصري، حتى وصلت إلى إعلان رفضها التوقيع على الاتفاق النهائي، وإعلانها ملء السد خلال يونيو المقبل، رغم اعتراضات نظام السيسي.
اللجوء إلى أمريكا
وكانت مصادر دبلوماسية قد كشفت، في تصريحات إعلامية، عن أن السيسي يعتمد على تدخل من الولايات المتحدة الأمريكية للتأكد من عدم مضي إثيوبيا قدمًا في خطتها لملء خزان سد النهضة دون اتفاق نهائي مع مصر والسودان، بحسب ما أعلنته أديس أبابا في بيان مطلع الأسبوع الجاري.
مضيفًا «ما زلنا نعتمد على التدخل الأمريكي»، مضيفًا: “لقد أظهرنا ما يكفي من النوايا الحسنة، وأرسلنا كل الرسائل الإيجابية”.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعرب لنظيره السيسي، في مكالمة هاتفية، الثلاثاء، عن تقديره لتوقيع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق التي أسفرت عنها جولات النقاش بين البلدان الثلاثة بحضور وزير الخزانة الأمريكي وممثل عن البنك الدولي نهاية فبراير الماضي.
وكان مصدر في منظمة دولية قريبة من المباحثات بخصوص سد النهضة قد قال، في وقت سابق، إن ترامب يريد أن يترأس احتفالًا بتوقيع اتفاق بخصوص السد بنهاية فبراير، حتى وإن كان اتفاقًا عامًا تاركًا النقاط الخلافية لوقت لاحق.
التراجع الإثيوبي عن حضور جولة المفاوضات الأخيرة، الأسبوع الماضي، وإعلان أديس أبابا البدء في ملء خزان السد بدايةً من يوليو المقبل، بررته الحكومة الإثيوبية بأن إعلان المبادئ الذي جرى توقيعه في 2015 يعطيها ذلك الحق.
وكان وزير الخزانة الأمريكي صرح مؤخرا بأن واشنطن تشعر بخيبة الأمل، بعد تغيب أديس أبابا عن جولة المباحثات الأسبوع الماضي.
غير أن دبلوماسيًا أوروبيًا يتابع الملف قد قال إن ما حدث من قِبل إثيوبيا ليس بالضرورة مفاجئًا لمصر، خاصة مع استمرار القاهرة في الشكوى من المماطلة الإثيوبية. وكان المصدر الرسمي المصري قال لـ«مدى مصر» إن المسئولين المصريين سيمنحون الولايات المتحدة وقتًا قد يصل إلى عدة أشهر لحل الأزمة.
وبحسب مصدرين يقدمان استشارات لمصر بخصوص ملف السد، فإن القاهرة غير قلقة في هذه المرحلة بخصوص بدء ملء الخزان خلال موسم الفيضان في يوليو وأغسطس، بناء على تقدير من مسئولين حكوميين بأن إثيوبيا لن تتمكن من الانتهاء من الإنشاءات اللازمة للسد قبل أقل من أربعة أشهر. وأضاف المصدران أن مصر تتابع تطورات البناء عن كثب.
ورغم تأكيد الولايات المتحدة التزامها بمتابعة رعاية المفاوضات بين الدول الثلاثة، إلا أن الانتقادات الإثيوبية للدور الأمريكي في ازدياد. ففي مؤتمر صحفي، حذر وزير الخارجية الإثيوبي واشنطن من تسريع العملية أو محاولة التأثير على نتائجها.
إسرائيل تلعب في الخلفية
بدوره كشف الدكتور محمد حافظ، أستاذ هندسة السدود بماليزيا، عن السر وراء تردد إثيوبيا في التوقيع على الاتفاق الذي ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي بخصوص سد النهضة.
وقال حافظ، في مداخلة هاتفية لقناة وطن مؤخرا: إن كل العراقيل التي تضعها إثيوبيا منذ بدء المفاوضات حتى الآن هدفها بيع المياه لمصر، وهذا التوجه يلقى قبولا من قبل البنك الدولي؛ لأن سياسته مساعدة دول المنبع على بيع المياه لدول المصب والممر، وهو ما أكده الدكتور محمد نصر علام، وزير الري السابق.
وأضاف حافظ أن إثيوبيا تخطط لبناء البنك الإثيوبي لتصدير المياه، وهو ما يجعلها تعقد كل المفاوضات بخصوص سد النهضة طوال هذه الفترة، بهدف المماطلة حتى يتم بناء السد وبدء الملء ويصبح أمرًا واقعًا وتصبح مصر في موقف صعب وعليها القبول بشروط إثيوبيا.
وأوضح حافظ أن مد شبكة كهرباء حديثة بين مصر والسودان لمسافة 1000 كيلومتر كان تمهيدا لشراء كهرباء من إثيوبيا مقابل الحصول على المياه، مضيفا أن إسرائيل تملك حق إدارة سد النهضة والسدود العليا التي سوف تبنى عليه، بحسب ما أعلنت عنه شركة الكهرباء الإسرائيلية.
