اعتبر البعض أم (إعلان) خروج الإمارات من اليمن (بعد أن سبق أن أعلنت خروجها في 2019) فوق أنه انكشاف لمشروع التمدد الإماراتي في اليمن والسودان، إلا أنه لا شك يعتبر الانسحاب ضربة موجعة لمشروع الإمارات في اليمن والبحر الأحمر، وأن الاعتماد على وكلاء محليين لن يكفي أمام ضغط الدولة اليمنية المدعومة سعوديًا.
واعتبرت قراءات إعلان أبوظبي “إنهاء وحدات مكافحة الإرهاب” خطوة تكتيكية لتقليل الاحتكاك المباشر، مع احتمال استمرار دعم شبكات وحلفاء محليين بطرق غير مباشرة.
وتوقعت القراءات أن يزيد الضغط على المجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظات المحورية مثل المهرة وحضرموت، وأن تنحسر قدرته على فرض أمر واقع بلا سند خارجي قوي.
وتوقعت أيضأن يربط الطرح العام بين الضربة في اليمن واحتمال تراجع النفوذ الإماراتي في ساحات أخرى مثل السودان وليبيا، مع فتح الباب لمحاولات وساطة لاحقة لكنها غير مرجحة فورًا في لحظة إعادة التموضع.
وفي خضم هذا التصعيد، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية إنهاء ما تبقى من وحدات مكافحة الإرهاب في اليمن “بمحض الإرادة”، مشددة على أن الوجود العسكري المباشر كان قد انتهى في 2019 وأن المتبقي كان فرقًا متخصصة محدودة العدد والوظيفة؛ غير أن التوقيت ولغة البيان جعلا الإعلان جزءًا من تفاعل أمني وسياسي ساخن أكثر مما هو مجرد إجراء إداري اعتيادي.
3 سيناريوهات
وتحليل السياق يضعنا أمام ثلاثة مستويات لفهم ما جرى:
أولًا، مستوى الوقائع المعلنة: هناك عملية عسكرية في المكلا، مطالبة رسمية يمنية مدعومة سعوديًا بخروج إماراتي، ثم إعلان إنهاء الوجود المتخصص المتبقي.
ثانيًا، مستوى الجغرافيا السياسية للصراع: الجنوب اليمني، خصوصًا المهرة وحضرموت، يشكل محورًا حاسمًا لأي محاولة لإعادة رسم موازين القوى، مع حساسية باب المندب والبحر الأحمر وقرب خطوط الملاحة الدولية من مسارح التأثير.
ثالثًا، مستوى وكلاء النفوذ المحليين: المجلس الانتقالي الجنوبي وغيره من القوى المحسوبة على أبوظبي، التي كانت تاريخيًا جزءًا من مزيج معقّد من الشراكة والتنافس داخل المعسكر المناهض للحوثيين. وهي سناريوهات طرحها تقرير في (الجزيرة نت).
تحجيم الانفصاليين
إلا أن السؤال الأكثر تأثيرًا داخليًا في اليمن: هل يكفي الضغط الحالي لإجهاض مشروع الانفصال؟ الإجابة، كما يطرحها عدد من التقارير، مرهونة بمدى قدرة الدولة على بناء ترتيبات أمنية وإدارية قادرة على احتواء غضب جنوبي تاريخي عبر صيغة حكم متوازنة، دون السماح بتفكيك السيادة. واستعرض موقع (سويس إنفو) تقديرات لمحللين، وصفوا ما حدث بأنه ضربة استراتيجية لمشروع التمدد الإماراتي في اليمن، على الأقل في صورته العلنية المعتمدة على وجود مباشر.
واستند تحليل الموقع إلى فرضية أن القدرة على فرض أمر واقع جنوبي تتراجع حين يفقد الحلفاء سندًا عملياتيًا واضحًا، خصوصًا مع تعاظم الضغط السعودي الرسمي واعتماد الحكومة اليمنية على زخم سيادي وقانوني من شأنه تحجيم الحركة العسكرية لقوى الانفصال في المحافظات المحورية.
في حين أن قراءات لآخرين لم تستبعد أن يكون المشهد أقرب إلى “إعادة تموضع” يقلّص الاحتكاك المباشر ويحوّل أدوات التأثير إلى قنوات غير ظاهرة، بما في ذلك الدعم السياسي واللوجستي للأطراف المحلية، وهو ما تُلمح إليه طبيعة إعلان أبوظبي التي حصرت حديثها في وحدات مكافحة الإرهاب ووصفت القرار بأنه امتداد لمسار بدأ في 2019.
وأشارت "الجزيرة نت" إلى أن الانفصال ليس مجرد قرار محلي؛ إنه معادلة تتداخل فيها حسابات الإقليم والمجتمع الدولي وممرات التجارة العالمية، موضحة أنه مع خروج الوجود الإماراتي المتبقي إلى حدّه الأدنى المعلن، تتجه الأنظار إلى كيفية إدارة الرياض وصنعاء لهذه اللحظة، بين تثبيت وحدة الخريطة واستيعاب المظالم ضمن مشروع دولة قادرة وعادلة.
عوامل تثبت حقيقة الانسحاب
وطرح تقرير ( الجزيرة نت ) أن الانسحاب عمليا في المدى القريب أمام اختبار قدرة الدولة اليمنية على الضغط الميداني والسياسي لإخراج المجلس الانتقالي الجنوبي من مناطق حساسة مثل المهرة وحضرموت.
وهذا الضغط، وفق القراءة المتداولة، يراهن على عاملين؛ أحدهما: تحييد خطوط الإمداد التي أثير الجدل حولها في المكلا، والثاني: خلق واقع حكومي أمني جديد يقلّص من إمكانية فرض حكم ذاتي منفرد دون تفاهمات وطنية جامعة.
ومع أن بعض الأطراف قد تسعى للوساطة في وقت لاحق، إلا أن لحظة إعادة التموضع الراهنة تجعل قبول الوساطة محدودًا قبل تثبيت قواعد جديدة للنفوذ والسيطرة.
التراجع الإقليمي
ورجحت تحليلات أخرى أن تتجاوز آثار الانسحاب/إعادة التموضع الساحة اليمنية إلى ملفات أخرى كانت أبوظبي فاعلًا رئيسيًا فيها، مثل السودان وليبيا.
وأشار موقع (صوت العراق) إلى أن الفكرة الجوهرية هنا أن تكلفة إدارة صراعات متعددة المسارات تتصاعد عندما تتعرض إحدى منصات النفوذ لهزة كبيرة، وأن الأطراف المنافسة (إقليميًا ودوليًا) قد تستثمر اللحظة لإعادة التوازن في تلك الملفات.
وأوضح أن هذا الارتداد ليس خطيًا؛ فشبكات النفوذ الراسخة لا تتفكك بسرعة، وغالبًا ما تنتقل من الأدوات العسكرية المباشرة إلى مسارات ضغط اقتصادية وإعلامية وسياسية، تتكئ على علاقات طويلة مع قوى محلية.
الشراكة السعودية الإماراتية
وخلصت أغلب التحليلات إلى أن ما يجري هو إعادة تعريف لعلاقة الرياض وأبوظبي في الملف اليمني بعد سنوات من الشراكة المعقّدة، وانتقال من ظلال النفوذ إلى مواجهة علنية تضع قواعد اشتباك جديدة. وأن إعلان أبوظبي يخفف الاحتكاك لكنه لا ينهي بالضرورة شبكة المصالح، والضغط اليمني-السعودي يريد تحويل هذه الفرصة إلى تغيير فعلي في خرائط السيطرة جنوبًا.
وأضافت أنه بين “الانسحاب” و”إعادة التموضع”، تتحدد مسارات اليمن المقبلة بقدر ما تنجح الدولة في تحويل اللحظة الأمنية إلى قاعدة سياسية لإعادة توحيد القرار، وبقدر ما تُحسن الأطراف الإقليمية إدارة مصالحها دون العودة إلى دوامة الصراع المفتوح
وكان الملف اليمني شهد خلال الساعات والأيام الأخيرة تحولات متسارعة، بدأت بمطالبة مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإمارات بإخراج ما تبقى من قواتها خلال 24 ساعة وإلغاء اتفاقية التعاون الدفاعي، مع موقف سعودي داعم علنًا لهذه الخطوة. أعقب ذلك قصفًا على ميناء المكلا أكدت الرياض أنه استهدف شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات، وقدّم التحالف تفاصيل عن عربات وحاويات نُقلت إلى قاعدة الريان دون إبلاغ المملكة، في مؤشر على مستوى غير مسبوق من المكاشفة العلنية بين شريكي التحالف السابقينبحسب تحليل منشور على الجزيرة نت.
الخريطة الزمنية للأحداث
مطالبة رسمية بالخروج خلال 24 ساعة: رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يطالب الإمارات بإخراج قواتها خلال 24 ساعة ويلغي اتفاقية التعاون الدفاعي، مع دعم سعودي رسمي للقرار.
قصف ميناء المكلا: التحالف بقيادة السعودية ينفذ غارة على ميناء المكلا استهدفت شحنة أسلحة مرتبطة بالإمارات، محددًا تفاصيل العربات والحاويات المنقولة إلى قاعدة الريان دون إبلاغ الرياض.
إعلان أبوظبي إنهاء الوجود العسكري المتبقي: وزارة الدفاع الإماراتية تعلن إنهاء ما تبقى من وحدات مكافحة الإرهاب في اليمن “بمحض الإرادة”، مؤكدة أن الانسحاب المباشر كان قد تم في 2019 وأن المتبقي كان فرقًا محدودة العدد والوظيفة.
