كان مفاجئا ــ كما يقول رئيس هيومن رايتس ووتش، كينيث روث ـــ إغلاق محكمة استئناف في مصر تحقيقا طويل الأمد مع 20 منظمة غير حكومية بتهمة تلقي تمويل أجنبي بشكل غير قانوني بالتزامن مع زيارة السيسي إلى فرنسا". ولكن الضغط على الجانب الحقوقي بشكل متواصل أسفر عن محاولة من السيسي ليس لإقناع الرئيس الفرنسي ماكرون –الذي يتحالف مع السيسي لأقصى درجة ويهاجم الإسلام في آن- بل للهروب من أسئلة الصحفيين الفرنسيين المحرجة له أمام الكاميرات والتي تتسبب في إذابة ماء وجهة عالميا. وكان ماكرون قال في أكتوبر 2017 خلال زيارة السيسي لباريس إنه لن "يلقي" محاضرة على مصر حول الحريات.
بيان يوم الزيارة
وأخيرا في هذا الاتجاه، اهتمت (أ ف ب) ببيان صدر الأحد 6 ديسمبر 2020م، يدعو فرنسا لعدم "الانغماس" في مصر رغم التحالف الوثيق بين القاهرة وباريس. وبحسب الوكالة الفرنسية، قالت 12 منظمة حقوقية، من بينها "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" و"الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان" في بيان: "الدبلوماسية الفرنسية، على أعلى المستويات، انغمست منذ فترة طويلة في القمع الوحشي الذي يمارسه السيسي لأي شكل من أشكال المعارضة". وطالبت المنظمات ماكرون بتنفيذ التزامه المعلن تجاه تعزيز حقوق الإنسان، وقال بيانهم المشترك: "الآن ..يجب على الرئيس ماكرون أن يدافع عن التزامه المعلن لتعزيز حقوق الإنسان في مصر".
وأثار ماكرون مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان خلال زيارة إلى القاهرة في يناير 2018، مشيرًا إلى "احترام الحريات الفردية وكرامة الجميع وسيادة القانون". وكشف البيان ادعاءات الرئيس الفرنسي بعدما كشف أن باريس المورد الرئيسي للأسلحة لمصر من خلال بيع السفن الحربية والطائرات المقاتلة، فقد سمحت الحكومة الفرنسية أيضا للشركات الفرنسية بتزويد القاهرة بأدوات المراقبة والسيطرة على الحشود.
وقالت أنطوان مادلين، مدير المناصرة الدولية في الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان لوكالة فرانس برس، "نشعر بالدهشة لأن فرنسا تفرش السجادة الحمراء لدكتاتور مع وجود أكثر من 60 ألف سجين رأي اليوم في مصر". ونشرت منظمة “العفو الدولية”، زيارة “السيسي” إلى أوروبا، بإصدار تقرير جديد يندّد بالتوسّع في عقوبة الإعدام، بعدما نَفّذت الدولة أحكام إعدام في حق ما لا يقلّ عن 57 شخصاً خلال آخر شهرين، مقارنة بـ32 فقط خلال 2019.
التمويل الأجنبي
وبعد خمس سنوات من التحقيقات أو بالأحرى وضع ورقة منظمات التمويل الأجنبي لاستغلالها في حينها، تمت تبرئة 20 منظمة مصرية من تهم التمويل الأجنبي، وبدون سابق إنذار انتهت التحقيقات قُبيل زيارة عبد الفتاح السيسي إلى فرنسا، حيث أعلن قاضي التحقيق المنتدب لقضية التمويل الأجنبي للمجتمع المدني رقم 173 لسنة 2011 انتهاء التحقيقات بشأن 20 منظمة وجمعية وكيان بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضدها جميعاً.

المثير أن القضية أثارها قبل أسابيع معدودة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته القاهرة في الثامن من الشهر الماضي. المنظمات التي تم العفو عنها لم يشمل المنظمات المستمرة في تناول أوضاع حقوق الإنسان المزرية في مصر ومنها؛ مركز القاهرة لحقوق الإنسان والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومركز نظرة لدراسات المرأة ومركز المساعدة القانونية للمرأة المصرية والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز هشام مبارك. كما لم يشمل بيان قاضي التحقيق رفع حظر السفر والتحفظ على الأموال المفروض على عدد من الحقوقيين منذ عام 2016، ومنهم ناصر أمين وخالد علي وحسام بهجت وجمال عيد ومالك عدلي وعزة سليمان وهدى عبد التواب ومحمد زارع ومزن حسن وغيرهم.
وعن السبب الذي ساقه القاضي، قال إنه "نظراً لتباين المراكز القانونية واختلاف الطبيعة القانونية والدلائل، منها ستة لعدم وجود جريمة وهي: إنتنيوز نتورك، والمؤسسة الدولية للنظم الانتخابية، وجمعية يلا نشارك للتنمية المجتمعية، ومؤسسة النقيب للتدريب ودعم الديمقراطية، وجمعية الأسرة المسلمة بدمنهور، وجمعية الأمل الخيرية بالمنيا".
أما المنظمات الـ14 الأخرى التي تمت تبرئتها فهي؛ جمعية مؤسسة سهم الثقة، ومنظمة الشرق الأوسط للتنمية وحقوق الإنسان، ومنظمة ايد في ايد من أجل مصر، وجمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء، ومركز موارد للتنمية، والمركز المصري للتنمية والدراسات الديمقراطية، والمركز الوطني لحقوق الإنسان، وجمعية السادات للتنمية والرعاية المجتمعية، ومنظمة الأقباط للأيتام، والمعهد الديمقراطي المصري، والمعهد الديمقراطي القومي للشؤون الدولية، والمركز المصري لحقوق الإنسان، وجمعية جيل المستقبل، ومركز ماعت للدراسات الدستورية والقانونية.
مكايدة أردوغان
ويرى مراقبون أن السيسي يعتقد أنه بزيارته لإيمانويل ماكرون لثلاثة أيام لفرنسا يكايد الرئيس التركي الذي حث الشعب الفرنسي على تغييره بعدما فشل في كل المناحي وبات عبئا على الفرنسيين. وزادت التوترات بين أنقرة وباريس في الفترة التي سبقت الزيارة، حيث قال أردوغان إن على فرنسا "التخلص من" ماكرون "في أقرب وقت ممكن".
ولماكرون والسيسي أطماع إقليمية تصدت لها أنقرة والرئيس أردوغان بكل حزم، حيث تدخلت عسكريًا في الصراعات في ليبيا وسوريا وبات القلق الآن هو من تعزيز الوجود التركي في إفريقيا. ويضيفون أن ماكرون والسيسي وآخرون يشتركون في عداوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومقابل هذا التحالف الواضحة معالمه تغض دولة مثل فرنسا –لما لها من عداوة متجذرة مع الإسلام والمسلمين-الطرق عن ارتكاب القاهرة لانتهاكات متسلسلة لحقوق الإنسان حتى وإن أثارها ماكرون أو إعلام فرنسا.

Facebook Comments