دأبت الأذرع الإعلامية على دعوة المعارضين خارج مصر بالعودة وممارسة حقهم في المعارضة من داخل مصر، كدليل على الوطنية، وهي دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والقمع والاعتقال؛ إذ لا يتوقف الطاغية عبدالفتاح السيسي، زعيم عصابة الانقلاب، عن قمع المصريين، فلم يترك لأحد رأيا أو مجرد قدرة على الصراخ والتعبير حتى عن آلامه إلا اعتقله ونكل به. ولعل البرهان على ذلك هو اعتقال الكاتب الصحفي المعارض جمال الجمل عند وصوله مطار القاهرة قادما من تركيا، وإخفائه لمدة 5 أيام، ثم قرار النيابة حبسه 15 يوما على ذمة التحقيقات. 
وكشفت مصادر مقربة من "الجمل" أنه فور وصول جمال الجمل من إسطنبول، التي قضى بها سنوات في منفى "اختياري"، تم القبض عليه وإبلاغه بأنها مسألة روتينية وسيتم الإفراج عنه في أقرب وقت بشرط عدم الإعلان عن اعتقاله.
وكتب ابنه "بهاء" يوم 23 فبراير الجاري: "أبويا تعب وقرر يرجع مصر فجأة هروبا من فكرة إنه ميشوفنيش تاني، مخرجش من المطار.. من امبارح مختف ومفيش أي وسيلة تواصل معاه، أنا لسة عارف الخبر بعد تقريبا 24 ساعة من ميعاد وصوله، يا ريت لو حد يعرف حد أو يقدر يساعد إنه يطمنا عليه، أو نفهم إيه بيحصل.. ياريت يبعتلي رسالة، شكرا".
وكان الجمل من أشد المدافعين عن أحداث 30 يونيو التي مهدت للانقلاب العسكري 2013م، ولطالما وصفها بالثورة "الشعبية" كما كانت علاقته جيدة بالسيسي، حتى إن الأخير اتصل به هاتفيا لمناقشته في أحد مقالاته، التي انتقد فيها بعض الإجراءات السياسية للسيسي، وبعدها توالت المقالات النقدية للجمل، إلى أن تم منعه من الكتابة في المواقع والصحف، فتابع كتاباته على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حتى غادر مصر إلى تركيا.
وكان الجمل تلقى، في 9 سبتمبر 2014، مكالمة طويلة وغير متوقعة من السيسي لمناقشة القضايا التي طرحها الجمل في مقالاته بصحيفة "التحرير"، قبل إيقافها عن الصدور، وأعلن الجمل تفاصيل المكالمة في صحيفة "التحرير"، إذ قال إنّ " السيسي عاتبه بسبب مقالاته عن أن البلد لا توفر الخدمات الأساسية للمواطنين". وأضاف أنّ السيسي ذكر "حجم الأعباء في إدارة الدولة، في ظل محدودية الموارد والإمكانات، وكان منطق السيسي في المكالمة "نشيل البلد كلنا مع بعض"، لأن مصر في مرحلة صعبة". واستمر الكاتب على نهجه في انتقاد سلبيات النظام، حتى تم إبلاغه بقرار رئيس تحرير صحيفة "المصري اليوم" بإيقافه عن كتابة عموده.
وقال الجمل، في رسالة عبر صفحته على "فيسبوك"، وقتها: "حوصرت تماما، وفقدت آخر منبر أؤذن منه للحرية والمستقبل، كنت أتمنى أن أدفع بنفسي ثمن مقالات "حواديت العباسيين"، دون إضرار بأحد أو بالصحيفة التي اعتز بها، لذلك توجست من طريقة القبض على مؤسس "المصري اليوم" المهندس صلاح دياب، وتمنيت ألا يكون للأمر علاقة بمحتوى الصحيفة وحرية كتابها". وجاءت تلك الخطوات من الجريدة وقت إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على مؤسس الصحيفة رجل الأعمال صلاح دياب واتهامه بحيازة سلاح آلي، وإصدار النيابة العامة قراراً بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق.
ويأتي اعتقال الجمل كرسالة بأنه لن يفلت أحد من السيسي وسجونه طالما تجرأ على انتقاد النظام أو قراراته أو أي شيء يتعلق به. ويعد الجمل قامة فكرية حرة لا يسعه إلا الدفاع عن وطنه ودولته سواء من داخل مصر أو خارجها. ويقدر عدد الصحفيين والكتاب وأصحاب الرأي المعتقلين بالآلاف في سجون السيسي في ظروف صحية ومعيشية بالغة السوء، حيث المنع من الدواء والتريض والطعام. وقد دانت العديد من المنظمات الحقوقية ممارسات وانتهاكات السيسي لحرية الرأي والتعبير، ووثقت تلك المنظمات العديد من الانتهاكات لحق التعبير وحرية الرأي في سنوات ما بعد الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب بحرية ونزاهة في تاريخ مصر الرئيس الشهيد محمد مرسي، أيقونة ثورة يناير وأيقونة الحرية في مصر والعالم.

Facebook Comments