في جريمة ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة في دولة البطش والإجرام والإفلات من العقاب، منذ انقلاب يوليو 2013، أحالة النيابة العامة إلى المحاكمة الجنائية، أوراق القضية رقم 15904 لسنة 2023 جنايات العمرانية، والمتهم فيها 5 ضباط شرطة، بينهم رئيس مباحث القسم و3 أمناء ومجند حيث أنهم في يوم 31 أكتوبر 2023 بدائرة قسم شرطة العمرانية بمحافظة الجيزة، بعدما قام المتهمون بجرائم يشيب لها الوليد، حيث وجهت لهم تهم “ضرب وتعذيب 7 محبوسين محتجزين بالقسم، والتسبب في وفاة أحدهم بعد تعذيبه، وضربه مكبلا بمضرب بيسبول و”شومة” وصعقه بصاعق كهربائي، وإصابة 5 آخرين بإصابات بالغة نتيجة الضرب والتعذيب باستخدام كرباج ومواسير مياه وصاعق كهربائي وشوم.
ومع أن هذه الجرائم تم توثيقها ووجود شهود بها وأدلة، إلا أنه تحيط الشكوك حول محاسبة هؤلاء المجرمين المنزوعة الرحمة من قلوبهم، لتكن تلك القضية كسابقتها من عشرات القضايا مثيلها، والتي رأينا كيف يتملص فيها الجناة ويهربون من العدالة فبعد أحكام تهدأ الرأي العام نفاجأ بعد سنة أو سنتين أو حتى عدة شهور من إفلات هؤلاء المجرمين من الأحكام التي صدرت بحقهم لنجدهم مرة أخرى بعد عفو رئاسي من قائد الانقلاب، بل الأدهى وأمر أنهم يعودون إلى مناصبهم وكأن شيئا لم يحدث.
وغالبا هذا ما سيحدث في هذه القضية، حيث إن الداني والقاصي يعرف تصريح قائد الانقلاب بأنه لن يحاسب شرطيا في عهده، وهذا ما يتضح جليا فتوثيق آلاف المعتقلين المختفين قسريا والذي سقط عشرات القتلى، غير خروج أكثرهم بعد تلفيق تهم دون دليل واحد تحت اعترافات التعذيب والإهانة والتنكيل والتي تصل إلى حد الاغتصاب وسط جرائم وانتهاكات يشيب لها شعر الوليد، ورغم التوثيق والشكوى إلا أنه يتم حفظها وعدم الالتفات لها، بمساعدة وكلاء النيابة والقضاء المسيس.
جريمة يشيب لها الوليد
وحدثت هذه الجريمة البشعة التي يشيب لها الوليد يوم 31 أكتوبر 2023، واستمرت التحقيقات فيها مدة ثمانية أشهر بدون الإعلان عنها، وأن المتهمين أحيلوا إلى المحاكمة الجنائية “مخلى سبيلهم” على ذمة القضية باستثناء متهم واحد هارب، وأحيلت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة لتحديد جلسة خلال أيام لمحاكمة المتهمين، وقُيّدت تحت رقم 6445 لسنة كلي جنوب الجيزة.
وجاء في بيان مصلحة الطب الشرعي، عن حالة المتوفى والمعتدى عليهم من المحبوسين، إذ أقرت بانسيه عبد الفتاح أحمد 37 سنة، طبيبة شرعية بمصلحة الطب الشرعي، بالتحقيقات، أنها القائمة على مناظرة وفحص وتشريح جثمان الضحية.
وأضافت أنه تبين لها وجود عدد من الجروح بقمة يسار فروة الرأس، وكدمات منتشرة بقمة الكتف اليمنى وأعلى العضد الأيمن ومقدمة الفخذ الأيسر والعضد الأيسر ومقدمة الساق اليسرى وخلفية الكتف الأيسر، وعدة جروح بيمين العنق والوجه والبطن وكيس الصفن (الخصيتين)، وسحج (كشط) بأسفل الفخذ، وسحج بالجانب الأيسر للحوض.
وتابعت بأن الوفاة نتيجة حدوث الإصابات بالرأس وما أحدثته من كسر منخسف بعظام الجمجمة وانضغاط بنسيج المخ مقابلها وأوذيما (احتباس السوائل بالجسم) عامة بنسيج المخ، ورجحت في كون تلك الإصابات قد نتجت عن التعدي بجسم أو أجسام صلبة راضة مثل العصي الخشبية وما في حكمها.
وأردفت أن الواقعة بمجملها جائزة الحدوث على النحو الوارد بالتحقيقات، وفي تاريخ معاصر لتاريخ حدوث الواقعة، مشيرة إلى أنه وعقب التعدي على الضحية وإحداث إصابته التي أودت بحياته يمكن أن يظل حيا لفترة زمنية وجيزة لا تتعدى 24 ساعة.
كما ثبت بتقرير الطب الشرعي الخاص بالضحايا المعتدى عليهم في قسم الشرطة من المحتجزين الستة، أن إصاباتهم حيوية حديثة ذات طبيعة رضية احتكاكية حدثت من الضرب بجسم صلب أياً كان نوعه، وهي جائزة الحدوث من التعدي عليهم بعصي خشبية أو شوم على النحو الثابت بالتحقيقات وفي تاريخ معاصر لتاريخ الواقعة.
قائمة المجرمين في القضية
والمجرمون المتهمون في القضية هم كل من “أحمد هانئ علي عبد التواب العمدة 26 سنة، نقيب شرطة ومعاون مباحث قسم شرطة العمرانية، وأحمد صلاح عبد التواب حمد (هارب) 43 سنة، أمين شرطة سابق بمباحث القسم (وقت الواقعة)، وهاني عماد الدين محمد عيد 38 سنة مقدم شرطة ورئيس مباحث قسم شرطة العمرانية سابقا (وقت الواقعة) وحاليا رئيس قسم العمليات بإدارة شرطة مرافق الجيزة”.
كما ضمت مصطفى عاطف محمود سيف 33 سنة، رائد شرطة ومعاون مباحث قسم شرطة العمرانية، وعمر محمد محمود محمد الهواري 29 سنة، نقيب شرطة وضابط بالقسم سابقاً (وقت الواقعة) وحاليا ضابط بقسم أول الشيخ زايد، وحمزة محمد سلطان فتح الله عبد الرحيم، 24 سنة، نقيب شرطة وضابط بالقسم، وآدم صلاح محمد حمد 37 سنة، أمين شرطة بمباحث القسم، ومحمود خضر كيلاني عبد التواب 28 سنة، أمين شرطة بمباحث القسم، وسيد سعد سيد جنيدي 23 سنة، مجند شرطة بقسم شرطة العمرانية سابقاً (وقت الواقعة) وحاليا مجند بإدارة المرافق”.
عدة طلقات والضابط يهرب من العقاب
والسبت الماضي انتهت، المدة القانونية المحددة في القانون التي تمنحها للنيابة العامة للاستئناف على حكم براءة نقيب الشرطة بقطاع الأمن المركزي ببرج العرب، الذي كان متهماً بقتل الشاب فرحات أبو الشاردة المحفوظي، رمياً بالرصاص، إثر مشادة كلامية وقعت بينهما بمتجر لبيع المواد الغذائية في مدينة سيدي براني غربي محافظة مطروح بمصر، دون أن تستأنف على الحكم.
وكعادة القضاء المسيس حكمت المحكمة بالبراءة كما رفضت أي من طلبات هيئة الدفاع عن المجني عليه الضحية، بداية من تفريغ كاميرات المراقبة في الواقعة، ومرورا برفض سماع شهود محددين في الواقعة، وانتهاء برفضها تعديل ما يسمى بـ “القيد والوصف للاتهام” الخاص بالضابط المتهم في قرار إحالته للمحاكمة، وتوجيه تهمة “القتل العمد” للضابط وليس “الضرب الذي أفضى إلى الموت”، والذي برأته المحكمة منه أيضا.
وبحسب قرار إحالة الضابط إلى المحاكمة الجنائية، فقد وجهت له أنه بصفته نقيب شرطة بقطاع الأمن المركزي ببرج العرب، 28 سنة، قام يوم 11 يوليو 2023، بدائرة قسم سيدي براني بمحافظة مطروح، بضرب المجني عليه حفيظ حوية عبد ربه أبو بكر وشهرته فرحات المحفوظي، 35 سنة، عمدا. وذلك بأن أطلق صوبه عدة أعيرة نارية من سلاحه الميري، فأصابه بأماكن متفرقة من جسده بالإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية، والتي أودت بحياته، ولم يقصد من ذلك قتله، ولكن “الضرب الذي أفضى إلى موته”.
وكان النائب العام المصري السابق حمادة الصاوي، أصدر يوم 16 يوليو 2023، بيانا أعلن فيه إحالة ضابط شرطة وخمسة آخرين إلى المحاكمة الجنائية لمعاقبتهم على ما اقترفُوهُ مِن جرائمَ في الأحداث الواقعةِ بمنطقةِ سيدي بَراني بمَرسَى مَطروح.
ورغم إحالة عشرات القضايا التي اتهم فيها رجال الشرطة بالتعدي على المحبوسين أو ارتكاب مخالفات خارج إطار عملهم والاحتماء بكادرهم الوظيفي، إلا أنه الآن لا يوجد فرد واحد من هؤلاء المجرمين خلف القضبان حتى هؤلاء المتهمون في هذه القضية فجميعهم أحرار بل الذي يبرهن على أننا في دولة الفساد واللا قانون هو أن معظم هؤلاء المتهمين يمارسون عملهم الوظيفي بشكل عادي وبدم بارد لا يخشون العقاب، وربما ينتظرون مكافآت وتكريما.