بعدما شتمه أحدهم بغباء، قال الناشط السياسي والحقوقي د. أسامة رشدي إن مصر تواجه أزمة دين خانقة، وإن الاحتياطي النقدي هش، وإن السياسات الاقتصادية الحالية تُفاقم الفقر، مؤكدًا أنه لا سبيل إلى نهضة حقيقية دون حكم رشيد يربط بين الحرية والاقتصاد.
ورأى رشدي عبر حسابه على منصة "إكس" أن التاريخ يعيد نفسه عبر تكرار الأخطاء المالية ذاتها، وأن ما يحدث اليوم ليس إصلاحًا بل إعادة إنتاج لمهزلة الماضي، حيث تُدار الدولة بالاستدانة والتلاعب المحاسبي، بينما يتحمل المواطنون الكلفة الباهظة.
وتبنّى رشدي الرد على مصطفى مدبولي في تصريحه الأخير عن "خفض الدين إلى نحو 50% خلال 4 سنوات"، كما تبنّاه غيره على منصات التواصل الاجتماعي في مصر. وهناك بالفعل ما يُعرف بـ"اللجان الإلكترونية" التي تعمل على الدفاع عن النظام أو مهاجمة المعارضين، وهو أمر موثق في تقارير إعلامية.
وفي الوقت نفسه، هناك أيضًا مستخدمون عاديون يتبنون وجهات نظر مؤيدة للحكومة أو يردون بعنف على الانتقادات دون أن يكونوا جزءًا من لجنة منظمة.
ودار خلاف بين من فهم تصريح مدبولي؛ فهناك من اعتبره مجرد تلاعب محاسبي (أسامة رشدي)، ومن رأى أنه يتعلق بنسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي (أحمد فهمي).
ويرى رشدي أن حديث مدبولي عن خفض الدين ليس خفضًا فعليًا، بل مجرد فصل شكلي بين ديون الحكومة وديون الهيئات الاقتصادية المملوكة للدولة، معتبرًا أن هذه الديون في النهاية مضمونة على الخزانة العامة، وبالتالي يتحملها المواطن عبر ارتفاع الأسعار وتقليص الخدمات.
ويستشهد بأرقام خدمة الدين التي تتجاوز 190% من الإيرادات العامة، معتبرًا أن الدولة في دوامة ديون خانقة، واصفًا تصريحات مدبولي بأنها "فرقعة إعلامية" هدفها تحسين الصورة أمام المقرضين لمزيد من الاقتراض.
وردّ أحمد فهمي على منصة "إكس" بأن فهم رشدي لتصريحات مدبولي خاطئ، واصفًا إياه بالغباء، ورأى أن المقصود بخفض الدين هو نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي كانت أقل من 40% قبل 50 عامًا، وحاليًا نحو 45%.
وأشار إلى أن وجود احتياطي نقدي يتجاوز 50 مليار دولار و7 مليارات من الذهب في البنك المركزي يمنع فكرة الإفلاس، مؤكدًا أن الدول لا تفلس وهي تمتلك هذه السيولة.
التحليل الموضوعي
فضّل رشدي أن يرد عليه من جانب موضوعي واقتصادي، مركزًا على خدمة الدين (الفوائد والأقساط) مقارنة بالإيرادات العامة، وهي بالفعل مؤشر خطير إذا تجاوزت الإيرادات. وأشار إلى أن خدمة الدين مقارنة بالإيرادات تمثل أزمة هيكلية تهدد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية.
وقال عبر حسابه @OsamaRushdi: "لو تجاوزتُ عن شتيمة حضرتك يا راجل يا (مؤدب)، فسأرد عليك بموضوعية كاملة".
وأشار إلى أن قضية خدمة الدين الخارجي والداخلي في مصر ليست مسألة تقديرية أو رأيًا شخصيًا، بل موثقة بالأرقام والبيانات الرسمية. فقد أكد د. حسن الصادي، أستاذ اقتصاد التمويل في القاهرة، أن إجمالي إيرادات الدولة لم يعد كافيًا حتى لسداد فوائد الدين الخارجي والداخلي، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الحكومة على التعامل مع أصل الدين في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. وأكدت د. علياء المهدي الأمر ذاته بوضوح، مما يعزز مصداقية هذه الطروحات.
وأضاف أن البيانات تُظهر أن مصر مطالبة بسداد التزامات لخدمة الدين خلال عام 2026 تُقدَّر بنحو 50 مليار دولار، وفق تقارير البنك الدولي، وهو ما نشرته صحيفة "فيتو" المصرية. في المقابل، يشير إلى أن الاحتياطي النقدي المعلن، والمقدر بنحو 50 مليار دولار، يتكون في معظمه من ودائع أجنبية وأموال قصيرة الأجل قابلة للسحب أو عدم التجديد في أي وقت، وبالتالي لا يمثل ضمانة حقيقية لمواجهة التزامات الدين.
وأوضح أنه لا يكتب بدافع التشفي، بل بدافع المسؤولية الوطنية، رغم أنه يعيش خارج مصر منذ أكثر من ربع قرن. ويؤكد أن واجبه هو نقل الحقائق والتحذير من المخاطر، داعيًا كل مواطن حر إلى الاعتراض على السياسات الاقتصادية الحالية التي تتسم بـ"السفه في الإنفاق"، و"الإسهال في الاقتراض"، و"التقشف في الخدمات"، و"التوسع في الجباية". هذه السياسات، بحسب النص، أدت إلى أن ثلثي الشعب باتوا تحت خط الفقر أو على حافته.
وانتقد غياب الحكم الرشيد، حيث تُدار الدولة بمشروعات تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية، واتفاقات دولية كارثية دون استشارة الخبراء، بل يصل الأمر إلى بيع أجزاء من البلاد بعقود قد تهدد وحدة الوطن مستقبلًا. ويقارن الكاتب بين ما يحدث في مصر وبين تجارب دول أخرى تضع الفئات الأضعف في صميم سياساتها، وتدار لصالح مواطنيها لا لصالح شركات خاصة.
وخلص إلى أن الاقتصاد لا ينفصل عن الحرية، فالمجتمع الذي يعيش تحت القمع لا يمكنه أن يبدع أو ينهض. النهضة الحقيقية، كما يؤكد، لا تتحقق إلا بالحرية والكرامة الإنسانية، وهو ما يستحقه المصريون بشكل كامل وغير منقوص.
استعادة تجربة 1980
استعرض أسامة رشدي كيف أن الدولة عندما تقترب من الإفلاس تبدأ في "اللعب بالدفاتر". واستعاد تجربة عام 1980 حين أعلن وزير مالية السادات تحقيق فائض في الموازنة قدره 218 مليون جنيه، واعتُبر حينها بشرى "عام الرخاء". لكن سرعان ما اتضح أن هذا الفائض كان وهميًا، إذ جرى إدراج القروض الداخلية والخارجية ضمن الإيرادات، في تلاعب محاسبي لم يصمد أمام التدقيق، وأصبح مثالًا تاريخيًا على التضليل المالي.
ويرى رشدي أن المشهد يتكرر مع تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، واصفًا التصريح بأنه "فرقعة إعلامية" أقرب إلى لعبة الأوراق، موضحًا أن الخطة لا تعني سداد الدين أو تخفيف الأعباء، بل مجرد فصل شكلي بين ديون الحكومة وديون الهيئات الاقتصادية المملوكة للدولة، والتي تظل في النهاية مضمونة على الخزانة العامة وتُسدد من جيوب المواطنين.
ويؤكد أن هذا ليس إصلاحًا بل "تلفيق محاسبي" هدفه تحسين الصورة أمام المقرضين لفتح الباب لمزيد من الاقتراض. ويتساءل عن كيفية سداد هذه الهيئات لديونها، ليجيب بأن ذلك سيتم عبر رفع الأسعار وتقليص جودة الخدمات، ما يعني تحميل المواطنين العبء الأكبر.
وينتقد رشدي بشدة السياسات الاقتصادية الحالية، معتبرًا أن مدبولي والرئيس السيسي قادا البلاد إلى "موارد الهلاك"، وأن الاقتصاد يمر بمرحلة كارثية غير مسبوقة بسبب الاستبداد وحكم الفرد والقرارات المدمرة، إضافة إلى مشاريع ضخمة بلا جدوى اقتصادية مثل المدن والقصور والطائرات، التي تُموَّل من قوت الشعب على حساب التعليم والصحة وشبكات الأمان الاجتماعي.
وأشار إلى أن البنوك العالمية فتحت خزائنها عمدًا لتمكين مصر من الاقتراض بلا حساب، ما أدى إلى رهن البلاد وإفقار شعبها. ويستشهد بأرقام صادمة: خدمة الدين تتراوح بين 190% و210% من إجمالي الإيرادات العامة، أي أن كل 100 جنيه تدخل خزينة الدولة يقابلها أكثر من 190 جنيهًا تُدفع لسداد فوائد وأقساط الديون، قبل أي إنفاق على الخدمات الأساسية. والنتيجة هي استمرار دوامة الديون، فيما يعيش النظام في "الجمهورية الجديدة" بعيدًا عن معاناة الشعب.
