وقائع صادمة ..حين يتحول علاج الإدمان إلى سجون سرية للتجويع والتعذيب؟!

- ‎فيتقارير

وقائع صادمة تكشف امتداد الفساد المؤسسي من السياسة إلى الجسد، ومن الحكم العسكري إلى أدق تفاصيل حياة المواطنين

لم تكن واقعة هروب عدد من نزلاء أحد مراكز علاج الإدمان بمحافظة الجيزة سوى عرض جديد لمرض قديم ينهش الدولة المصرية منذ انقلاب  العسكر على الملك عام 1952؛ مرض الحكم العسكري الذي أعاد تشكيل مؤسسات الدولة لتخدم السلطة لا المواطن، وترك قطاعات حيوية، كالصحة، فريسة للإهمال والفساد والتوحش.

الواقعة فتحت الباب مجددًا أمام تساؤلات ثقيلة حول ما يجري خلف جدران عشرات – بل مئات – مراكز علاج الإدمان غير المرخّصة، المعروفة شعبيًا بـ«مصحات بير السلم»، والتي ازدهرت في ظل انسحاب الدولة، وارتفاع كلفة العلاج، وتحول الصحة من حق دستوري إلى سلعة لا يقدر عليها إلا القادرون.

دولة أمنية بلا صحة عامة

في بلد يُنفق فيه بسخاء على الأجهزة الأمنية والسجون، لا توجد سوى مصحة حكومية واحدة تقريبًا لعلاج الإدمان في كل محافظة، بينما تُرك ملايين الفقراء لمصيرهم. ومع الزيادات المتتالية في أسعار الإقامة والعلاج داخل المصحات الحكومية والمرخصة، بات الإدمان مأزقًا مضاعفًا: مرض بلا علاج، وفقر بلا حماية.

هذا الفراغ لم تملأه الدولة، بل ملأه تجار البشر. انتشرت المراكز غير المرخصة، خصوصًا في الجيزة ومحيط القاهرة، داخل مناطق عشوائية وشبه ريفية، بعيدًا عن الرقابة، وفي بيئة مثالية لانتهاك الكرامة الإنسانية.

علاج بالعنف… وإقامة بلا طعام

داخل هذه المراكز، لا علاج بالمعنى الطبي، ولا أطباء متخصصين، ولا تمريض مؤهل، بل منظومة قائمة على الحبس، والعزل، والعنف، والترهيب. يُجرد النزيل من إنسانيته، ويُعامل كسجين لا كمريض، في أماكن تفتقر إلى أدنى معايير النظافة أو الرعاية.

ويروي عدد من الهاربين أن الغذاء كان يقتصر على أطعمة معلبة رديئة، دون أي مصدر بروتين، ولا يُقدَّم اللحم إلا مرة واحدة كل عشرة أيام، رغم تقاضي هذه المراكز آلاف الجنيهات شهريًا، في نموذج فجّ لاستغلال اليأس والمعاناة.

شهادات من الداخل: «هي سجون لا مصحات»

صالح عمران، مدرس لغة إنكليزية، يصف تجربته داخل أحد هذه المراكز بأنها «أقسى مما تخيله»، مؤكدًا أن ما دفعه إليها هو استحالة تحمّل كلفة العلاج في المؤسسات الرسمية. ويقول إن هذه المراكز «لا تقدم علاجًا، بل تعتمد على كسر الإرادة، وتحويل المريض إلى رهينة لضمان استمرار تدفق الأموال».

ويضيف أن النزيل المطيع فقط يُمنح هامشًا ضئيلًا من الحركة، بينما يُعاقَب المعترض أو المنهك بالحبس الانفرادي في غرف قذرة، في ظل غياب تام لأي إشراف طبي أو نفسي حقيقي.

تجارة تعافٍ… وموت في الخفاء

اللافت، وفق شهادات متعددة، أن عددًا كبيرًا من أصحاب هذه المراكز هم مدمنون سابقون حوّلوا «تجربة التعافي» إلى مشروع ربحي، مستعينين بمتعافين آخرين كعمالة رخيصة بلا تأهيل.

حازم منصور، نزيل سابق، يكشف أنه شهد وفاة أحد المرضى داخل مركز غير مرخص، لتقوم الإدارة بدفنه سرًا وإبلاغ أسرته بأنه «هرب». ويؤكد أن بعض هذه المراكز تحولت إلى أوكار لإخفاء مجرمين هاربين من العدالة، مقابل المال، في ظل غياب الدولة أو تواطؤ بعض أجهزتها.

انسحاب الدولة… وتوحش السوق

الطبيب الذي عمل سابقًا في أحد هذه المراكز يوضح أن أخطر المراحل، وهي مرحلة أعراض الانسحاب، تُدار دون أطباء، ودون أدوية مهدئة، ودون دعم نفسي، ما يعرّض المرضى لمخاطر جسيمة قد تصل إلى الموت. ومع ذلك، لا يزور الطبيب النزيل إلا مرة كل شهر – إن زاره أصلًا.

كل ذلك يحدث بينما تتوسع تجارة المخدرات، وتنتشر أنواع شديدة الخطورة، في ظل فشل أمني مزمن، وانشغال الدولة بمعاركها السياسية، وقمعها للمعارضة، بدل حماية المجتمع.

خطاب رسمي… بلا مساءلة

في المقابل، تكتفي وزارة الصحة بإعلانات متكررة عن إغلاق «عشرات» المراكز، وتُرجع الأزمة إلى «الوصمة الاجتماعية»، في خطاب يعفي الدولة من مسؤوليتها التاريخية، ويتجاهل أن السياسات العامة، لا الثقافة المجتمعية، هي ما دفع المواطنين إلى هذه المصحات غير الآدمية.

اللافت أن النظام الذي يُحكم قبضته على السياسة والإعلام والمجتمع المدني، يعجز – أو يتقاعس – عن حماية مرضى الإدمان من السجون الخاصة التي تُدار باسم العلاج.

مراكز علاج الإدمان

ما يجري داخل مراكز علاج الإدمان غير المرخصة ليس انحرافًا فرديًا، بل نتيجة طبيعية لدولة عسكرية أفرغت مؤسساتها من مضمونها الاجتماعي، وقدّمت الأمن على الإنسان، والسلطة على الصحة، والربح على الكرامة.

في مصر العسكر، لا يُترك المواطن فقط بلا علاج، بل يُعاقَب على مرضه.