“مجلس السلام”.. واشنطن تعيد تشكيل العالم وفق مصالحها. ومراقبون: “الاستحمار الأميركي” لم يجد إلا الخدم؟

- ‎فيتقارير

تتعدد قراءات المراقبين والمحللين حول ما يسمى بـ"مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليشرف على إدارة غزة، وتكشف هذه الآراء عن حالة من القلق العميق إزاء مستقبل النظام الدولي، وعن إدراك متزايد بأن العالم يقف على حافة مرحلة جديدة تتسم بالفوضى وإعادة تشكيل موازين القوى.

ويستعرض المراقبون صوراً رمزية تكشف عن شعور بالخذلان والخوف من أن العرب سيكونون أول ضحايا إعادة الهيكلة العالمية.

ويرى فوزي بداوي @al_faouzi68003 أن قبول عشرات الدول (36 دولة) الانضمام إلى هذا المجلس يعني عملياً هدم النظام الدولي القائم، ويصف الخطوة الأميركية بأنها خيار شمشون، أي هدم المعبد على من فيه. وفي نظره، العالم يقف على حافة الهاوية، والعرب تحديداً هم الأكثر عرضة للسقوط الحر في هذا النظام الجديد بلا مظلات تحميهم، وكأنهم يُرمون من طائرة النظام الدولي القديم إلى فراغ لا يعرفون كيف سيتعاملون معه.

ويضيف الكاتب الغزي محمد هنية @mohammedhaniya بُعداً آخر، إذ يشير إلى أن ستين دولة ستشارك في مجلس السلام الذي سيحكم غزة، من الصين وكوريا الجنوبية إلى باكستان والهند، مروراً بدول غربية وعربية. وبالنسبة له، تكمن المفارقة في أن العالم كله سيحكم منطقة صغيرة لا تتجاوز مساحتها حيّاً في القاهرة أو الرياض، لكنها تحمل تأثيراً يساوي العالم بأسره. ويبرز هذا الطرح أن غزة تحولت إلى مسرح دولي، وأن حجم التدخل فيها يعكس أهميتها الرمزية والسياسية رغم صغر مساحتها الجغرافية.

ويستعرض سعيد زياد @saeedziad أن الهدف من مجلس السلام هو أن يكون بديلاً عن المؤسسات العالمية التقليدية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ويعتبر أن الهوس الشخصي لترامب بترك بصمة تاريخية هو المحرك الأساسي وراء هذه الخطوة، لكنه يحذر من أن ذلك سيعجّل بنهاية النظام الدولي الذي نشهد انهياره.

ويربط زياد بين خطاب دافوس الذي حمل إشارات لصدام أميركي–كندي، والخلاف مع أوروبا حول غرينلاند، والتحضيرات لضربة ضد إيران، واختطاف الرئيس الفنزويلي، ليخلص إلى أن كل هذه الأحداث تؤسس لعالم مختلف تماماً عن الذي عرفناه، عالم يتشكل على أنقاض النظام العجوز.

حثالات الخدم

الكاتب الليبرالي وائل قنديل يذهب إلى توصيف أكثر قسوة، إذ يصف ترامب بالبلطجي الذي يشهر السلاح في وجوه الجميع ويدّعي الجنون في منتدى دافوس. وبالنسبة لـ@waiel65 فإن ما يجري ليس سوى استيلاء على غزة بالقوة، يتبعه مجموعة من "حثالات الخدم"، في إشارة إلى الدول أو الشخصيات التي تسير خلف ترامب دون استقلالية أو موقف نقدي. وهذا الرأي يعكس، بحسب مراقبين، غضباً من الطريقة التي تُدار بها الأمور، ومن غياب العدالة في فرض الوصاية الدولية على غزة.

خروقات الاحتلال و"السلام"

كيف يستقيم الحديث عن السلام مع جرائم الاحتلال وخروقاته اليومية؟ لذلك يذكّر الصحفي والمذيع بقناة الجزيرة تامر المسحال بأن مرور مئة يوم على اتفاق وقف إطلاق النار لم يمنع الاحتلال من ارتكاب 1300 خرق خلفت أكثر من 1800 شهيد وجريح ومعتقل. وبحسب @TamerMisshal، يضع هذا الواقع الميداني علامات استفهام على جدوى أي مجلس سلام أو ترتيبات دولية، إذ إن الجرائم مستمرة، والاتفاقات لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.

ويقدّم الكاتب والمحلل السياسي الطبيب سعيد الحاج قراءة أوسع، إذ يربط بين أسباب الحربين العالميتين وبين ما يفعله ترامب اليوم. فالأزمات الاقتصادية، وبؤر الصراع، والقيادات اليمينية المتطرفة، وسباق التسلح، وضعف المؤسسات الدولية كلها عوامل كانت وراء اندلاع الحروب الكبرى. ويرى @saidelhaj أن أخطر ما يفعله ترامب هو إضعاف المؤسسات الدولية التي يُفترض أنها منصات للحوار ومنابر لتجنب الصراعات. ويؤكد أن ترامب ليس حالة فردية، بل محطة في مسار عالمي، وأنه من غير المرجح أن يعود العالم إلى ما كان عليه بعد انتهاء ولايته، بل ربما يأتي رئيس آخر أكثر تطرفاً يجعل كثيرين يترحمون على أيام ترامب.

قادة حرب "لا سلام"

وأثار إعلان البيت الأبيض عن أسماء أعضاء مجلس السلام، ومن بينهم ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، توني بلير، وجاريد كوشنر، المزيد من الجدل. فتغريدة ويتكوف التي تحدثت عن المرحلة الثانية من خطة ترامب، من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح وإعادة الإعمار، تكشف أن الهدف هو إنشاء إدارة تكنوقراطية انتقالية في غزة، مع التركيز على نزع السلاح الكامل. لكن غياب رؤية إسرائيلية واضحة لليوم التالي يجعل هذه الخطط عرضة للفشل، كما حدث في تجارب سابقة.

وردّ المحلل السياسي الفلسطيني أدهم أبو سلمية على تصريحات ترامب في دافوس التي قال فيها: "إن حماس وُلدت والسلاح في أيديها"، مؤكداً عبر @AdhamSelmiya أن الشعب الفلسطيني وُلد وهو يرضع الكرامة قبل أن تولد حماس بأربعة عقود. بالنسبة له، السلاح ليس سوى وسيلة، أما الإرادة فهي الأصل، ولا يمكن نزعها. هذا الرد يعكس رفضاً فلسطينياً عميقاً لفكرة نزع السلاح بالقوة، ويؤكد أن المقاومة ليست مرتبطة بتنظيم بعينه، بل هي جزء من هوية الشعب.

هذه الآراء مجتمعة تكشف أن المراقبين يرون في مجلس السلام أداة لإعادة هندسة النظام الدولي، وأن ترامب يستخدم غزة كمنصة لإعلان نهاية المؤسسات التقليدية وبداية نظام جديد قائم على القوة والصفقات. وبين من يصفه بالبلطجي، ومن يحذر من انهيار المؤسسات، ومن يربط بين التاريخ والحاضر، تتفق الأصوات على أن العالم يدخل مرحلة خطيرة، وأن غزة الصغيرة باتت مرآة لصراع عالمي على شكل النظام الدولي المقبل.

وتتعمق المشكلة مع غياب رؤية إسرائيلية واضحة لليوم التالي. فالتجارب السابقة تشير إلى فشل الاحتلال في بناء واقع سياسي جديد في المناطق التي يسيطر عليها، ما يجعل أي انتصار عسكري غير كافٍ لتغيير الواقع على الأرض. ولهذا ظهرت مقترحات بنزع سلاح جزئي يشمل تدمير الأنفاق والصواريخ ومصانع السلاح، مع ترك الأسلحة الخفيفة للحركة، لكن هذا الطرح لا يحظى بإجماع ولا يضمن استقراراً طويل الأمد.

ولذلك فضّل عصام عبدالشافي، الأكاديمي في العلوم السياسية، عبر @essamashafy أن يضع ما يجري في سياق تاريخي أطول، فيرى أن ما بين مبادئ ولسون الأربعة عشر عام 1918 ومبادئ ترامب الثمانية والعشرين عام 2025 أكثر من قرن من "الاستحمار الأميركي" للعالم. وأن الهدف الثابت في نظره هو ترسيخ الهيمنة الأميركية على قمة النظام الدولي والتحكم في الثروات والشعوب. بالنسبة له، العرض مستمر، وما يجري اليوم ليس سوى فصل جديد في مسلسل طويل من محاولات واشنطن لإعادة تشكيل العالم وفق مصالحها.

ترامب قتل القانون

وفي مقال بعنوان "إلى الفراغ: كيف قتل ترامب القانون الدولي؟" لخّص الكاتب الإنجليزي باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في صحيفة الغارديان البريطانية، كيف يعيش العالم مرحلة انتقالية خطيرة، حيث انهار النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية ولم يظهر بديل مستقر، وأن إدارة ترامب كانت في قلب هذا الانهيار عبر رفضها الصريح للنظام القائم على القواعد.

وبدأ وينتور مقاله باستدعاء مقولة أنطونيو غرامشي عن "العالم القديم الذي يموت والجديد الذي يكافح ليولد"، ليؤكد أن السياسة الدولية في 2025 تعكس هذا الفراغ. في رأيه، القانون الدولي لم يُقتل فقط عبر التجاهل، بل عبر سياسات أميركية جعلت من القوة والصفقة الثنائية بديلاً عن الشرعية والمؤسسات. هذا التحول خلق مساحة للفوضى والإكراه والالتباس الأخلاقي، حيث لم يعد هناك إطار ملزم يضبط العلاقات بين الدول.

وانتقد وينتور إدارة ترامب لأنها لم تكتفِ بالانسحاب من الاتفاقيات والمعاهدات، بل أعلنت أن النظام الدولي نفسه "عدو للمصالح الأميركية". ويشير هنا إلى تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو الذي اعتبر أن النظام القائم بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد صالحاً، بل أصبح معادياً للولايات المتحدة. معتبراً أن هذا اعترافاً من داخل الإدارة الأميركية يعكس أن قتل القانون الدولي لم يكن عرضياً، بل سياسة مقصودة تهدف إلى إعادة تشكيل العالم وفق ميزان القوة وحده.

وأوضح وينتور أن النتيجة المباشرة لهذا النهج هي عالم بلا قواعد واضحة، حيث تتزايد النزاعات وتضعف قدرة المؤسسات الدولية على التدخل. انهيار النظام الدولي يعني أن الدول الكبرى تتصرف وفق مصالحها الضيقة، فيما الدول الصغيرة والمتوسطة تفقد الحماية التي كانت توفرها القوانين والمعاهدات. بهذا المعنى، فإن ترامب لم يقتل القانون الدولي فقط، بل أنهى النظام الدولي الذي كان يضمن قدراً من الاستقرار منذ منتصف القرن العشرين.