يعود المنقلب السيسي للحديث عن “الدم” و“الفتنة” و“العميان البصيرة”، في توقيت لا يبدو بريئًا: ذكرى ثورة 25 يناير، واحتفاله بعيد الشرطة، المؤسسة التي كان عنفها وفسادها أحد الأسباب المباشرة لانفجار الثورة.
خطاب السيسي الأخير لم يكن مجرد دفاع عن الشرطة، ولا ردًّا سياسيًا عابرًا، بل كان ،اعترافًا غير مباشر بالخوف. الخوف من يناير، ومن استعادتها، ومن سؤال لم يُغلق رغم القمع: من قتل؟ ومن أمر؟ ومن حاسب نفسه؟
السيسي الذي يقول إنه “لن يقابل ربنا بدم”، هو نفسه من ارتبط اسمه بسلسلة من أبشع المجازر في تاريخ مصر الحديث:
من مجزرة الحرس الجمهوري، إلى المنصة، ثم رابعة والنهضة، مرورًا بـرمسيس وسيدي جابر وسموحة وغيرها، حيث سقط آلاف القتلى برصاص الجيش والشرطة دون محاسبة، ودون حتى اعتراف رسمي بالضحايا.
إذا كان السيسي بريئًا من الدم، لماذا يطارده شبحه في كل خطاب؟
ولماذا يستحضره كلما جاءت ذكرى يناير؟
الأكثر فجاجة في خطاب السيسي، قوله إنه كان مستعدًا لترك محمد مرسي يخوض انتخابات جديدة، “ولو عايزينه تاني خلاص”.
ألم يُقدَّم مرسي في إعلام الانقلاب باعتباره “جاسوسًا” و“خائنًا”؟
إذا كان كذلك، كيف يُسمح له بالترشح؟
وإذا لم يكن، فلماذا سُجن، ثم تُرك ليموت ببطء داخل زنزانته؟
استدعاء الرئيس الشهيد محمد مرسي بعد سنوات من قتله في السجن، دليل على أن الانقلاب لم يغلق ملف شرعيته.
هذا الحديث المتأخر عن “انتخابات ممكنة” ليس إلا محاولة لإعادة كتابة التاريخ، وتبرئة الانقلاب من جريمة إجهاض المسار الديمقراطي بالقوة.
كرر السيسي لازمة قديمة: “نحن نحمي دولة وشعبًا لا نظامًا”.
لكن بعد 13 عامًا، بات السؤال أكثر وضوحًا:
أي دولة هذه التي يُسجن فيها عشرات الآلاف بسبب الرأي؟
وأي شعب ذاك الذي يُمنع من التظاهر، ويُلاحق في لقمة عيشه؟
وأي مؤسسات “وطنية” لا تُحاسب، ولا تُسأل، ولا تُراجع؟
أن هذا الخطاب لا يستهدف منه الشعب، بل طمأنة الأجهزة، وإعادة تثبيت عقيدة الولاء، لا للوطن، بل للسلطة.
الاحتفال بعيد الشرطة في ذكرى يناير، هو استفزاز متعمد لذاكرة المصريين.
“الأنظمة الواثقة لا تخاف من التاريخ… ولا تحتاج لتبرير الدم كل عام”.
لم يخرج السيسي في ذكرى يناير ليحكي قصة، بل ليخفي خوفًا.
خوفًا من ثورة يعرف أنها لم تُهزم، بل أُجِّلت.
ومن دمٍ يعرف في قرارة نفسه أنه سيبقى سؤالًا مفتوحًا… مهما طال الزمن.
فمن لا يخاف يناير، لا يذكرها بهذا الارتباك.

