“البَالة ملاذُ الغلابة” ..لماذا تُعلن الحكومة الحرب على أسواق الملابس المُستعمَلة ؟

- ‎فيتقارير

 

في الوقت الذي يعاني فيه المصريون من ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخول، وتدنى مستوى المعيشة، تواصل حكومة الانقلاب جهودها، ليس من أجل التخفيف عن المواطنين، ومساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة، بل من أجل مزيد من التضييق عليهم والحيلولة بينهم وبين الحصول على احتياجاتهم  .

الملابس المستعملة "البالة" مثال لهذا التضييق المتعمد فالمواطن الذي لا يستطيع شراء الملابس الجديدة، يلجأ إلى أسواق الملابس المستعملة، ومع تزايد اقبال المواطنين على هذه الأسواق، بدأت حكومة الانقلاب تحاصرها بحجة التهريب والتهرب من الضرائب، وتزعم أنها تمثل تداعيات خطيرة على الصناعة الوطنية، لأن مصانع الملابس الجاهزة ستصبح ضحية المنافسة غير العادلة مع هذه الأسواق وفق تعبيرها .

وبدأ بعض المطبلاتية يشكك في كون هذه الملابس مستعملة فعلاً، ويزعم أن جزءًا منها جديد يُدخل البلاد بطرق ملتوية تحت مسمى «البالة» ويتهم تجار هذه الملابس بالتهريب، والتحايل على قرارات حظر الاستيراد، مما يتسبب في خسائر تتكبدها المصانع المحلية .

في المقابل، يعتبر تجار البالة نشاطهم استجابة طبيعية لاحتياجات سوق يعانى من اختلالات حادة، ويؤكدون أن تجارتهم تخضع لقواعد معينة وتقدم بدائل حقيقية للمستهلك محدود الدخل، في وقت عجزت فيه المنتجات المحلية عن مواكبة القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين.

مخالفة صريحة

في هذا السياق بدأت شعبة الملابس الجاهزة باتحاد الصناعات معركة غير متكافئة مع أسواق البالة لحساب مصانع وشركات الملابس، تحت مزاعم الالتزام بالقرارات القانونية المنظمة لتجارة الملابس .

وزعمت الشعبة أن تجارة «ملابس البالة» تشكل مخالفة صريحة للقوانين والقرارات الوزارية القائمة، والتي تمنع استيراد الملابس المستعملة نظرًا لما تحمله من مخاطر اقتصادية وصحية محتملة.

وقالت: إن "هذه التجارة تعتمد بشكل رئيسي على أساليب تهريب وتجاوز للأنظمة الجمركية، ما يضر بالاقتصاد الوطني، ويؤثر على الصناعة المحلية" وفق تعبيرها .

وأشارت الشعبة إلى أن بعض التجار يقومون بإدخال شحنات كبيرة من الملابس إلى البلاد تحت مسمى الأغراض الشخصية، مستغلين البند القانوني الذي يسمح باستيراد أغراض محدودة للمصريين العاملين بالخارج، وتتراوح هذه الشحنات أحيانًا إلى مئات الكيلوجرامات، ويتم تمريرها بجمارك منخفضة لا تتجاوز 2%، في حين أن الملابس الجاهزة المستوردة تخضع لجمارك تصل إلى 40%، مع العلم أن الكثير من هذه الملابس جديدة وليست مستعملة كما يُعلن عنها.

وطالبت الجهات المعنية بمواجهة هذه الظاهرة، وهو ما أسفر عن إصدار قرار حكومي بخفض الحد الأقصى للأغراض الشخصية المستوردة سنويًا من 500 كيلو جرام إلى 150 كيلو جرام، بهدف الحد من عمليات التحايل وتعزيز الرقابة على الشحنات.

المنتج المحلي

وقالت سماح هيكل، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية بالقاهرة عن شعبة الملابس الجاهزة: إن "ظاهرة انتشار ملابس البالة في الأسواق المصرية أصبحت من القضايا الشائكة التي تتطلب وقفة جادة، نظرًا لتشابك أبعادها الاقتصادية والصحية والاجتماعية، موضحة أن ملابس البالة، يتم استيرادها من الخارج وتباع بأسعار منخفضة، قد تبدو حلًا مؤقتًا لبعض الفئات محدودة الدخل، لكنها في المقابل تحمل آثارًا سلبية لا يمكن تجاهلها" وفق تعبيرها .

وزعمت سماح هيكل في تصريحات صحفية أن الجانب الصحي يمثل أحد أخطر التحديات المرتبطة بملابس البالة، حيث إن جزءًا كبيرًا منها قد لا يخضع لتعقيم كافٍ، ما يؤدي إلى مشكلات صحية ، مثل الحكة، والتهابات الجلد، والحساسية، نتيجة احتوائها على بكتيريا أو فطريات أو مواد كيميائية مستخدمة في التخزين والنقل.

وشددت على أن المستهلك لا يدرك المخاطر الكامنة خلف السعر المنخفض محذرة من أن انتشار ملابس البالة يؤثر بشكل مباشر على المنتج المحلى، إذ يفضل بعض المستهلكين شراء الملابس المستعملة لرخص ثمنها، ما يضع المصانع المحلية فى منافسة غير عادلة، هذه المنافسة تؤدي إلى تراجع المبيعات، وتقليل الإنتاج، وقد تصل في بعض الحالات إلى إغلاق مصانع وفقدان فرص عمل لآلاف العاملين في قطاع الملابس الجاهزة.

وبشأن آلية دخول ملابس البالة إلى مصر، أوضحت سماح هيكل أن هناك مسارين رئيسيين: الأول قانوني ومحدود، ويتمثل في دخول بعض الشحنات عبر مؤسسات خيرية بغرض التبرع، وليس البيع التجاري، هذا المسار يجب أن يخضع لرقابة صارمة تضمن عدم تسرب هذه الملابس إلى الأسواق التجارية.

أما المسار الثاني، فيتمثل في الدخول غير القانوني عن طريق التهريب، حيث يتم تهريب ملابس البالة عبر الحدود دون دفع الرسوم الجمركية، ودون الخضوع لأي فحص صحي أو جمركي.

وزعمت سماح هيكل أن الحل يكمن في تنظيم صارم لاستيراد ملابس البالة، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، إلى جانب دعم المنتج المحلى من خلال سياسات تشجيعية، وتوعية المستهلك بأهمية شراء المنتج المصري حفاظًا على صحته، وعلى الاقتصاد الوطني، وعلى مستقبل صناعة تُعد من أهم الصناعات كثيفة العمالة في مصر.

سعر مناسب

في المقابل أكد أحد باعة الملابس المستعملة أن هذه الملابس تمثل خيارا للكثير من المواطنين الباحثين عن سعر مناسب وجودة مقبولة، مشيرا إلى أن الملابس المعروضة «نظيفة ولا تحمل أي أمراض»، .

وقال البائع : "هذه الملابس بواقي تصدير مستوردة من دول متعددة، موضحا أنه عند وصول الشحنات يقومون بكي الملابس وتعليقها على شماعات بطريقة منظمة تسمح للزبون بالاختيار بسهولة، مع التنويه إلى أن غسل الملابس قبل ارتدائها يبقى أمرًا ضروريًا للحفاظ على النظافة الشخصية".

وشدد على أن تجارة البالة لا تشكل منافسة للمحلات التي تبيع الملابس الجديدة، فلكل سوق زبائنه، قائلا: «نحن لا نوقف حال أحد، فالمحلات الجديدة لها زبائنها، ونحن نقدم نوعًا مختلفًا يلبي احتياجات جمهور محدد».

حرية الاختيار

وأضاف البائع أن حرية الاختيار تبقى للزبون، فكل شخص يقرر ما يناسب قدراته المادية وما يفضله في الملبس.

وأكد أن سوق البالة أصبح خيارًا حقيقيًا لشريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الملابس الجديدة بشكل كبير، معتبرا أن الإقبال المتزايد على البالة يعكس وعي المستهلك الذى يبحث عن الجودة والسعر المناسب، دون التخلي عن الذوق أو العلامة التجارية .

وأوضح البائع أن هذا السوق يعكس توازنًا بين الحاجة الاقتصادية، والرغبة في الحصول على منتجات مناسبة للميزانية.