الدولة تحولت إلى جابي ضرائب ورسوم ..نمو القطاع الخاص يجري في فراغ تخلّفته الحكومة لا بدعمٍ منها؟

- ‎فيتقارير

 

يعكس تحسّن بعض مؤشرات نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر، وفق بيانات ستاندرد آند بورز غلوبال، واقعًا اقتصاديًا تشكّل بعد تراجع الدولة عن أدوارها الإنتاجية والاجتماعية، وترك الساحة شبه كاملة للقطاع الخاص ليعمل منفردًا في مختلف القطاعات، في مقابل دولة تحوّلت وظيفتها الأساسية إلى الجباية دون التزام اجتماعي أو مسؤولية تنموية حقيقية.

 

وأفادت ستاندرد آند بورز جلوبال،  أمس الثلاثاء  ، بأن إنتاج القطاع الخاص غير النفطي واصل النمو للشهر الثالث على التوالي خلال يناير، مسجلًا أطول فترة توسّع منذ أواخر عام 2020، غير أن هذا النمو لم يواكبه تحسن في الطلب المحلي، الذي عاد للتراجع بعد شهرين من الارتفاع، في مؤشر يعكس تآكل القدرة الشرائية للمستهلكين تحت وطأة الغلاء وتراجع الدخول.

 

وانخفض مؤشر مديري المشتريات الرئيسي، المعدل موسميًا، إلى 49.8 نقطة في يناير مقابل 50.2 نقطة في ديسمبر، ليعود دون مستوى 50 الفاصل بين النمو والانكماش، ما يشير إلى ضعف عام في ظروف التشغيل، رغم بقائه أعلى من متوسطه طويل الأجل، وهو ما يعكس نموًا هشًا لا يستند إلى قاعدة طلب داخلي مستقرة.

 

وجاء ارتفاع الإنتاج مدفوعًا أساسًا بزيادة الطلب الخارجي، في حين ظل السوق المحلي يعاني من الركود، وهو ما دفع الشركات إلى تقليص العمالة بأسرع وتيرة منذ نحو ثلاث سنوات، مع تسجيل أكبر تراجع في التوظيف منذ أكتوبر 2023، نتيجة الانخفاض الحاد في حجم الأعمال المتراكمة.

 

وقال ديفيد أوين، كبير الاقتصاديين في ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس، إن تراجع تراكم الأعمال يثير مخاوف من تضاؤل قدرة الشركات على التوسع خلال الأشهر المقبلة، في ظل بيئة تشغيل تتسم بعدم اليقين. وأضاف أن الشركات خفّضت أسعار بيعها للمرة الأولى منذ منتصف 2020، ليس نتيجة تحسن هيكلي في الاقتصاد، بل بسبب انحسار مؤقت في ضغوط التكاليف، ما يعكس ضيق هوامش الربحية.

 

وفي الوقت الذي يُترك فيه القطاع الخاص لمواجهة التحديات منفردًا، تواصل الحكومة التركيز على أدوات الجباية، مع الاكتفاء بإجراءات انتقائية محدودة، إذ كشفت مصادر حكومية أن وزارة المالية تدرس طلبات مقدمة من نحو 80 شركة لخفض التعرفة الجمركية على 150 صنفًا من مدخلات الإنتاج، في محاولة لاحتواء الضغوط التي تواجه بعض الصناعات الاستراتيجية.

 

وبحسب المصادر، قد تُخفَّض الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج بنسبة تتراوح بين 10% و30%، لتصل فعليًا إلى ما بين 2% و5%، مقابل رفع التعرفة على بعض السلع تامة الصنع المستوردة إلى 60%، في خطوة تهدف لتعويض أي نقص محتمل في الحصيلة، ما يؤكد أن أولوية الخزانة العامة تبقى الحفاظ على الإيرادات، لا تخفيف الأعباء عن الاقتصاد ككل.

 

وفي موازاة ذلك، تتوسع الدولة في الاقتراض بدلًا من الاستثمار الاجتماعي، إذ أعلن البنك المركزي المصري عن بيع أذون خزانة مقومة بالدولار بقيمة 961 مليون دولار لأجل عام، إلى جانب طرح سندات وأذون خزانة محلية بقيمة 118 مليار جنيه، ما يعكس استمرار الاعتماد على الدين لسد فجوات التمويل.

 

وتتزامن هذه الخطوات مع توقعات بخفض أسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية في 12 فبراير، في محاولة لتخفيف الضغط عن القطاع الخاص، في وقت تشير فيه بيانات وزارة التخطيط إلى تراجع التمويلات الميسرة الموجهة للقطاع الخاص، مقابل ارتفاع التمويلات الممنوحة للقطاع الحكومي، ما يعكس اختلالًا واضحًا في أولويات الدعم والتمويل.

 

وفي المحصلة، يُظهر المشهد الاقتصادي أن أي نمو يسجله القطاع الخاص يجري رغم السياسات العامة لا بسببها، في ظل دولة انسحبت من أدوارها التنموية والاجتماعية، وركّزت على تحصيل الضرائب والرسوم وخدمة الدين، تاركةً السوق والمجتمع يواجهان وحدهما تبعات التضخم، وتراجع الطلب، وتآكل فرص العمل.