مع اقتراب شهر رمضان، تتصاعد في الشارع المصري موجة قلق غير مسبوقة من ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الغذائية، في وقت تعلن فيه حكومات عربية وإسلامية عن تخفيضات موسمية ودعم استثنائي للمواطنين استعدادًا للشهر الكريم، بينما تبدو الصورة في مصر معاكسة تمامًا.
الأمن السياسي أولاً.. والأمن الغذائي مؤجل
في عدد من الأسواق الشعبية بالقاهرة الكبرى ومحافظات الدلتا والمدن الساحلية، تحوّل القلق إلى سلوك فعلي، حيث يقبل المواطنون على شراء كميات أكبر من المعتاد من الدواجن واللحوم والزيوت والأرز والسكر وبعض الخضراوات القابلة للتخزين، رغم أن موسم الذروة الاستهلاكية لم يبدأ بعد.
هذا السلوك لا يعكس رفاهية أو فائض دخل، بل يعبر عن حالة دفاعية واضحة في مواجهة موجة غلاء متوقعة، باتت تتكرر سنويًا قبل رمضان. فالمصريون، خاصة من أصحاب الدخول الثابتة، لم يعودوا ينتظرون بداية الشهر الكريم، بل يسارعون إلى التخزين خوفًا من قفزات سعرية اعتادوا عليها في المواسم السابقة.
مواطنون يرون أن ما يحدث لم يعد مجرد تحركات موسمية طبيعية في سوق العرض والطلب، بل نتيجة مباشرة لغياب رقابة تموينية فعالة، في مقابل تصاعد ملحوظ لدور الأجهزة السياسية والأمنية في ملفات أخرى. ويطرح كثيرون سؤالاً بات متداولًا في الشارع: هل أصبح الأمن السياسي أولوية مطلقة، بينما يتراجع الاهتمام بالأمن الغذائي والمعيشي للمواطن؟
رغم تأكيدات رسمية متكررة بأن المخزون الاستراتيجي من القمح والزيوت والسكر في مستويات آمنة، وأن الأسواق لا تعاني من نقص في السلع، إلا أن التجربة اليومية للمستهلك داخل السوق تروي قصة مختلفة. فالمواطن لا يقيس استقرار السوق بالأرقام المعلنة، بل بما يدفعه فعليًا من جيبه.
ويرى مراقبون أن الفجوة بين الخطاب الرسمي وسلوك المستهلك تعكس أزمة ثقة متراكمة، فاستقرار الكميات لا يعني بالضرورة استقرار الأسعار، في ظل تعدد الوسطاء وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، وغياب رقابة صارمة تحد من الممارسات الاحتكارية أو المغالاة غير المبررة.
وفي الوقت الذي تعلن فيه دول عربية وإسلامية عن مبادرات لتخفيض أسعار السلع الأساسية خلال رمضان، وتوسيع منافذ البيع المخفضة، يشعر المواطن المصري بأن الشهر الذي يفترض أن يكون موسم بركة ورحمة، يتحول إلى موسم ضغوط معيشية إضافية.
ومع استمرار التضخم وضغط الدخول الحقيقية، لم يعد التخزين سلوكًا استثنائيًا، بل أصبح جزءًا من التخطيط السنوي للأسرة المصرية قبيل رمضان. وبين بيانات تطمينية رسمية ومخاوف شعبية متزايدة، يبقى السؤال مطروحًا: من يضبط السوق فعليًا؟ ومن يتحمل كلفة الغلاء المتصاعد في موسم يفترض أن يكون الأخف وطأة على المواطنين؟
