أزمة تهجير نصف مليون أسرة.. قرارات “هيئة التعمير” رسائل تهديد بنزع الملكية وقانون “النفع العام”!

- ‎فيتقارير

تعيش مناطق الاستصلاح الزراعي في مصر واحدة من أخطر أزماتها منذ عقود، بعد قرارات هيئة التعمير والتنمية الزراعية بوقف تحصيل الأقساط من آلاف المنتفعين، تمهيدًا لفسخ العقود وسحب الأراضي التي استصلحوها وزرعوها منذ التسعينيات.

هذه القرارات، التي أعيد تفعيلها مطلع عام 2025، أثارت غضبًا واسعًا بين المزارعين، الذين يرون فيها محاولة لانتزاع أراضيهم بعد أن تحولت إلى قيمة اقتصادية مرتفعة، في ظل موجة ارتفاع أسعار الأراضي الزراعية. أحد المزارعين لخّص الأزمة بقوله إن الهيئة “ابتدعت حاجة جديدة على نهج السيسي… كل ما الأسعار تغلى، اللي باع حاجة يستردها عشان يبيعها تاني”.

 

تحرك “نائبة”

ويبدو أن الضغوط المتزايدة دفعت “النائبة” إيرين سعيد إلى تقديم طلب إحاطة لوزير الزراعة في 6 مارس، مؤكدة أن قرارات السحب شملت منتفعين استصلحوا الأرض وزرعوها بالفعل، وأنهم استثمروا سنوات من الجهد والمال قبل أن يفاجَؤوا بقرارات الفسخ. طلب الإحاطة طالب بتوضيح الأساس القانوني لهذه الإجراءات، ودراسة إعادة جدولة المديونيات بدلًا من سحب الأراضي وتشريد الأسر.

وفي يناير 2025، كشفت منصات خبرية أن مساحات تصل إلى 606 آلاف فدان في محافظة البحيرة نُقلت إلى جهاز “مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، بعد أن كانت تحت ولاية هيئة التعمير. هذه الأراضي تخص 14 مشروعًا زراعيًا، وكانت الهيئة مسئولة عن ملفاتها الفنية والمالية. هذا النقل المفاجئ عزز مخاوف المزارعين من أن الهدف الحقيقي هو إعادة توزيع الأراضي لصالح جهات وشركات كبرى، وليس معالجة التعثر.

 

نصف مليون أسرة مهددة بنزع الملكية

ووفق شهادات المزارعين، فإن قرارات الهيئة تهدد ما يقرب من نصف مليون أسرة في مناطق الاستصلاح، خصوصًا في النوبارية والبحيرة والصعيد. هؤلاء المنتفعون حصلوا على الأراضي منذ عام 1993 كبديل عن الوظائف الحكومية، واستصلحوها على نفقتهم، وزرعوها، وبنوا عليها بيوتًا ومزارع. اليوم، وبعد أكثر من 30 عامًا، يجدون أنفسهم أمام خطر الطرد، لأن الهيئة “ترفض استلام الأقساط” وتصر على إعادة تقييم الأرض من جديد بأسعار السوق الحالية، وهو ما يعني عمليًا نزعها منهم.

ويحذر الخبراء من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى انهيار منظومة الزراعة الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي المصري، فالمزارع الذي يشعر بعدم الأمان القانوني لن يستثمر في أرض قد تُسحب منه في أي لحظة. كما أن تركيز الأراضي في يد شركات كبرى أو جهات سيادية قد يؤدي إلى احتكار الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع قدرة مصر على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

 

أصوات إعلامية تنضم للتحذير

وأعادت الصحفية سيلين ساري @celin931 نشر شكاوى المزارعين، مؤكدة أن الأزمة ليست مجرد خلاف إداري، بل تهديد مباشر لاستقرار الريف المصري. وأشارت إلى أن وقف تحصيل الأقساط من المتأخرين بقسطين فقط، ثم تفعيل فسخ العقود، هو إجراء غير مسبوق، ويكشف عن نية واضحة لإعادة توزيع الأراضي على مستثمرين كبار.

واعتبرت أن ما يجري هو “الإزاحة الناعمة للمزارعين”. وشرح الحزب السيناريو بوضوح: رفع تكاليف الزراعة، انتظار تعثر الفلاح، تفعيل فسخ العقد، ثم تسليم الأرض “نظيفة” لشركات أجنبية. وأكد أن ما يحدث في النوبارية اليوم قد يمتد إلى كل الأراضي المستصلحة، ثم إلى أراضي صغار الفلاحين الذين لن يستطيعوا تحمل تكاليف السماد والبذور والوقود والري والنقل. التحذير ختم بجملة لافتة: “حين تمتطي السلطة ظهر القانون وتحوّله إلى أداة نزع لا حماية، لا تبقى سيادة… ولا يبقى فلاح… ولا يبقى وطن قادر على إطعام نفسه”.

 

أزمة أراضٍ أم أزمة ثقة؟

وما يجري في مصر اليوم بشأن أراضي الاستصلاح الزراعي ليس مجرد نزاع مالي بين الدولة والمزارعين، بل أزمة ثقة عميقة تتسع يومًا بعد يوم. فالمزارعون الذين أمضوا عقودًا في استصلاح الأرض يشعرون بأن الدولة تتعامل معهم كعقبة يجب إزاحتها، لا كشركاء في التنمية. وفي ظل نقل مئات الآلاف من الأفدنة إلى جهات جديدة، وتزايد الحديث عن دخول شركات أجنبية، يخشى كثيرون أن تكون هذه القرارات مقدمة لتحولات كبرى في ملكية الأراضي الزراعية في مصر.

 

الأزمة لا تمس الفلاح وحده، بل تمس الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، وحق المصريين في أرضهم. وما لم تتدخل الدولة بحلول عادلة، فإن الريف المصري قد يكون مقبلًا على واحدة من أكبر موجات الغضب في تاريخه الحديث.

 

لصالح مستثمرين خليجيين

وتشهد السوق العقارية المصرية واحدة من أكثر الأزمات إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، بعد توسع الحكومة في سحب الأراضي من مستثمرين مصريين بدعوى التأخير في التنفيذ أو تراكم المديونيات، ثم إعادة طرحها أو تخصيصها لمستثمرين إماراتيين وخليجيين. هذه الظاهرة التي بدأت تتصاعد منذ عام 2018 أثارت مخاوف واسعة حول عدالة توزيع الأراضي، ومستقبل الاستثمار المحلي، ومدى ارتباط هذه السياسات بالحاجة الملحة للعملة الصعبة.

وتتركز الأراضي المسحوبة في مناطق ذات قيمة استراتيجية عالية، أبرزها الساحل الشمالي والعلمين الجديدة ومدن العاشر من رمضان وبدر والسادات والمنيا الجديدة. وتشمل مساحات ضخمة تصل إلى آلاف الأفدنة، بعضها مخصص لمشروعات سياحية فاخرة، وبعضها لمناطق صناعية واستثمارية. وقد سبق للدولة أن طرحت أكثر من 26 ألف قطعة أرض بين عامي 2015 و2016، ما يعكس حجم السوق وحجم التنافس عليه.

وتبرر حكومة السيسي عمليات السحب بأنها تستهدف مواجهة “تسقيع الأراضي” ومنع الاحتكار، مؤكدة أن كثيرًا من المستثمرين لم يلتزموا بنسب التنفيذ المطلوبة أو تراكمت عليهم مديونيات تجاوزت 25 مليار جنيه في قطاعات السياحة والعقارات. وتقول إن إعادة الطرح تهدف لجذب مستثمرين جادين قادرين على التنفيذ السريع، وإن المستثمر الأجنبي لا يحصل على امتيازات خاصة، بل يخضع للقواعد نفسها عبر منصات رقمية معلنة.

بالمقابل، يحذر خبراء الاقتصاد من أن الإفراط في سحب الأراضي قد يضرب ثقة المستثمر المحلي، ويهدد قطاعًا يمثل 16% من الناتج القومي ويعمل فيه أكثر من 4 ملايين مصري. كما يخشى البعض من أن يؤدي دخول رءوس أموال خليجية ضخمة إلى رفع الأسعار وإقصاء المستثمرين المصريين الأقل قدرة مالية، ما يخلق فجوة اجتماعية واقتصادية ويعزز الشعور بأن الأراضي الوطنية تنتقل تدريجيًا إلى ملكيات أجنبية.

ويرتبط الإقبال الخليجي على الأراضي المصرية بعوامل عدة، أهمها تراجع قيمة الجنيه، والموقع الاستراتيجي للسواحل المصرية، ورغبة الحكومة في جذب الدولار. وتشير تقديرات إلى أن قيمة الأراضي التي بيعت للأجانب بين 2019 و2024 تراوحت بين 15 و20 مليار دولار، شملت أكثر من 30 ألف فدان، وهو رقم يعكس حجم التحول في ملكية الأراضي خلال فترة قصيرة.