فى محاولة لنفى اغتياله بصاروخ إيرانى نشر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو فيديو من داخل مقهى "ساتاف (The Sataf) في تلال القدس، لكن الفيدو صعد من الجدل الدائر حول حالته الصحية، وفتح جبهة جديدة من التشكيك التقني.
كانت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" قد نقلت عن مكتب نتنياهو تأكيده أن الفيديو، الذي ظهر فيه ساخرا من شائعات وفاته ومستعرضا أصابع يديه الخمس للرد على مزاعم "الأصابع الستة" هو توثيق حي وحقيقي، وفى المقابل استند المشككون إلى تحليلات تقنية، حيث أشارت تقارير تداولتها منصات مثل "NDTV" ووسائل إعلام دولية، إلى أن برمجيات تحليل الفيديو، بما فيها روبوت الذكاء الاصطناعي "Grok"، صنفت المقطع على أنه "تزييف عميق" (Deepfake) بنسبة احتمالية مرتفعة.
واستندت هذه التحليلات إلى "جمود حركة رغوة القهوة" في الكوب بشكل يخالف الفيزياء الطبيعية، وثبات بعض العناصر في الخلفية.
واذا كان المقطع استهدف نفي أنباء ترددت بقوة حول غياب نتنياهو المفاجئ عن المشهد الرسمي وتدهور حالته الصحية أو وفاته، عبر ظهوره وهو يتجول داخل مقهى في القدس ليوجه رسالة طمأنة للجمهور الصهيونى إلا أن منصات البحث والمواقع اشتعلت بآلاف التحليلات التي حاولت فك شفرة المقطع وما إذا كان يمثل ظهورا حقيقيا أم مجرد تلاعب رقمي متطور.
مقهى "ساتاف"
من جهتها، حاولت إدارة مقهى "ساتاف" التدخل لحسم الموقف بنشر صور فوتوغرافية عبر حسابها على إنستجرام توثق الزيارة، إلا أن ذلك لم يوقف سيل التحليلات التي اعتبرت المشهد جزءا من إدارة الأزمة في ظل الحرب مع إيران
فيما أكدت التحقيقات الرسمية الصادرة من الجهات المعنية صحة الموقع الجغرافي وتاريخ التصوير لقطع الطريق على المشككين في قدرة نتنياهو على الظهور الميداني.
واستندت التقارير الأولية إلى غياب أي مؤشرات تقنية واضحة في النسخة الأصلية تشير إلى توليد الصور عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي.
ثغرات فنية مريبة
فى المقابل رصد خبراء التقنية في مركز الإعلام الرقمي ثغرات فنية مريبة داخل الفيديو وظهرت احتمالات تزييف عميق بلغت نسبتها 96.9% في بعض برامج التحليل البرمجية المتخصصة بكشف التلاعب في الوجوه وحركات الجسد.
ولاحظ المحللون أن مستوى القهوة داخل الكوب لا يتغير إطلاقا رغم ارتشاف بنيامين نتنياهو منها مع غياب تام للبخار أو اهتزاز السائل عند رفع الكوب.
وذكرت هذه الأخطاء الجمهور بمقطع سابق ظهر فيه بنيامين نتنياهو بستة أصابع وهو ما يعد سقطة تقنية شهيرة تقع فيها تطبيقات توليد الصور، مما زاد من قناعة البعض بأن ما عرض هو منتج رقمي وليس حقيقة.
وكشفت عمليات التدقيق في تفاصيل خلفية الفيديو عن ظهور تاريخ 2024 على شاشة المحاسبة الخاصة بالمقهى رغم ادعاء مكتب نتنياهو أن التصوير جرى في مارس 2026.
واعتبر المتابعون أن غياب نتنياهو عن اجتماعات هامة مؤخرا يعزز من فرضية استخدام الذكاء الاصطناعي للتغطية على الغياب المريب.
خلل رقمي
من بين الأصوات التي شككت في الفيديو، صانع المحتوى الأمريكي مات والاس، الذي نشر سلسلة من التعليقات عبر منصة "إكس" أشار فيها إلى وجود بعض التفاصيل التي وصفها بالمريبة داخل المقطع.
وقال والاس إنه في البداية اعتبر شائعة اغتيال نتنياهو مجرد "سخافات"، لكنه بعد تدقيقه في الفيديو بدأ يتساءل عما إذا كان قد تم إنتاجه باستخدام تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة.
وأوضح أنه قام بإبطاء سرعة الفيديو لمراجعة بعض الإطارات، ولاحظ ما وصفه بخلل رقمي في جيب معطف نتنياهو.
وأشار إلى تفاصيل أخرى قال إنها تستحق الانتباه، مثل حركة القهوة داخل الفنجان وطبيعة الخلفية وحركة أحد الأشخاص الذي يظهر في المشهد مرتديًا كمامة.
الذكاء الاصطناعي
وأكد الخبير في مجال الأمن السيبراني المهندس عمر محمد، أن الفحص الأولي لا يقدم دليلاً قاطعًا على أن المقطع مُولّد بالكامل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التفاصيل الظاهرة تبدو طبيعية إلى حد كبير.
وقال محمد فى تصريحات صحفية إن عملية التحقق بدأت بمقارنة موقع التصوير الظاهر في الفيديو مع صور أرشيفية للمقهى الذي يُعتقد أن المقطع صُوّر بداخله، لافتًا إلى أن التصميمات الداخلية للمكان، بما في ذلك ترتيب الطاولات والرفوف وبعض التفاصيل الموجودة في الخلفية، تتطابق بدرجة كبيرة مع الصور المتاحة للمكان الحقيقي موضحا أن هذا التطابق يعزز احتمال أن يكون الفيديو قد صُوّر بالفعل داخل المقهى وليس في بيئة مولّدة رقميًا.
وأضاف أن تحليل الإضاءة والانعكاسات داخل المشهد أظهر درجة عالية من الاتساق، حيث تبدو الظلال طبيعية ومتوافقة مع حركة الأشخاص داخل اللقطة، كما أن تفاصيل العناصر الصغيرة مثل الأكواب والرفوف وخلفية المكان تبدو واضحة ومتماسكة، وهي أمور غالبًا ما تظهر فيها أخطاء أو تشوهات عندما يكون الفيديو مصنوعًا بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
استبدال الوجه
وشدد محمد على أن عدم وجود مؤشرات واضحة على التزييف لا يعني بالضرورة أن الفيديو خالٍ تمامًا من أي تدخل تقني، موضحًا أن التطور الكبير في تقنيات المعالجة الرقمية قد يسمح بإجراء تعديلات طفيفة يصعب اكتشافها بسهولة، مثل تحسين الصوت أو استبدال الوجه أو إجراء تعديلات بسيطة على الصورة.
وأشار إلى أن أحد السيناريوهات المحتملة هو أن يكون الفيديو حقيقيًا بالفعل، لكنه خضع لبعض التعديلات التقنية المحدودة، وهو أمر شائع في كثير من المقاطع التي تُنشر عبر المنصات الرقمية.
وأكد محمد أن المقطع المتداول لا يمكن الجزم بأنه مُصنع بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على اللقطات المتاحة فقط، مرجحًا في الوقت نفسه أن يكون فيديو حقيقيًا ربما جرى عليه قدر محدود من المعالجة الرقمية.