أكدت ورقة بحثية بعنوان «تزييف الوعي في الدراما المصرية.. صورة المتدين بين التنميط السياسي والتوظيف الأمني»، أن الدراما المصرية لعبت دورًا محوريًا في تشكيل صورة نمطية مشوهة للمتدين عبر عقود، بدءًا من عهد مبارك وصولًا إلى ما بعد انقلاب 2013. فقد قدّمت الأعمال الفنية المتدين في صورة الإرهابي، المنافق، الشهواني، أو المتاجر بالدين، بدلًا من التفريق بين التدين الطبيعي والتطرف. وتكررت هذه الصورة في أعمال شهيرة مثل “العائلة”، “الإرهابي”، “الإرهاب والكباب”، “طيور الظلام”، ثم لاحقًا في “مولانا”، “الداعية”، “فاتن أمل حربي”، “شيخ جاكسون”، وغيرها، حيث ظهر المتدين كمسخ يثير النفور، لا كشخص طبيعي يعكس التنوع الاجتماعي الحقيقي.
وتستعرض الورقة كيف أن هذا التشويه لم يكن عفويًا، بل جاء في سياق توظيف سياسي وأمني، إذ استفادت الأجهزة الأمنية من ربط المظهر الديني بالإرهاب لتبرير القمع، بينما استفادت التيارات اليسارية والعلمانية من إقصاء الإسلاميين وتشويه حضورهم الشعبي. كما لعبت الدراما دورًا في هندسة الوعي عبر تقديم غير المتدين بصورة أكثر إنسانية وتسامحًا، مقابل تقديم المتدين كرمز للجهل والتشدد، في محاولة لإعادة تعريف “الاعتدال” وفق رؤية السلطة.
وأشارت إلى أن الإسلاميين حاولوا مواجهة هذا التشويه، سواء عبر نقد أعمال مثل “الجماعة”، أو عبر محاولات قانونية ضد بعض الفنانين، أو عبر السعي لتأسيس إنتاج فني بديل بعد ثورة يناير، مثل مشروع فيلم عن حسن البنا الذي أُجهض بعد انقلاب 2013. كما تذكّر الورقتان بتاريخ فني قديم للإخوان في المسرح خلال الثلاثينيات والأربعينيات، ما ينفي الصورة التي رسمتها الدراما لاحقًا عن عدائهم للفن.
ورغم هذا التشويه المستمر، تكشف الورقة عن رد فعل اجتماعي معاكس، إذ أظهرت استطلاعات حديثة ارتفاعًا في نسب التدين بين الشباب في مصر والعالم العربي، وهو ما اعتبره البعض نتيجة طبيعية لمحاولات فرض اللادينية وتشويه التدين في الدراما، خاصة أن الواقع الاجتماعي المصري ما زال يحمل حضورًا قويًا للتدين الشعبي.
وتتوقف الورقة عند مفارقة لافتة، حين انتقد عبد الفتاح السيسي مسلسلات رمضان عام 2025، رغم أنها تُنتج بالكامل عبر “الشركة المتحدة” التابعة للمخابرات وتُراجع نصوصها داخل الأجهزة الأمنية. ويرى محللون أن هذا الانتقاد كان محاولة للتماهي مع غضب الجمهور، أو اعترافًا ضمنيًا بفشل الدراما الحكومية، أو محاولة لتحويل النقاش بعيدًا عن اتهامات تشويه التدين.
منذ انقلاب يوليو 1952 بدأت الدراما المصرية في تقديم صورة جديدة ومشوّهة لرجل الدين والمتدين، تختلف جذريًا عن الصورة التقليدية التي كانت مرتبطة بالوقار والاحترام. فقد ظهر الشيخ في الأعمال الفنية إما درويشًا ساذجًا أو مأذونًا مضحكًا أو رجل دين منافقًا، وهي صور لم تكن موجودة في الوعي المصري قبل هذا التاريخ. ومع تصاعد موجات التطرف في السبعينيات والثمانينيات واغتيال الرئيس السادات، ثم المواجهات المسلحة بين الجماعات الإسلامية والأجهزة الأمنية، اتجهت الدراما إلى معالجة الظاهرة بطريقة سطحية، فبدلًا من التفريق بين المتدين العادي والمتطرف، جرى دمج الجميع في قالب واحد، لتصبح اللحية والحجاب رمزًا للإرهاب والعنف.
توضح الورقة أن تشويه صورة المتدين لم يكن مجرد اختيار فني، بل كان يخدم أهدافًا أمنية وسياسية وثقافية. أمنيًا، ساعدت هذه الصورة في تبرير القمع ضد أي صاحب رأي أو مظهر ديني، عبر ربط التدين تلقائيًا بالتطرف. وسياسيًا، استفادت التيارات اليسارية من إقصاء الإسلاميين وتشويههم، بينما استفادت السلطة من إضعاف حضورهم الشعبي. أما ثقافيًا، فقد جرى تقديم غير المتدين أو الراقصة أو المرأة غير المحجبة بصورة أكثر إنسانية وتسامحًا، مقابل تقديم المتدين كرمز للجهل والتشدد، في محاولة لإعادة تعريف “الاعتدال” وفق رؤية الدولة.
وتشير الورقة إلى أن الدراما لم تكتفِ بتشويه المتدين العادي، بل امتد التشويه إلى الشيخ نفسه، الذي قُدّم أحيانًا كرمز للتطرف أو كأداة سياسية، مع هجوم غير مباشر على علماء الدين وشيخ الأزهر. كما ساهمت الأعمال الفنية في الخلط بين التدين الشعبي و”الإسلام السياسي”، بحيث أصبح كل مظهر ديني مرتبطًا تلقائيًا بالتشدد، وهو خلط خطير يعزز الصورة النمطية ويشوّه الواقع الاجتماعي.
وتؤكد الورقة أن الدراما المصرية لعبت دورًا كبيرًا في تشكيل الصورة الذهنية للمشاهد، إذ يتفاعل الجمهور مع الشخصيات الدرامية أكثر من تفاعله مع أي وسيلة إعلامية أخرى. لذلك، فإن تقديم المتدين بصورة نمطية أو سلبية يرسّخ هذه الصورة في الوعي العام، ويجعلها جزءًا من الثقافة الشعبية. وقد اعتادت الدراما تقديم المتدين كشخص منغلق، لا يفكر، ولا يناقش، ولا يعرف إلا الطاعة العمياء، كما في الجملة الشهيرة: “لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي”.
وتوضح الورقة أن كثيرًا من الكتّاب والمخرجين، خصوصًا من التيارات اليسارية والناصرية، حملوا مواقف فكرية سلبية تجاه الدين، فانعكس ذلك في أعمالهم. وقد استغل هؤلاء سيطرتهم على الإعلام والثقافة لتقديم المتدين في صورة المتطرف أو الدجال أو المنافق، بينما يظهر غير المتدين في صورة المتفتح والعقلاني. ويشير د. سعد بركات إلى أن السينما المصرية حصرت المتدين في دورين: المأذون الشرعي أو مدرس اللغة العربية، وكلاهما يُقدّم بمظهر رثّ وسلوك غير منضبط، مع مبالغات تجعل المتدين شخصية هزلية أو شهوانية أو انتهازية.
وتستعرض الورقة أمثلة عديدة من الدراما التي رسّخت هذه الصورة، مثل شخصية “الحاج ناجي” في “كراكون في الشارع”، أو الشيخ الشهواني في “الإرهاب والكباب”، أو الشيخ الذي يشرعن ظلم السلطة في “الزوجة الثانية”. وتشير إلى أن فيلم “الشيخ حسن” كان من الأعمال النادرة التي قدّمت الشيخ بصورة إيجابية، لكنه مُنع لاحقًا لأنه قدّم نموذجًا مؤثرًا للمتدين القادر على التغيير.
وتخلص الورقة إلى أن الدراما المصرية، خصوصًا بعد 2013 ومع سيطرة “الشركة المتحدة” على الإنتاج، أصبحت أداة مباشرة لإعادة تشكيل الوعي، عبر تشويه الإسلاميين والمتدينين وتعظيم صورة رجل الشرطة والجيش. وبذلك تحولت الدراما من مساحة فنية إلى ساحة صراع ثقافي وسياسي، تُستخدم فيها الصورة النمطية كسلاح لإقصاء تيار كامل من المجتمع، وإعادة تعريف التدين وفق رؤية السلطة.
أمام هذا التشويه المتكرر، حاول بعض الإسلاميين فضح ما اعتبروه محتوى دراميًا مُعدًا مسبقًا لتشويه صورتهم، مؤكدين أن هذه النماذج صُنعت داخل أجهزة أمن الدولة وبمعرفة رجال الحزب الوطني، بهدف ضرب الفصيل الإسلامي وتشويه صورته قبل أي منافسة سياسية. ووجّه شباب من الإخوان انتقادات حادة لوحيد حامد بسبب مسلسل “الجماعة”، واتهموه بتلميع رجال الأمن وتشويه الإخوان، كما رُفعت دعوى قضائية ضد عادل إمام بتهمة ازدراء الدين، قبل أن يُبرّأ لاحقًا في حكم اعتبره البعض انتصارًا للفن. وتشير الورقة إلى أن للإخوان تاريخًا فنيًا قديمًا عبر “فرقة القاهرة المسرحية” في الثلاثينيات والأربعينيات، التي ضمت أسماء كبيرة مثل عبد المنعم مدبولي ومحمود المليجي، وقدمت أعمالًا أخلاقية وتاريخية. وبعد ثورة يناير، أعلن بعض الإخوان نيتهم تأسيس شركة إنتاج سينمائي لتقديم صورتهم الحقيقية، وبدأ التخطيط لفيلم عن حسن البنا بميزانية ضخمة، لكن انقلاب 2013 أوقف المشروع.
ورغم هذا التشويه الدرامي، شهدت السنوات الأخيرة رد فعل معاكسًا بين الشباب، إذ أظهر استطلاع “البارومتر العربي” لصالح BBC عام 2022 ارتفاعًا في نسب التدين بين الشباب في مصر وعدة دول عربية مقارنة بعام 2018. ورأى محللون أن هذا الارتفاع يعود إلى الأزمات الاقتصادية، بينما اعتبر آخرون أنه رد فعل طبيعي على محاولات فرض اللادينية وتشويه التدين في الدراما، خاصة أن الواقع الاجتماعي المصري ما زال يحمل حضورًا قويًا للتدين الشعبي.
وفي عام 2025، انتقد عبد الفتاح السيسي مسلسلات رمضان، معتبرًا أنها لا تمثل المجتمع المصري، رغم أنها تُنتج بالكامل عبر “الشركة المتحدة” التابعة للمخابرات، وتُراجع نصوصها داخل الأجهزة الأمنية. وأعلن رئيس الوزراء تشكيل لجنة لضبط الدراما، بينما أعلنت الشركة المتحدة تشكيل لجنة لمراجعة المحتوى. ورأى محللون أن انتقاد السيسي للدراما يحمل ثلاثة أهداف: التماهي مع غضب الجمهور من محتوى المسلسلات، والاعتراف الضمني بفشل الدراما الحكومية رغم السيطرة الأمنية عليها، ومحاولة تحويل النقاش بعيدًا عن اتهامات تشويه التدين، عبر الإيحاء بأن المشكلة في جودة الدراما لا في توجهاتها.
وتخلص الورقة إلى أن صورة المتدين في الدراما المصرية ليست مجرد اختيار فني، بل جزء من معركة طويلة حول تشكيل الوعي الجمعي. فقد رسخت الدراما عبر عقود قوالب نمطية جعلت المتدين إما إرهابيًا أو منافقًا أو شهوانيًا أو ساذجًا، حتى أصبحت الصورة الدرامية أقوى من الواقع الاجتماعي المتنوع. ومع ذلك، أظهرت التحولات الاجتماعية أن محاولات التشويه قد تأتي بنتائج عكسية، وأن الوعي الشعبي أكثر تعقيدًا من أن يُعاد تشكيله عبر الشاشة. ويبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الدراما المصرية على التحرر من التوظيف السياسي والأمني، وتقديم المتدين بوصفه جزءًا طبيعيًا ومتعدد الأبعاد من المجتمع، لا مادة للتشويه أو أداة للصراع.
وفي النهاية، تشير الورقة إلى أن صورة المتدين في الدراما المصرية ليست مجرد اختيار فني، بل جزء من معركة طويلة حول تشكيل الوعي الجمعي وتحديد من يملك حق تعريف التدين. وبينما رسخت الدراما قوالب نمطية جعلت المتدين إما إرهابيًا أو منافقًا أو شهوانيًا، أظهرت التحولات الاجتماعية أن الوعي الشعبي أكثر تعقيدًا من أن يُعاد تشكيله عبر الشاشة، وأن محاولات التشويه قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية. ويبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الدراما المصرية على التحرر من التوظيف السياسي والأمني، وتقديم المتدين بوصفه جزءًا طبيعيًا ومتعدد الأبعاد من المجتمع، لا مادة للتشويه أو أداة للصراع.