التضخم يتغوّل والجنيه يتراجع.. ومحدودو الدخل في مواجهة مفتوحة مع الغلاء
في توقيت بالغ الحساسية، يواصل البنك المركزي المصري سياسة رفع أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية تقترب من 30%، في محاولة واضحة لإعادة جذب "الأموال الساخنة" إلى سوق أدوات الدين الحكومية، بعد موجات خروج عنيفة منذ اندلاع الأزمات الجيوسياسية الأخيرة، غير أن هذه الخطوة، التي تبدو للوهلة الأولى محاولة لإنعاش السيولة الدولارية، تطرح تساؤلات أعمق حول كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى قدرتها على كبح التضخم أو احتوائه.
دورة مفرغة: فائدة مرتفعة وتضخم أعلى
يرى خبراء أن رفع الفائدة بهذا الشكل لا يعالج جذور الأزمة، بل قد يفاقمها، فبحسب خبير التمويل والاستثمار رشاد عبده، فإن العودة إلى سياسة الفائدة المرتفعة تمثل "رجوعاً إلى نفس الدائرة التي أضرت بالاقتصاد سابقاً"، حيث تجذب هذه الأموال قصيرة الأجل الباحثة عن عائد سريع، لكنها تخرج بالسرعة نفسها عند أو لإشارة خطر، تاركة خلفها فجوة دولارية جديدة، الأخطر أن رفع الفائدة ينعكس مباشرة على تكلفة الاقتراض داخل الاقتصاد، ما يؤدي إلى تباطؤ الاستثمار والإنتاج، ويزيد من أسعار السلع والخدمات. ومع اعتماد مصر الكبير على الاستيراد، فإن أي ضغط إضافي على الجنيه – الذي فقد نحو 10% من قيمته منذ اندلاع الحرب الأخيرة – يترجم فوراً إلى موجات تضخمية جديدة، تلتهم دخول المواطنين.
المواطن يد فع الثمن
في الشارع، تبدو الصورة أكثر قسوة، فقد قفزت أسعار العديد من السلع بنسب تتراوح بين15% و25%، في وقت لم تشهد فيه الأجور أي زيادات موازية، ومع استمرار التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، يجد محدودو الدخل أنفسهم في مواجهة يومية مع الغلاء، دون شبكة حماية كافية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يؤدي رفع الفائدة أيضاً إلى تقليص قدرة القطاع الخاص على التوسع والتوظيف، ما يضغط على معدلات البطالة التي تشهد بالفعل اتجاهًا تصاعديًا، في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي.
فاتورة فائدة تلتهم الموازنة
على مستوى المالية العامة، تبدو التداعيات أكثر تعقيداً، فكل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة تضيف نحو 70 مليار جنيه إلى الدين العام، وفق تقديرات الخبراء.
وتشير البيانات إلى أن مدفوعات الفائدة تلتهم بالفعل نحو 80% من الإيرادات الضريبية، ما يضع الموازنة تحت ضغوط غير مسبوقة.
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول جدوى الاستمرار في الاعتماد على أدوات الدين مرتفعة العائد كحل سريع، في ظل غياب إصلاحات هيكلية حقيقية تدعم الإنتاج والتصدير وتقلل الاعتماد على الخارج.
من عنده حل يتفضل يقول؟ سؤال يثير الجدل
في خضم هذه الأزمة، أثار تصريح المنقلب السفيه السيسي خلال إفطار "الأسرة المصرية" –"من عنده حل يتفضل يقول" – تفاعلاً واسعاً، خاصة مع تصاعد الضغوط المعيشية.
ويرى مراقبون أن طرح هذا السؤال يعكس حجم التحدي، لكنه في الوقت نفسه يفتح باباً للنقاش حول مسؤولية إدارة الملف الاقتصادي، ودور صناع القرار في تقديم حلول واضحة وشفافة.
كما أعاد هذا التصريح إلى الواجهة المقارنات مع مواقف إعلامية سابقة، حين كانت تُطرح أسئلة مباشرة على السلطة التنفيذية بشأن قدرتها على إدارة الأزمات، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة الخطاب الإعلامي الحالي وحدود النقد.
أموال ساخنة.. مكسب سريع أم خطر مؤجل؟
من جانبه، يشير خبير التمويل وائل النحاس إلى أن عودة المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين المصرية جاءت بشروط أكثر كلفة، مدفوعة بارتفاع العوائد إلى مستويات جاذبة، لكنه يحذر في الوقت ذاته من استمرار موجات الخروج خلال الأشهر المقبلة، متوقعاً سحب ما بين 16 و17 مليار دولار، وهو ما يزيد الضغط على العملة الأجنبية، ويؤكد أن هذه التدفقات، رغم أهميتها قصيرة الأجل، لا توفر استقراراً دائماً، بل تجعل الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات الخارجية، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
أين المخرج؟
يبدو أن الأزمة تتجاوز مجرد قرار برفع أو خفض الفائدة، لتتعلق ببنية الاقتصاد ذاته، فبينما تواصل الحكومة البحث عن تدفقات دولارية سريعة، تتزايد الحاجة إلى استراتيجية طويلة الأجل تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتحفيز الاستثمار الحقيقي بدلاً من المالي.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يمكن للمواطن تحمّل كلفة هذه السياسات؟ وأي طريق يمكن أن يخرج الاقتصاد من دوامة الفائدة المرتفعة والتضخم المتصاعد، دون أن يدفع المجتمع الثمن الأكبر؟