مراقبون حذروا من خطورتها.. 417 مليار جنيه حجم (الاستلاف) الربوي.. “التمويل الاستهلاكي” يتوغل لـ64 مليون عميل

- ‎فيتقارير

بلغ حجم محافظ التمويل غير المصرفي 417 مليار جنيه، وعدد العملاء 64 مليون عميل، و2532 شركة وجهة تعمل في القطاع ، وتثير هذه الأرقام الضخمة تساؤلات الخبراء والمراقبين حول ما إذا كان ما يحدث هو شمول مالي أم “إغراق مالي” مؤجل الانفجار.

والتوسع في التمويل الاستهلاكي في مصر يجعل المصريين بين تبعية رأس المال الخارجي ومخاطر الفقاعة الاجتماعية بعدما حذّر هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، من تنامي مخاطر التمويل غير المصرفي على الأفراد والدورة الاقتصادية ( بمداخلة على قناة (MBC -مصر).

وأكد أن “المستهلك افتقر ولا يجب الاستمرار في إقراضه بنفس القواعد القديمة”، محذرًا من أن القدرة على السداد معرضة للانهيار المفاجئ، وأن انهيار المستهلك قد يقود إلى انهيار شركات، وأن العمل المصرفي حساس بطبيعته، وتأثير الدومينو فيه وارد بقوة، بما يشبه فقاعة الديون.

وأوضح عز العرب أن البنوك تعمل وفق قواعد رقابية صارمة يضعها البنك المركزي، بينما تعمل بعض شركات التمويل الاستهلاكي تحت أطر رقابية أقل تشددًا، ما يخلق فجوات تنظيمية قد تؤدي إلى سلوكيات مالية غير متوازنة.

وشدد على أهمية المخاطر الائتمانية ومنظومة الاستعلام الائتماني، وعلى ضرورة الرقابة الاستباقية، لأن “شرارة صغيرة قد تتحول إلى شرارة أكبر”.

وشهدت السوق المصرية خلال السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في نشاط التمويل الاستهلاكي، حتى أصبح أحد المحركات الأساسية للنشاط الاقتصادي، ليس بوصفه وسيلة لتحسين جودة الحياة كما يُفترض في الظروف الطبيعية، بل بوصفه وسيلة اضطرارية لتأجيل الأزمة المعيشية.

هذا التحول البنيوي يعكس، وفق آراء مراقبين، أزمة أعمق تتعلق بتراجع القوة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر، وتآكل الدخول الحقيقية، وتوسع الشركات غير المصرفية في تقديم تمويلات بفوائد مرتفعة، في ظل اختلاف الرقابة عن الرقابة المصرفية التقليدية.

 

نمو سريع يفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي

تشير بيانات “اقتصاد الشرق – مصر” إلى أن شركة فاليو تتوقع وصول إجمالي التمويلات إلى 30 مليار جنيه بنهاية 2026، بعد تسجيل 7 مليارات في الربع الأول فقط، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 35% و40% (مصدر: @AsharqbEGY). كما بلغ إجمالي تمويلات القطاع في 2025 نحو 96 مليار جنيه.

ويشير مراقبون إلى أن الصندوق الإماراتي المسيطر على البنك التجاري الدولي CIB هو ذاته المسيطر على شركة “فاليو” للتمويل الاستهلاكي (@hamdi_safa).
هذا الارتباط يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول تداخل المصالح، وارتباط التوسع في التمويل الاستهلاكي برءوس أموال خارجية تبحث عن عوائد مرتفعة في سوق تعاني من هشاشة اقتصادية.

ويرى محللون أن هذا الارتباط يُعزز تبعية الشركات العاملة في القطاع لجهات تمويل خارجية، ويجعل توسعها جزءًا من استراتيجية استثمارية لا تُراعي بالضرورة المخاطر الاجتماعية أو الاقتصادية المحلية.

 

أزمة القوة الشرائية

ويرى الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد و"النائب" د.محمد فؤاد (@MAFouad) أن الاقتراض تحول من وسيلة لتحسين الحياة إلى وسيلة لتأجيل الأزمة المعيشية، في ظل ضغوط تضخمية وتراجع القوة الشرائية.

ويؤكد الأكاديمي د.ماجد عبيدو (@mAbidou) أن القفزة الضخمة في عدد المتعاملين ليست تعبيرًا عن رخاء اقتصادي، بل انعكاس مباشر لتراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الفقر، ما دفع قطاعات واسعة من المواطنين لاستخدام التمويل لسد الاحتياجات الأساسية.

ويصف الباحث المتخصص مصطفى الأنصاري (@_MAN) السنوات الأخيرة بأنها “العشرية الهباب”، حيث دفعت موجات التضخم الناس إلى الاقتراض بشكل متزايد، وعدد المساجين في قضايا مرتبطة بالديون كبير، بينما المساعدة الاجتماعية شبه منعدمة. هذا الوضع يعكس أزمة اجتماعية ممتدة ستدفع الأجيال القادمة ثمنها.

أما المحلل بولا إبراهيم (Bola Ibrahim ) فيري أن الاستهلاك الممول بالدين أصبح محرك النشاط الاقتصادي، وهو ما وصفه بأنه “قلب الأزمة”، لأن الدخل الفعلي للأفراد لم يعد كافيًا لتمويل السلع الاستهلاكية التي لا يُفترض أن تحتاج إلى تمويل يتجاوز بطاقات الائتمان. هذا التحول يعني أن الاقتصاد يعتمد على دين الأفراد بدلًا من إنتاج حقيقي، ما يخلق فجوة بين النمو الظاهري والنمو الفعلي.

 

الجميع يقترض من نفس الجهة

وبحسب @amaniaf207، وشهادات عديدة فإن المصريين من مختلف الطبقات أصبحوا مديونين لشركات مثل فاليو، حالا، بريميوم، سيفين، ترو وغيرها، وأن أغلب المقترضين متعثرون في السداد بسبب الفوائد المرتفعة.

وتشير مها (@MahaAlri) إلى أن تمويل القروض الشخصية لتوفير الاحتياجات الأساسية يخلق عجزًا في منظومة الاقتراض الداخلي، لأن الجهة المقرضة واحدة: الحكومة تقترض لعجز الموازنة، أصحاب المشاريع يقترضون لتمويل أعمالهم، والمواطن يقترض للأساسيات. ومع تآكل القدرة على السداد، يصبح النظام بأكمله معرضًا لمخاطر متراكمة.

 

80% من "الاستهلاكي" ليس استهلاكًا حقيقيًا

ويؤكد مصدر مسؤول (@ABO_HMAMA) أن 80% من التمويل الاستهلاكي هو “تسييل للفلوس” عبر الشراء بالأجل ثم بيع المنتج دون استخدام، لتوفير السيولة، مثل بطاقات الائتمان وفاليو وحالا وسيفين وغيرها، ما يعني أن دخل الفرد أصبح “تحت الصفر”، وأن الاقتراض لم يعد مرتبطًا بالاستهلاك الحقيقي بل بتدوير السيولة.

وتحذر الصحفية رانيا بدوي من أن المجتمع لم يعد يشتري احتياجاته، بل يشتري “حقه في البقاء شهرًا إضافيًا”، وأن الاقتصاد دخل منطقة الخطر الحقيقي. وترى أن التوسع الهائل في شركات التمويل قد يكون وسيلة لامتصاص الغضب الاجتماعي الناتج عن الغلاء، بدلًا من معالجة أصل الأزمة، ما يجعل هذه الشركات أداة لإطالة عمر الحكومات وتأجيل الانفجار، لكنها في الوقت نفسه تخلق مخاطر هائلة إذا بدأت كرة التعثر في التدحرج.

 

مجتمع يقسط حياته

ويبدو المشهد مركبًا، حيث التوسع غير مسبوق في التمويل الاستهلاكي، والتبعية لجهات تمويل خارجية، مع تآكل في القوة الشرائية، واعتماد متزايد على الدين لتغطية الاحتياجات الأساسية، ومخاطر اجتماعية واقتصادية متراكمة، وغياب معالجة جذرية للأزمة. وبينما يعيش المواطن على القروض، وتعيش الدولة على الديون، يتظاهر الجميع بأن الأمور تحت السيطرة، لكن التاريخ الاقتصادي يقول بوضوح إن هذا المسار لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.