أثار تقرير صحيفة الشرق الأوسط السعودية حول امتناع مصر عن قبول ترشيح سوريا لسفيرها الجديد في القاهرة، محمد طه الأحمد، موجة واسعة من التحليلات السياسية. فبحسب الصحيفة، نقل وكيل وزارة الخارجية السعودية الدكتور سعود بن محمد الساطي رسالة غير رسمية إلى دمشق تفيد بأن القاهرة لا تقبل بالأحمد بسبب “خلفياته السياسية”.
ورغم أن مصر لم تصدر بيانًا رسميًا، فإن التسريب كان كافيًا لإطلاق نقاش واسع حول مستقبل العلاقات المصرية–السورية، وحول ما إذا كان القرار يعكس ثباتًا في الموقف المصري أم توترًا مكتومًا بين البلدين.
ونستعرض آراء الباحثين والمحللين الذين تناولوا القضية، معتمدًا على تصريحاتهم المنشورة، في محاولة لفهم ما وراء القرار المصري، وما إذا كان مرتبطًا بشخص السفير، أم أنه يعكس رؤية أوسع تجاه سوريا الجديدة.
المعلومات الأولية
الباحث السوري علاء الباشا @allaaalbacha قدّم تعليقا تقنيا على الخبر، موضحًا أن سوريا لم تعيّن سفيرًا لمصر أصلًا، بل قائم بالأعمال هو القاضي جمعة العنزي. أما محمد طه الأحمد فهو مدير إدارة الشئون العربية في وزارة الخارجية السورية، وقد زار القاهرة أكثر من مرة.
هذا التصحيح مهم لأنه يوضح أن الأزمة ليست في “اعتماد سفير جديد”، بل في رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وهو ما يجعل الرفض المصري أكثر دلالة، لأنه يتعلق بشخصية سياسية مركزية في الخارجية السورية.
تحفظات مصرية
الكاتب هاني الدرساني @AldrsaniH نقل عن مصدر مطلع أن مصر تتحفظ على عدة أسماء في البعثة السورية، وليس الأحمد وحده. ويضيف أن الأحمد هو من اقترح نفسه سفيرًا لدى مصر لأنه درس في جامعة القاهرة، وأن دمشق أصرت عليه رغم الرسائل المصرية غير الرسمية التي اعتبرت أنه “غير مناسب”.
ويشير الدرساني إلى أن مرافقة الأحمد لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في زيارته الأخيرة للقاهرة، وتوليه ملفات حساسة، جعلت الأمر يبدو وكأنه “أمر واقع”، مما زاد التوتر.
وهذه الرواية تضع القرار المصري في إطار رفض شخصي–سياسي، لا في إطار قطيعة دبلوماسية.
سؤال سياسي مباشر
المحلل السعودي حجيلان بن حمد @hjelan20 قدّم قراءة سياسية أوسع، معتبرًا أن السؤال الحقيقي ليس في السفير بل في “عقلية بعض دوائر القرار في القاهرة”. ويرى أن مصر ما زالت تنظر إلى سوريا بعقلية “الجيوش المتشابهة”، بينما “سوريا الجديدة ليست سوريا القديمة”، وأن المنطقة لم تعد تُدار بعقليات الستينات والسبعينات.
ويضيف أن من حق مصر قبول أو رفض أي سفير، لكن ليس من حق أحد تجاهل التحولات السياسية العربية في إشارة للتغييرات في دمشق، معتبرا أن هذا الموقف يعكس رؤية خليجية تعتبر أن سوريا تغيّرت، وأن على مصر أن تتعامل مع هذا التغيير بمرونة أكبر. ويمكن التوسع في هذا الاتجاه عبر تحليل التحولات الإقليمية.
في حين أن الكاتب السعودي الإماراتي عبدالعزيز الخميس زعم أن جهازاً أمنياً مصرياً سيادياً أبدى تحفظات على محمد طه الأحمد بسبب صلاته بجماعة الإخوان. وتعود هذه الخلفية إلى فترة دراسته في جامعة القاهرة ونيل شهادة الماجستير عام 2012 (إبان فترة حكم الجماعة في مصر) ونشاطات ارتبطت بها قبل إزاحتها من السلطة.
خلافات أعمق
ويقدم منحازون للسلطة خطابًا يعكس رؤية ترى أن الخلاف مع السوريين من الانقلاب في مصر أيديولوجي واستراتيجي، وليس دبلوماسيًا فقط، حيث غادة أحمد @GhadaAh72962514 ترى أن المشكلة ليست في خلفية السفير السياسية، بل في “خلافات كبيرة بين مصر وسوريا الشرع”، معتبرة أن سوريا أصبحت “شوكة في ظهر العرب ومصر”، وأن استمرار خضوعها لأمريكا وإسرائيل سيزيد الخلاف.
وقدم حساب @7adasBelfe3l وهو علماني معروف بمعارضته أحيانا، رواية مختلفة، إذ قال إن مصر رفضت اعتماد السفير بسبب “تاريخه الإرهابي”، مدعيًا أن الأحمد كان تحت قيادة "الجولاني" في جبهة النصرة. ورغم عدم وجود مصادر رسمية تؤكد ذلك، فإن هذه الرواية تعكس خطابًا شعبيًا يرى أن قرار خارجية الانقلاب مرتبط بملفات أمنية أكثر منه سياسية.
المحلل عماد سمير @Emaad_S_M_R يرى أن بيان خارجية السيسي بعد زيارة وزير الخارجية السوري كان واضحًا في التأكيد على مكافحة الإرهاب والتعامل مع المقاتلين الأجانب، وعلى ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية. ويعتبر أن هذا يعني أن مصر غير مستعدة لتغيير موقفها السلبي من “سوريا الجديدة”، وأنها ستستمر في تكرار أسباب موقفها مهما تغيّرت الظروف.
وعلى خط موازٍ إلا قليلا يرى الكاتب خالد محمود @khaledmahmoued1 أن مصر تتعامل مع سوريا بحذر شديد، وأن عدم لقاء السيسي بوزير الخارجية السوري رسالة واضحة بأن القاهرة لا تزال في مرحلة الترقب. ويضيف أن مصر لن تمنح الضوء الأخضر الكامل قبل رؤية حكومة شاملة واستقرار حقيقي، وأن تجربتها مع الجماعات المسلحة تجعلها شديدة الحساسية تجاه أي تغييرات في سوريا.
وتجمع آراء الباحثين والمحللين على أن قرار رفض اعتماد محمد طه الأحمد من سلطات الانقلاب في مصر ليس قرارًا بروتوكوليًا، بل يعكس توازنات سياسية وأمنية معقدة. والبعض يراه خلافًا شخصيًا، والبعض يراه خلافًا أيديولوجيًا، وآخرون يربطونه بالتحولات الإقليمية أو بالاصطفافات الجديدة، لكن المؤكد أن العلاقات مع سورية لا تزال في مرحلة “التقدم الحذر”، وأن ملف السفير ليس سوى أحد تجليات هذا التعقيد.
معاداة بشكل واضح
الكاتب السوري غسان محمود الياسين @ghassanyasin يرى أن مصر تعادي سوريا بشكل واضح، مستشهدًا ببيان رسمي مصري طالب الإعلاميين بعدم الإساءة لدول عربية محددة دون ذكر سوريا بينها. ويضيف أن مصر تمنع دمشق من استلام سفارتها في القاهرة، وترفض منح تأشيرات لدبلوماسيين سوريين. وهي قراءة تعتبر أن الرفض جزء من سياسة أوسع، لا مجرد موقف من شخص السفير.
وقارن المحلل جاسم الحسين @JassemAlhussein بين موقف سوريا ومصر خلال الحرب على إيران، معتبرًا أن سوريا اتخذت موقفًا مبدئيًا واضحًا، بينما صمتت مصر ثلاثة أسابيع ثم “باعت موقفًا”. ويستنتج أن مصر تتحرك وفق المصالح لا المبادئ، وأن هذا ينعكس على موقفها من سوريا. وهو تحليل يضع القرار الأخير في سياق الاصطفافات الإقليمية.
ومحمد طه الأحمد، مهندس زراعي من ريف حماة، شغل مناصب وزارية مدنية مهمة في "حكومة الإنقاذ" بإدلب لسنين طويلة، وتولى مناصب وزير الاقتصاد والموارد ووزير الزراعة والري.
وبعد التحرير كان هو المسئول عن الانتخابات في سوريا وهو شخص تقني وإداري أكتر منه عسكري، ولا توجد اتهامات موثقة ضده بنشاط عنيف أو انتماء كمقاتل مباشر، لكن ارتباطه السياسي الطويل بهيئة تحرير الشام يقلق المسئولين في مصر.