وعدت سابقا بالرد على استهداف بيروت .. إيران تعاود قصف تل ابيب ومحللون: أول هجوم عسكري مبادر في تاريخها

- ‎فيعربي ودولي

أطلقت إيران ليلة الأحد (7 يونيو 2026)، دفعات من الصواريخ الباليستية والمسيّرات باتجاه كيان الإحتلال، ودوت صفارات الإنذار بشكل مكثف في مناطق الشمال ووسط البلاد.

وجاء هذا الهجوم كأول خرق ميداني بارز للهدنة القائمة منذ أبريل الماضي، ورداً مباشراً من الحرس الثوري الإيراني على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت في اليوم نفسه.

وأعلن جيش الاحتلال الصهيوني أن منظومات الدفاع الجوي (بالتعاون مع القوات الأمريكية في المنطقة) تعاملت مع الصواريخ واعترضتها، بينما أعلنت السلطات الحكومية إغلاق المدارس لليوم التالي كإجراء احترازي.

ومن جانبهم، قال محللون وخبراء إن الكيان رسم  استهداف الضاحية اليوم بدقة (قصف رمزي لغرفة عمليات فارغة بلا ضحايا تقريباً)، على أمل أن تبتلع إيران الضربة، وتكسر بذلك معادلتها، وتبدأ بخلق واقع عملياتي جديد، لكن النتيجة كانت كالتالي: شنّت ايران أول هجوم عسكري مبادر ضد الكيان في تاريخها!

ورأى المحللون أن في ذلك 4 إشارات تتعلق بدخول المنطقة مرحلة جديدة كُسرت فيها المعادلات القديمة؛ حيث لم يعد قرار التصعيد أو المبادرة بالهجوم حكراً على جانب واحد، بل تحول الصراع إلى صيغة "الردع المتبادل المباشر".

ويرى الخبراء أن الساحة اللبنانية وحماية جبهات المقاومة المترابطة أصبحت تمثل مسألة استراتيجية فائقة الأهمية وحاسمة بالنسبة لصانع القرار الإيراني، ولا يمكن التراجع عنها أو السماح بالاستفراد بها.

كما يرون أن هناك إجماعًا على أن القيادة "الإسرائيلية" باتت مقيدة بحسابات معقدة وقاسية؛ حيث توازن بين كلفة الصمت وكلفة الرد التي قد تصطدم بالسقوف والخطوط الحمراء التي تحددها الإدارة الأمريكية.

ويتفق المحللون على أن الولايات المتحدة هي المحرك والضابط الأساسي لسقوف التصعيد في المنطقة، وأن أولوياتها تتركز حول حماية مصالحها ومواطنيها وتمرير تفاهماتها السياسية، بغض النظر عن الكلفة التي قد تتحملها الأطراف الإقليمية الأخرى في خطوط التماس.

المفكر والأكاديمي الكويتي د. عبدالله الشايجي  وعبر @docshayji قال إن خطورة القصف الإيراني تكمن في رفع مستوى القدرات الردعية لطهران عبر تنفيذ تهديدها الفعلي، مما يجعلها الدولة الأولى التي تُبادر بمهاجمة "إسرائيل" منذ حرب أكتوبر 1973، وذلك رداً على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت.

ويوضح أن إيران فرضت معادلة جديدة بعد أن بادرت بالقصف لأول مرة عقب تعرضها لأربع هجمات إسرائيلية سابقة، لتصبح الدولة الوحيدة التي تبادر بمواجهة إسرائيل في المنطقة.

ويخلص إلى أن نجاح هذه الخطوة يمنح إيران قناعة متزايدة بامتلاكها قدرات عسكرية تشجعها على التحدي والمواجهة والتصعيد في المراحل المقبلة.

 

رسائل الصواريخ ومأزق الحسابات الإقليمية

أما الحقوقي والسياسي د. أسامة رشدي @OsamaRushdi فتساءل بعنوان "..هل بدأت إيران فرض قواعد اشتباك جديدة… أم بدأ نتنياهو حربه الأخيرة ضد الاتفاق؟" مشيرا إلى أن قواعد الاشتباك متغيرة وأن القيمة الحقيقية للضربة الإيرانية -رغم محدوديتها ورمزيتها عسكرياً من حيث الأسلحة والتأثير- تكمن في الرسالة السياسية، حيث سحبت إيران احتكار المبادرة بالتصعيد من يد إسرائيل لتدخل المنطقة مرحلة "الردع المتبادل المباشر".

وتساءل أيضا حول ما إذا كان التصعيد سينجح في نسف الاتفاق المحتمل الذي تحدث ترامب عن قرب جهوزيته، بتلميح يشمل التأثير على الاتفاق الأمريكي الإيراني ويطرح 4 سيناريوهات رئيسية منها:

        الاحتواء السريع: ردود محدودة ومحسوبة تتدخل واشنطن بعدها لفرض التهدئة واستكمال التفاوض.

        التصعيد المتبادل: اتساع رقعة الضربات ودخول المنطقة في حلقة متبادلة تنسف المفاوضات.

        التصعيد من أجل التفاوض: استخدام القوة كأداة لتحسين الشروط التفاوضية قبل التوقيع.

        الانزلاق نحو حرب إقليمية: وهو السيناريو الأخطر في حال سقوط ضحايا بأعداد كبيرة أو توسع جبهة لبنان.

ويشير في قراءة ثانية لتصريحات ترامب عقب الهجوم الإيراني على الكويت، مؤكداً أن المعيار الأمريكي الوحيد للتدخل العسكري المباشر هو "إصابة أو قتل أمريكيين"، بينما تُعتبر المصالح والمنشآت الخليجية في خطوط التماس مجرد خسائر جانبية وفق عقلية القوى الكبرى، مما يضع دول المنطقة أمام تساؤل حول دفع ثمن حرب لا تملك قرارها الكامل.

 

الكرة في ملعب نتنياهو

وعلق المحلل السياسي الفلسطيني د. إياد إبراهيم القرا موضحا أن معضلة نتنياهو اليوم بين كلفة الرد والصمت، وأن المبادرة الايرانية وضعت صانع القرار الصهيوني في مأزق بعدما وصف موقف بنيامين نتنياهو بأنه معقد للغاية؛ فهو غير قادر على تجاوز الضربات، وفي الوقت ذاته يعجز عن الرد دون حسابات دقيقة.

ويوضح @iyad_alqarra أن الرد الصهيوني إذا تجاوز السقوف المحددة من قِبل واشنطن سيصطدم بغضب إدارة ترامب التي ترفض فرض وقائع لا تريدها. وفي حال عدم الرد، ستُسجل ضد إسرائيل هزيمة أمنية وسياسية تعيدها للمربع الأول.

ويؤكد أن كابوس الإخفاقات السابقة ما زال يطارد القيادة الإسرائيلية، ليذكرها بأن الفشل الأمني لم ينتهِ بعد.

 

معركة ضربات أم حرب معادلات؟

الكاتب والمحلل السياسي سعيد زياد اعتبر أن الفعل الايراني  أفشل المخطط الصهيوني حيث يرى أن الاحتلال أراد من قصفها الرمزي لغرفة عمليات فارغة في الضاحية أن تبتلع إيران الضربة لتكسر معادلتها، إلا أن النتيجة جاءت عكسية بتنفيذ إيران أول هجوم عسكري مبادر في تاريخها نصرةً لدولة أخرى في المنطقة منذ ستة عقود.

ويؤكد "زياد" أن الهجوم يثبت أن إيران باتت "متحفزة لا مردوعة" عكس الحسابات الأمريكية، وأن قوى المقاومة أصبحت أكثر ترابطاً وجرأة بعد الدروس القاسية التي تعلمتها.

ويشدد @saeedziad على أن القيادة الإيرانية الجديدة والمرشد ينظرون إلى ملف "وحدة الجبهات" وحماية جبهة لبنان كمسألة حياة أو موت للنظام، توازي في قيمتها الاستراتيجية ملف مضيق هرمز أو الملف النووي الإيراني.

 

اختصار المسافات الجغرافية والسياسية

ويرى المحلل السياسي من الضفة إيهاب جبارين أن الحرب الحالية اختصرت المسافات الجغرافية والسياسية بين طهران وتل أبيب من 2000 كيلومتر إلى 200 كيلومتر فقط، حيث تحول قصف الضاحية من تفصيل عابر في الماضي إلى سبب مباشر لإمطار الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وينتقد جبارين @JabareenEhab طبيعة الرد الصهيوني المتوقع، مشيراً إلى أنه أياً كانت نتيجته فإنه يظل مرهوناً بشلل القرار السيادي وانتظار الضوء الأخضر أو الأحمر من واشنطن، وهو سلوك لا يعبر عن قوى إقليمية مستقلة بل عن أطراف تدير أزماتها تحت سقف مرسوم لها.