أثارت زيارة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى العاصمة السورية دمشق، ولقاؤه بالرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع في "قصر الشعب"، موجة واسعة من الردود والتعليقات المتباينة على منصات التواصل الاجتماعي، وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بالنظر إلى التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا عقب الإطاحة بالنظام السابق، وتصدر الشرع للمشهد كقائد للمرحلة الانتقالية، وسط تداخل معقد بين الطموحات الاقتصادية لرأس المال والتقاطعات السياسية الإقليمية والدولية.
الانتعاش الاقتصادي والعودة إلى السوق السورية
وحظيت زيارة ساويرس وجولته في معالم دمشق، ولا سيما المسجد الأموي التاريخي، بتغطية وتفاعل واسعين؛ حيث نقلت "الإخبارية السورية" @AlekhbariahSY تصريحاً لساويرس، وجّه فيه رسالة للمستثمرين قائلاً: "إذا أنا جيت يبقى أنتوا لازم تيجوا كلكم"، في إشارة واضحة إلى تشجيع الاستثمار في البيئة السورية الجديدة.
وفي هذا السياق، علق الإعلامي هيثم أبو خليل عبر حسابه @haythamabokhal1 على الزيارة قائلاً: "الأخ نجيب ساويرس من المسجد الأموي يشعر بالانتعاش في سوريا الجديدة تحت حكم الأخ الرئيس أحمد الشرع وبعد التخلص من العصابة التي كانت تحكم البلاد على حد قوله".
https://x.com/haythamabokhal1/status/2070246374604427390
مصالح ساويرس
ورغم الأجواء الإيجابية للزيارة، قرأ العديد من الباحثين الخطوة من زاوية البراجماتية الاقتصادية البحتة؛ حيث أشار الصحفي والباحث محمد مرعي @mar3e إلى أن دخول ساويرس للسوق السورية ليس الأول من نوعه، إذ سبق له الاستثمار في قطاع الاتصالات إبان حكم النظام السابق عبر تأسيس شركة تعرضت لاحقاً للمصادرة وخسر إثرها ملايين الدولارات بعد اتهامات بالتجسس، ويرى مرعي أن ساويرس يسعى اليوم لإعادة التموقع في قطاعي الاتصالات والعقارات للاستفادة من مشاريع إعادة الإعمار، مؤكداً في الوقت ذاته أن الشعب السوري يحتاج لدعم الاستثمارات لإعادة بناء دولته المدمرة بغض النظر عن طبيعة من يحكم.
وفي قراءة أكثر حدة، ذكّر الناشط شادي لويس بطرس بالخلفية الاستثمارية لعائلة ساويرس، مشيراً إلى أنهم "هم من أسسوا شبكة المحمول لبشار في سوريا" قبل أن يتم إقصاؤهم، فضلاً عن قيامهم بمقاولات البنية التحتية لصالح البنتاغون في العراق وأفغانستان، مما يوضح طبيعة تحركات رأس المال العابر للحدود وتكيفه مع سلطات الأمر الواقع.
"الجولاني" في قائمة "تايم"
ويمثل الرئيس المؤقت أحمد الشرع حالة فريدة من التحول من العمل المسلح الميداني (حيث كان يُعرف سابقاً باسمه الحركي "أبو محمد الجولاني" كقائد لهيئة تحرير الشام) إلى رجل دولة يقود مرحلة انتقالية ويسعى لتقديم نموذج حكم مدني منفتح، هذا التحول كرسه ظهوره ضمن قائمة مجلة "تايم" الأمريكية لأكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم لعام 2025، حيث أشارت المجلة إلى دوره المحوري في الإطاحة بنظام الأسد وبناء تحالفات واسعة كسبت ثقة شرائح مجتمعية مختلفة بما فيها الأقليات.
وتعليقاً على هذا الاعتراف الدولي، يرى الأستاذ رأفت الرفاعي أن وجود الشرع في القائمة يمثل فرصة لإعادة بناء الثقة الدولية في سوريا، مشدداً على أن هذه الثقة يجب أن تُترجم ميدانياً عبر إرساء دولة المؤسسات والقانون، والاعتماد على الكفاءة والمحاسبة، وتحقيق العدالة الانتقالية لضمان استقرار طويل الأمد وتحقيق أهداف الثورة السورية الحقيقية.
كما يشير المغرد @Yassin44SYR إلى هذا التحول الاستراتيجي، معتبراً أن فصائل الثورة التي كانت تختلف مع الشرع سابقاً أصبحت اليوم تحت رايته، وأن مرونته السياسية وقدرته على إدارة ملفات شائكة مثل محاكمة المجرمين وإدارة العلاقة مع لبنان تظهر ملامح "سوريا الجديدة تحت حكم أبنائها".
علاقة دمشق بالقاهرة والمحور الإقليمي
على صعيد العلاقات الدبلوماسية، يرى المحلل مصطفى الجرف @MustafaAlaziz أن اهتمام حكومة الشرع بالتطبيع مع النظام المصري لا ينبع من وزن مصر الاقتصادي الحالي، بل من منطلق رغبة دمشق في تحييد ما تراه "عداءً جوهرياً وثابتاً" من نظام السيسي تجاه النموذج السوري الجديد، ويوضح الجرف أن نجاح حكم ذي خلفية إسلامية أو ثورية في سوريا يمثل خطراً وجودياً لسردية النظام المصري القائمة على فكرة "إنقاذ البلاد من حكم الإسلاميين والخراب"، ولذلك يسعى الشرع لاحتواء أي محاولات تهدف لزعزعة استقرار إدارته.
وفي إطار التوازن الإقليمي، برز الانفتاح الإماراتي كعامل أساسي؛ حيث كان زعيم الثورة المضادة عربيا محمد بن زايد أول رئيس عربي يهاتف الإدارة السورية الجديدة تأكيداً على دعم وحدة سوريا، وهو ما تعول عليه دمشق لرفع العقوبات الدولية والاستفادة من النفوذ الدبلوماسي لأبو ظبي في مرحلة إعادة الإعمار.
الاستراتيجية الخارجية: التوازن بين تركيا والخليج ومواجهة الكيان.
وتتأرجح السياسة الخارجية للشرع بين محاور متعددة، حيث حذر الدكتور رفيق عبد السلام @RafikAbdessalem دمشق مما وصفه بـ "التذاكي الزائد" والمراهنة على المحور الخليجي للحصول على الدعم المالي على حساب التحالف الاستراتيجي مع الجار التركي، واعتبر عبد السلام أن التباطؤ في توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع أنقرة خشية إغضاب العواصم الخليجية يعد خطأً تكتيكياً، كون تركيا هي السند الأمني الحقيقي في أوقات المحن.
https://x.com/RafikAbdessalem/status/1945483223359746427
وقد تجلى هذا التقارب التركي في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث حظي الشرع باهتمام إعلامي كبير والتقى بمسؤولين أتراك، من بينهم "خلوق بيرقدار" الرئيس التنفيذي لشركة "بايكار" للمسيرات (حسبما نقل حساب ردع العدوان @3MSI)، وعلق محمد أردوغان @MuhamedErdogan على هذا المشهد معتبراً إياه تجسيداً لمفهوم "الأمة الواحدة" ونصرة تركيا للشعب السوري.
https://x.com/3MSI/status/1910730223538110959