خسارة ثلث عمالة القطاع العام خلال 8 سنوات.. سياسات السيسي الفاشلة تُعمّق الأزمة الاقتصادية

- ‎فيتقارير

انخفاض في العاملين بالقطاع العام بنسبة 30%  خلال8 سنوات, كارثة اقتصادية بكل المقاييس؛ لأنه يعني تحول هذه النسبة إلى متعطلين عن العمل، وبالتي لا يملكون دخولا تمكنهم من شراء احتياجاتهم، مما يؤثر بدوره علي حركة التجارة الداخلية، وبالتالي لا توجد لديهم فوائض مالية لضخها في المشروعات الاستثمارية, تراجع العمالة يعني تراجع الإنتاج ما يترتب عليه زيادة فاتورة الاستيراد، وبدلا من النمو الاقتصادي تدخل الدولة في طور الانكماش الاقتصادي، وهذا ما حدث بالضبط للاقتصاد المصري  خلال إدارة المنقلب  عبد الفتاح السيسي للاقتصاد بطريقة عشوائية أدت في النهاية الي التراجع في معظم المجالات، وكانت المحصلة النهائية انكماش اقتصادي
أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نشرته السنوية لإحصاء العاملين في القطاع العام وقطاع الأعمال العام لسنة 2025, وفقا للنشرة السنوية، تراجع عدد العاملين بالقطاع العام من 620 ألف عامل في 2024، إلى 586 ألف عامل في 2025، بنسبة انخفاض قدرها 5.5%، بينما على مدار 8 سنوات انخفض عدد العاملين بقطاع الأعمال العام بحوالي 30% من 827 ألف عامل في 2017.
العاملين في القطاع العام والأعمال العام هم العاملين في الهيئات الاقتصادية المختلفة، بالإضافة إلى العاملين في الشركات الحكومية، هؤلاء بخلاف العاملين في الجهاز الإداري للدولة الذي تستهدف حكومة الانقلاب خفضه بشكل واضح خلال الأعوام الماضية.

ماذا قالت النشرة؟
 الانخفاض الضخم المفترض أنه في سياق سياسات الدولة في خفض عدد العاملين في الجهاز الإداري للدولة والقطاعين العام والأعمال العام، لكن لو نظرنا على الأرقام بشكل أكثر تفصيلا ممكن سوف نجد عدد من الملاحظات الهامة.
سوف نجد أن أكبر نسبة من العاملين في القطاع العام/ الأعمال العام هم العاملين في قطاع الإسكان والتعمير بنسبة 35.9% بينما العاملين في قطاع الصناعة والبترول يقترب من نصف النسبة دي بحوالي 19.7%، أما ثالث أكبر نسبة من العاملين في القطاع العام فهم الذين يعملون في قطاع الكهرباء بنسبة 17.9%.
 
بينما يمثل العاملين في الزراعة والأشغال العامة والموارد المائية حوالي 3.7% فقط من إجمالي العاملين في القطاع، وإذا نظرنا للعاملين في الخدمات الصحية والاجتماعية والدينية فسوف نجدهم2.6 % فقط من إجمالي العاملين في ثالث أقل قطاع نسبة من العاملين الإجمالي بعد المال والاقتصاد والثقافة والإعلام.
ولو قارنا الأرقام الحالية بالتوزيع النسبي للقطاعات الاقتصادية سنة 2017، سوف نجد أن النقل والمواصلات والطيران المدني كانت الأعلى توزيعا بنسبة 44.4%، والخدمات الصحية والقوى العاملة 23.3% والصناعة والبترول تأتي سابعا بنسبة 1.5% بينما الإسكان والتعمير في المرتبة الخامسة بنسبة 3.9%. 

ماذا يعني ذلك؟ 
الحقيقة فيه أسباب كتير أو بمعنى أصح عوامل أنتجتها سياسات المنقلب عبد الفتاح السيسي في التعامل مع القطاع العام، أبسطها هو تقاعد الأجيال القديمة وكبار الموظفين دون إحلال، وأكثرها أثرا وخطورة هو خفض عدد العاملين في المجالات الصحية الذين هم ببساطة الأطباء والمعلمين إلخ وهما القطاعين الذين تبخل فيهما حكومة الانقلاب في موازنتها موازنة بعد موازنة.
ونقطة تانية وهي ما يسمى "وثيقة سياسة ملكية الدولة" التي نتج عنها تخارج الدولة من عدد من القطاعات الاقتصادية وبيع حصصها في الشركات العامة بما فيها قطاعات وأصول استراتيجية مثل الموانئ والأسمدة والكيماويات وغيرها لصالح رجال أعمال مقربين من السلطة أو مستثمرين أجانب وخليجيين.
 
كل هذا بالإضافة لهيكلة الشركات الحكومية بخفض عدد العاملين وتقليص إنتاجها مثل مصانع السكر التي تعاني شركاته من توقفات جزئيا وكليا، أو حتى تصفية الشركات تماما مثل شركة الحديد والصلب، بجانب أمور ثانوية مثل محاولات التحول الرقمي باستبدال العاملين بالتكنولوجيا اللي ظهر بوضوح في قطاع مثل النقل والمواصلات.

تخمة الإسكان
أما الكرة المتدحرجة فهي استثمارات الحكومة في قطاع الإسكان والتعمير، خلال العقد الماضي أنتج القطاع العام متوسط 100 ألف وحدة سكنية سنويا، لكن الملاحظة المهمة هنا هو ارتفاع نسبة الإسكان الاستثماري إلى 28% في 2023/ 2024 مقارنة بـ 8% قبل 10 سنوات، والحقيقة هذه أرقام ليست بعيدة عن واقع نعيشه هناك عاصمة إدارية جديدة بمرحلتين بالإضافة الي المدن جديدة الموزعة على مختلف مناطق القطر المصري.
 
هذا أنتج تخمة في القطاع العقاري، سواء بسبب الوفرة الزائدة في هذا القطاع، أو حتى الأسعار التي تتعامل فيها الحكومة وكأنها مستثمر خاص بشرطة، رفع من أسعار الشقق الـ 85 متر في مشروع زي "سكن لكل المصريين" اللي بتوصل فيه أسعار الشقق إلى 600 ألف جنيه وترتفع إلى مليون وربع المليون في مشروعات أخرى فيها الشقة 100 متر، عبر عن هذه التخمة الجهاز المركزي للمحاسبات في ملاحظته حول مشاريع الإسكان، التي تظهر وجود أكثر من 218 ألف وحدة إسكان اجتماعي مقفولة.

تشوهات تنموية
كل ما سبق نقدر نسميه ما هو داخل في الموازنة، لكن ماذا عما هو خارج الموازنة، لدينا ملاحظة مهمة في موازنة السنة المالية الجديدة التي تبدأ في يوليو، وهي الاستثمارات العامة خارج الموازنة التي تسميها الحكومة مشروعات قومية وهي عبارة عن مشروعات بنية تحتية غير ذات أولوية واستثمارات لصناديق خاصة لا تصل أرباحها للموازنة، التي ارتفعت نسبتها إلى 5.3% من الناتج المحلي مقارنة بـ 2.3% من داخل الموازنة.
نحن امام وجهين للمشكلة التي تعمقها الحكومة، الأولى هي الموازنة الموازية التي هي عبارة عن صناديق خاصة ومشروعات قومية واستثمارات لجهات سيادية في الدولة، الحكومة تقولنا حرفيا ان هذه خارج الموازنة وليست لكم علاقة بها أي لا تعاملوها كمال عام.
بينما يتقلص المال العام الحقيقي أمام حقيقتين هو الاقتصاد الموازي للجهات السيادية والهيئات الحكومية، وما تسميه الحكومة تخارج من القطاعات الاقتصادية وهو الفرع الثاني للمشكلة.
هذا ببساطة لأنه بينما الدولة تتخارج من قطاعات استراتيجية وتكنولوجية مهمة ولا يوجد ما يملأ فراغها، فتزاحم القطاع الخاص على الإسكان الاستثماري والفاخر.
 
هذا اسمه تشوهات تنموية، وهي اختلالات هيكلية في الاعتماد بشكل مفرط على قطاع واحد وتهميش بل وتدمير القطاعات الأخرى أو بيعها بالكلية، مع تشوهات جغرافية في تعميق مشكلة المركزية وتكتل الثروة في إيد الجهات السيادية ورجال أعمالها المقربين منها من أجل الثراء السريع.
 
هذا بطبيعة الحال سوف نتج مشكلات كتير متعلقة بانعدام العدالة الاجتماعية وفجوات في سوق العمل وبطالة مقنعة بجانب أزمة أخرى تتعمق وهي اقتصاد الظل غير الرسمي، بلا حماية اجتماعية وبلا أجور عادلة وانعدام حصول العمال على حقوقهم، مقارنة بالحد الأدنى اللي ممكن يأخذه نسبة قليلة من العاملين بالقطاع العام الذي في نسبة كبيرة منه نفسه لا تطبق الحد الأدنى للأجور, وبالتالي بدلا من أن الدولة تقولنا اننا نعمل على إعادة هيكلة القطاع العام وإزالة تخمة الموظفين، تفتكر أنها تحل مشكلة وتنتج مشكلات اقتصادية وتنموية واجتماعية أعمق.