تحتفي حكومة الانقلاب بتراجع النمو السكاني وتراجع نسبة الخصوبة لدي المصريين، مما يدل على عدم إدراكها لأهمية القوة البشرية التي هي في الواقع أهم ثروة يمتلكها الشعب المصري، حيث تمثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج الرقم الأكبر في مصادر النقد الأجنبي للخزينة المصرية، ويمثل عدد الشباب الذين يمكن تجنيدهم في الجيش القوة الضاربة للجيش المصري.
والصادم في الامران هذا التراجع جاء نتيجة تدخل مباشر من مؤسسات غربية دعمت برامج تخفيض أعدد المصريين بتقديم دعم مالي مباشر، في الوقت التي تعمل فيه دولها للبحث عن حلول لمشكلة الشيخوخة التي المت بمجتمعاتهم وتآكل القوة البشرية العاملة وزيادة اعداد كبار السن الذين يشكلون عبء على دولهم.
وإذا استمر تراجع النمو السكاني في مصر لعقد او عقدين من الزمان سوف تتضرر القوة البشرية المصرية العاملة بصورة مباشر عندما يصبح كبار السن هم الذين يمثلون قاعدة الهرم السكاني، عندها تتراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج وتتراجع مساهمات العاملين في الداخل قي صناديق التأمينات وترتفع تكلفة رعاية كبار السن الذين لن يجدوا الموارد الكافية للصرف عليهم.
كشف تقرير رسمي لوزارة الصحة الثلاثاء الماضي، عن تغيير لافت في خريطة مصر السكانية، معلنا انكماش المناطق ذات الكثافة السكانية وتراجع عدد المحافظات الأكثر اكتظاظا بالسكان، واستمرار تراجع معدلات الإنجاب مسجلا انخفاضا بأعداد المواليد لأول مرة إلى أقل من مليوني مولود خلال 2025.
وتحدث الإصدار الثامن من المؤشرات السكانية"، عن تحسن ملموس بخريطة التنمية السكانية، كاشفا عن انكماش عدد المناطق الحمراء "الأكثر احتياجاً للتدخل" إلى 20 منطقة فقط بنهاية 2025، مقارنة بـ 43 منطقة في الإصدار السابع، نزولا من 74 منطقة بالإصدار السادس.
ومن أبرز نتائج الإصدار الثامن: ارتفاع عدد المحافظات الخالية تماماً من المناطق الحمراء إلى 13 محافظة بنهاية 2025، مقارنة بـ 3 محافظات في الإصدار السادس، إذ ارتفعت أعداد المناطق المصنفة كـ"صفراء وخضراء" وهي الأفضل تنموياً؛ لتسجل الصفراء 223 منطقة "مقارنة بـ194"، وتصل الخضراء إلى 39 منطقة "مقارنة بـ14 منطقة.
وأشارت الأرقام التي نقلتها وزارة الصحة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لانخفاض أعداد المواليد العام الماضي تحت حاجز المليونين لأول مرة منذ سنوات، بمعدل مولود كل 15.9 ثانية، مع تراجع معدل المواليد إلى 18.1 في الألف "مقارنة بـ19.4 في الألف عام 2023"، وانخفاض معدل الإنجاب الكلي إلى 2.34 طفل لكل سيدة مقارنة بـ 2.54 طفل في 2023"
احتفاء حكومي
و شهدت جميع مؤشرات احتفاءً واسعا من وزارة الصحة والإعلام الحكومي والخاص الداعم للانقلاب ، حيث تعد وفق رؤية وزير الصحة خالد عبدالغفار: "إنجاز كبير في ضبط معدلات النمو السكاني وتحسين الخصائص الديموغرافية"، وإحدى نقاط نجاح رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الذي دفع منذ أول أيامه بالسلطة منتصف 2014، نحو خفض معدلات الزيادة السكانية، وتقليص نسب المواليد.
وفي حين أكد رأس النظام مرارا أن النمو السكاني السريع يعيق تنمية البلاد ومواردها؛ تحتل مصر المرتبة الـ13 من حيث عدد سكان العالم، وتعد أكثر بلدان العالم العربي والشرق الأوسط سكانا، وثالث أكثر الدول اكتظاظًا بالسكان في أفريقيا، بعد نيجيريا وإثيوبيا.
ومثل انخفاض معدلات الخصوبة بشكل ملحوظ بالعقد الماضي، من" 3.5" طفل لكل امرأة عام 2014 إلى" 2.41"عام 2024، خطوات غير كافية أو مقنعة لحكومة تتحدث عن هدف خفض ذلك المعدل إلى (2.1) عام 2027.
وقدم وزير التخطيط أحمد رستم إلى مجلسي "النواب، الشيوخ" وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمدة 3 سنوات، محددةً أولويات الدولة وأهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها بحسب ما نقله موقع "برلماني"، خفض معدل النمو السكاني تدريجيا ليصل 1.5 بالمئة في" 2026/2027"، ثم إلى نحو 1.3 بالمئة خلال "2029/2030". وبين نوفمبر 2024 أغسطس 2025، سجلت مصر 1.48 مليون ولادة – بمعدل 5165 ولادة في اليوم، أو ولادة واحدة كل 16.7 ثانية، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في أغسطس 2025.
وتمثل تلك الأرقام وفق مراقبين خسارة كبيرة لمصر ومحاولة لتقزيم دولة بحجمها وتاريخها"، منتقدين التوجه الذي يخالف توجه عدد كبير من الدول الصناعية كالصين، و الدول الغربية كأغلب أوروبا، والإسلامية مثل تركيا"ز
منطق عبء لا ثروة
في رؤيته، لخطورة تلك الأرقام على المجتمع المصري وعلى تراجع نسب الشباب وزيادة معدلات الشيخوخة مستقبلا، وحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة من مواصلة هذا التوجه، ومدى اعتباره إحدى الإملاءات الغربية، تحدث الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير قائلا إن: "احتفال النظام بانخفاض عدد السكان دليل مهانة وتخلف حضاري، ففي حين تقاتل دول توصف بالتمدن والتحضر لزيادة عدد سكانها، وتستخدم عشرات الوسائل للترغيب في الانجاب، والهجرة إليها، واستقبال ملايين اللاجئين، للاستفادة منهم كقوة بشرية تبني الحضارة والعمران؛ للأسف بمصر الوضع معاكس,مؤكدا أنه "لذلك فتلك الأرقام لا يجوز قراءتها كـ "إنجاز" مجرد"، مضيفا "نعم قد يكون ضبط النمو السكاني مطلوبًا في حالات نادرة؛ ولكن المشكلة أن النظام المصري يتعامل مع الإنسان بوصفه عبئًا على الموازنة لا ثروة وطنية تحتاج تعليماً وصحة وفرص عمل".
ويرى المنير، أن "الخطر ليس في خفض الإنجاب وحده، بل في خفضه داخل دولة تفشل في بناء الإنسان، وتدفع الشباب للهجرة أو البطالة أو اليأس"، مشيرا إلى أن "مصر ليست دولة صغيرة تخشى الزيادة العددية فقط؛ مصر دولة مركزية بالإقليم، وقوتها التاريخية قامت على الكتلة البشرية، والجيش، والسوق، والعمالة، والعمق الاجتماعي، لافتا إلى أنه "عندما تتحول السياسة السكانية إلى خطاب لوم للفقراء وتحميلهم المسئولية في حين أن النظام ورموزه ينهبون المال العام بلا رقيب؛ يصبح الأمر أقرب إلى تبرئة السلطة من فسادها وفشلها الاقتصادي".
وأوضح أن "الأزمة ليست أن المصريين ينجبون، بل أن السلطة تهدر الموارد في مشروعات استعراضية وديون ضخمة، ثم تطلب من الأسرة المصرية أن تدفع الثمن".
تحرك حكومي متواصل
وأطلقت وزارة الصحة 5 سبتمبر 2023، الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية" 2023-2030"، التي تضم إحدى محاورها تحفيز المتزوجات على عدم إنجاب أكثر من طفلين بتقديم منحة سنوية 1000 جنيه، بجانب إطلاق حملة "اثنان يكفيان"، فيما تشير الأرقام لزيادة استخدام وسائل تنظيم الأسرة من 66.4 بالمئة عام 2021 إلى 75 بالمئة في 2023.
وفي يونيو 2023، كشف تصريح للطبيبة بمستشفى أبوحمص بمحافظة البحيرة وأمينة المرأة بحزب "حماة الوطن"، بثينة جنيدي، عن تركيب وسائل منع الحمل للنساء في المحافظة عقب الولادة، بدعوى تنظيم النسل، ما أثار جدلا قانونيا وطبيا واسعا.
وفي حين كان عدد سكان مصر حوالي 10 ملايين نسمة عام 1897، تسجل الساعة السكانية 109.094.849 ملايين نسمة، صباح الجمعة، يشكل الذكور 51.4 بالمئة والإناث 48.6 بالمئة، فيما تشير توقعات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى تسجيل نحو 160 مليون نسمة بحلول عام 2072.
مخاطر تلك التغيرات
ويرى المنير، أنه "على المدى البعيد، فإن استمرار الهبوط الحاد في المواليد قد يُغيّر الهرم السكاني، حيث تقل نسبة الشباب، وترتفع الشيخوخة، ويضعف سوق العمل، وتزيد أعباء المعاشات والصحة، وتتراجع القدرة الإنتاجية والتجنيدية والاستهلاكية"،
وأشار إلى أن "الصين، وأوروبا، وتركيا، اليوم لا تحتفل بانخفاض الخصوبة، بل تخاف منه وتحاول عكسه بالحوافز والدعم الأسري".
ووفق رؤيته فإنه "اقتصادياً، الخسارة المحتملة ليست فقط في عدد السكان، بل في فقدان "العائد الديموغرافي"، موضحا أن "مصر كان يمكن أن تحول كتلتها الشبابية إلى قوة تصنيع وتكنولوجيا وزراعة وخدمات، لكنها حولتها إلى طوابير بطالة وهجرة ودروس خصوصية". لذلك يؤكد أن "خفض الإنجاب دون نهضة تعليمية وصناعية هو إدارة للفقر لا علاج له"
ووفق منتدى البحوث الاقتصادية (ERF) فقط سجلت مصر عام 1998 طفرة في فئة الشباب "من 10 إلى 19 عامًا"، لتبلغ عام 2006، الذروة الفئة العمرية من "15 إلى 24 عامًا"، وفي عام 2012 بلغت ذروة جيل الشباب الفئة العمرية من "25 إلى 29 عامًا"، وفي عام 2018، بلغت" من30 إلى 34 عامًا"، مع انخفاض عدد السكان في الفئة العمرية من" 20 إلى 29 عامًا".
وتتصدر القاهرة أكثر المحافظات اكتظاظا بالسكان، بـ 10.39 مليون نسمة، تليها الجيزة بـ 9.7 مليون، ثم الشرقية في بـ 8.06 مليون نسمة، فيما يسجل الصعيد أعلى معدلات مواليد في أسيوط (23.8 لكل 1000)، وسوهاج (23.7)، وقنا (22.3)، والمنيا (21.9)، وبني سويف (20.7)، على عكس أدنى المعدلات سجلتها بورسعيد (11.8)، ودمياط (14.3)، والدقهلية (15)، والغربية (15)، والإسكندرية (15.4).
ما السر خلف يدعم الغرب لخفض عدد سكان مصر؟
تشارك مؤسسات دولية تابعة للأمم المتحدة مثل: صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، بتقديم الدعم الفني، والتمويل، لمصر في ملف السكان. وتشير الأرقام إلى تمويل الاتحاد الأوروبي "الاستراتيجية القومية للسكان في مصر"، ب ـ39 مليون يورو، المرحلة الأولى بين (2018 – 2023) بقيمة 27 مليون يورو والمرحلة الثانية (2023-2030) بقيمة 12 مليون يورو، بهدف دعم خطط الدولة لتخفيض معدلات النمو السكاني، وتوفير وسائل تنظيم الأسرة.
وإلى جانب منح الاتحاد الأوروبي، تأتي تمويلات "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" لدعم خدمات تنظيم الأسرة، و"الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي"، التي وقعت اتفاقيات تمويلية مع صندوق الأمم المتحدة للسكان لدعم الصحة الإنجابية، وتحويل أجزاء من الديون الإيطالية والألمانية لمشروعات تمكين المرأة وتنمية الأسرة. وبشكل خاص يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبدعم من الاتحاد الأوروبي في مصر، لتوسيع نطاق خدمات تنظيم الأسرة، بما في ذلك وسائل منع الحمل وجعلها في متناول الجميع.
وفي ديسمبر 2023، اختتم مشروع دعم الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية الوطنية للسكان في مصر بالتعاون مع الصندوق بعد 5 سنوات عمل بمنحة الـ27 مليون يورو، بمشاركة منظمات دولية بينها "كير" السويسرية، ليعلن الاتحاد الأوروبي عن تمويل برنامج جديد بين "2023-2030".
التمويل الغربي لملف تنظيم الأسرة وخفض معدلات النمو السكاني والخصوبة والمواليد، تعدى المنظمات الدولية، والاتحاد الأوروبي، والوكالات الدولية الأمريكية والأوروبية، إلى دخول شركة "باير"، (Bayer AG) الألمانية -تأسست عام 1863 بمدينة بارمن- هذا الجانب من حياة المصريين.
ففي أبريل 2025: أعلنت "باير" وصندوق الأمم المتحدة للسكان تمديد شراكتهما لثلاث سنوات إضافية" 2026-2028"، بتقديم مساهمة قدرها 100 ألف يورو من الشركة، مما يزيد إجمالي تمويلها لمصر إلى 170 ألف يورو، مع تبرع بـ 900 ألف يورو.
بين الإملاءات والموقف الوطني
وعن الدور الغربي أو ما يصفه معارضون بـ"الإملاءات الغربية" على مصر في هذا الملف، قال المنير: "يجب التمييز، فلا أقول إن كل تنظيم للأسرة مؤامرة، لكن من الواضح أن هناك تقاطعاً بين خطاب السلطة ومشروعات دولية ممولة تركز على خفض الخصوبة وتغيير أنماط الأسرة".
وأوضح أن "الغرب لا يريد بالضرورة "إبادة ديموغرافية، لكنه يريد دولة مصرية مستقرة "وظيفياً" تلبي أجندته في المنطقة، قليلة الضغط، قابلة للإدارة، لا دولة ناهضة مكتفية ذاتياً وقادرة على المنافسة الإقليمية"، وشدد على أن "الموقف الوطني الرشيد لا يكون بالاحتفاء السلطوي بتقليص اعداد المصريين"، مؤكدا أن "المطلوب سياسة سكانية متوازنة، عبر دعم الأسرة، وتحسين التعليم، وتشغيل الشباب، وتمكين اقتصادي حقيقي، وعدالة توزيع، ووقف تحميل الشعب نتائج فشل السلطة الحاكمة.