جزار رابعة والنهضة : “المتقاعد” محمد إبراهيم يعود من الهامش لتدوير سردية السيسى عن المجزرة

- ‎فيتقارير

ظهر جزار  رابعة، النهضة  وزير داخلية الانقلاب الأسبق، اللواء محمد إبراهيم، مجددا عبر شاشة قناة "صدى البلد" في برنامج "نظرة" مع الأمنجي حمدي رزق، في ظهور مبرمج بعناية، على هامش تدشين كتاب يحمل عنوان "رجل الأقدار.. سيرة قائد ومسيرة وطن"، والمخصص للاحتفاء بزعيم الانقلاب عبد الفتاح السيسي، ليمثل نفسه  كواحد من أبرز المتورطين في المجازر الدموية لفض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة السلميين عام 2013، نموذجًا صارخًا لكيفية إعادة تدوير الوجوه التي أدت أدوارها الخشنة، ثم جرى إقصاؤها مبكرًا لتبقى على هوامش السلطة؛ تقتات على فتات الظهور التلفزيوني الرسمي لتلميع المنقلب عبد الفتاح السيسي وإعادة صياغة التاريخ المعاصر بما يتوافق مع الرواية الأمنية الحاكمة.

التدوير داخل حدود الهامش

 

تحرك محمد إبراهيم في تصريحاته الجديدة لعام 2026 ضمن المساحة المسموح بها بدقة من قبل أجهزة المنقلب السيسي؛ مساحة لا تسمح له بإنتاج سيرة ذاتية مستقلة، بل تجعله مجرد شاهد "متقاعد" وظيفته الوحيدة الثناء على "رجل الأقدار"، صبّ الوزير الأسبق في 3 يوليو 2026، جام هجومه على جماعة الإخوان المسلمين والرئيس الشهيد د.محمد مرسي، معتبرًا أن قيادات الجماعة "ليسوا رجال دولة" وافتقروا تمامًا للتقدير السياسي السليم، زاعمًا أن خطابات مرسي الأخيرة "زادت الطين بلة" ورددت اتهمات وسخافات بدلاً من احتواء الموقف.

 

اللافت في السردية هو محاولته تبرير العجز السياسي والتقني للأجهزة الأمنية إبان أحداث يونيو 2013؛ حيث ادعى بسخرية أن قيادات الإخوان ظنوا حشود المعارضة مجرد "فعالية عادية" سيتسرب إليها الملل بقدوم الليل ويغادرون الميادين، متجاهلين ملايين المصريين التي رصدها العالم بأسره حسب قوله، كما عرج على فكرة المظلومية الأمنية، مدعيًا أن الجماعة حاولت ترويج شائعات حول اعتزامها اعتقال وزير الداخلية وقيادات الوزارة لإحداث بلبلة في صفوف القوات.

وتتجلى التناقضات الصارخة في خطاب وزير داخلية الانقلاب عند مضاهاة تصريحاته الحالية بسلوكه الفعلي المسجل عام 2013، يزعم إبراهيم في مقابلته الأخيرة (يوليو 2026) وحواراته السابقة أنه اتخذ قرارًا مبكرًا بالانحياز للشعب، وأنه أبلغ مرسي صراحة بأن الشرطة لن تطلق رصاصة واحدة على المتظاهرين، بل واعترف صراحة ولأول مرة بأنه "تعمد عدم تأمين مقرات جماعة الإخوان" لأنه اتخذ قرارًا داخليًا بأن حكمهم لا يصلح لإدارة البلاد.

 

هذا الاعتراف المتقدم ينسف تمامًا جبال البيانات والمؤتمرات الصحفية التي عقدها إبراهيم نفسه خلال الربع الأول من عام 2013؛ حيث كان يخرج مرارًا ببدلته الرسمية ليعلن أن "الشرطة هي هيئة مدنية نظامية تؤدي دورها في حماية منشآت الدولة ومقرات الأحزاب الحاكمة والمعارضة على حد سواء دون تسييس".

إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك، ففي أحداث محيط قصر الاتحادية والمواجهات الدامية حول المقر الرئيسي للإخوان بالمقطم، واجهت الشرطة اتهامات حادة من القوى المدنية والمعارضة بأنها تقمع المتظاهرين وتحمي نظام مرسي، بينما يكشف إبراهيم اليوم أنه كان يمارس لعبة مزدوجة، برفع الغطاء الأمني عن مقرات معينة عمداً لتعجيل سقوط النظام الذي أقسم على الولاء له.

صراع الولاءات

تتمدد مساحة التناقض لتشمل طبيعة علاقة إبراهيم برئاسة الجمهورية عام 2013، فالرجل يصر حاليًا على تصوير تلك الفترة باعتبارها صدامًا صامتًا ومستمرًا، مدعيًا أنه رفض بغضب طلبات قادة الجماعة مثل خيرت الشاطر وأسعد الشيخة بقمع المعارضة وحركة تمرد، وأنه كان يرى خطاباتهم مجرد "سخافات".

 

الوثائق التاريخية تكذب هذه البطولات المتأخرة؛ فمحمد إبراهيم تم تعيينه في يناير 2013 خلفًا للواء أحمد جمال الدين، الذي تمت إقالته تحديدًا لرفضه (بحسب الزعم الذي مارسه إعلام المتحدة) قمع المتظاهرين في أحداث الاتحادية الأولى ديسمبر 2012، إلا أن الواقع يؤكد تراخيه والذي كشفت الأيام تورطه في ذات الأحداث ما أسقط 10 شهداء بينهم 9 من أبناء الإخوان بعد ترك البلطجية وحملة السلاح في اصطياد الشباب.

قبول إبراهيم للمنصب في تلك اللحظة الحرج جاء بناءً على توافق كامل وتعهد بالتعاون مع مؤسسة الرئاسة الشرعية لإعادة الانضباط للشارع، وخلال أشهر حكمه الأولى، لم يظهر الوزير أي بادرة خلاف علني، بل نفذ السياسات الأمنية المقرة، وأجرى حركة تنقلات وإقالات واسعة في قطاع الأمن الوطني في فبراير ومارس 2013 أطاح فيها برئيس القطاع، وهي الخطوة التي وصفتها جبهة الإنقاذ المعارضة حينها بأنها "أخونة ورضوخ كامل لتفكيك الأمن القومي"، مما يجعل حديثه الحالي عن الصمود ورفض خطط الجماعة نوعًا من تزييف الوعي لتثبيت شرعيته في العهد الجديد.

حقيقة الحشود وخدعة الممرات الآمنة

 

تصل التناقضات ذروتها عند تفكيك الرواية الأمنية حول حجم الحشود والمعرفة بها، فبينما يسخر إبراهيم في يوليو 2026 من "غباء الإخوان" الذين اعتقدوا أن التظاهرات (30 يونيو) فعالية عادية ستنتهي بالليل، نجد أنه صرح نصًا لجريدة "اليوم السابع" عام 2017 بـأنه ذهب بنفسه إلى مرسي وحذره قائلاً: "أبلغت "المعزول" مرسي بأن الشعب كله سينزل إلى الشارع، والبلد دخلت نفقًا مظلماً"، يثور هنا تساؤل مهني وحقوقي: إذا كانت الأجهزة الأمنية قد نقلت الصورة الدقيقة والاستخباراتية للرئاسة، فكيف يزعم اليوم أنهم لم يمتلكوا تقديرًا سليمًا وظنوا الأمر فعالية عادية؟

 

أما التناقض الأكبر والأكثر دموية، فيرتبط بالمؤتمر الصحفي العالمي الذي عقده وزير داخلية الانقلاب مساء يوم الفض الأسود في 14 أغسطس 2013، يومها، شدد بحسم على أن قواته وفرت "ممرات آمنة" عبر طريق النصر باتجاه المنصة لخروج المعتصمين السلميين دون ملاحقة حرصًا على الأرواح. لاحقًا، نسفت التقارير الحقوقية الدولية، وشهادات الناجين، وحتى مداولات المحاكم عام 2016 التي مَثَل فيها إبراهيم شاهدًا، هذه الفرية؛ حيث ثبت أن تلك الممرات تحولت إلى مصائد للموت المحقق وبؤر للاعتقال العشوائي وإطلاق النار الكثيف على العُزل، وهو ما برر الحصاد المرعب لآلاف الضحايا والمصابين في غضون ساعات قليلة، وهو ما نسف السردية الأمنية حول "سليمة ونزاهة الفض".

دوامة التصفيات السيادية

 

على الرغم من الخدمات الهائلة التي قدمها محمد إبراهيم لإنجاح مخطط المنقلب السيسي، إلا أن مصيره لم يخرج عن القاعدة التاريخية للتخلص من الأدوات الخشنة فور انتهاء صلاحيتها الوظيفية، تتبع المحطات الأمنية الموثقة يؤكد كيف أُلقي بالجنرال خارج سفينة الحكم سريعًا وبطريقة مهينة:

سبتمبر 2013: تعرض موكب الوزير لمحاولة استهداف بعبوة متفجرة؛ ورغم إدانة المعارضة للحادث وتمسكها بالسلمية، إلا أن الوزارة وظفت الواقعة فورًا لمد حالة الطوارئ وتوسيع رقعة القمع والبطش والاعتقالات الجسيمة ونفى حينها التخالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب الحادث وأخلى مسؤوليته عن محاولة اغتياله.

 

فبراير 2014: أظهر الوزير وجهه العنيف ضد رجاله؛ حيث كشف منشور سري أرسله مساعده اللواء أحمد حلمي إلى رئيس الوزراء حازم الببلاوي، أن إبراهيم طالب بفض اعتصامات أمناء الشرطة الفئوية بالمحافظات بالقوة العسكرية الجبرية، مهددًا إياهم بإنتاج "مجزرة رابعة جديدة" وسط تذمر داخلي من انتهاكه للإنسانية.

 

مارس وأبريل 2014: قاد الوزير حملات قمعية وحشية في المحافظات، أبرزها ما جرى في الغربية؛ حيث عقد ورشة عمل سرية بنادي طنطا بعد طرد الإعلاميين، وأعطى الضوء الأخضر لتعذيب المعتقلين بمقار أمن الدولة وتلفيق القضايا، مع التخطيط لتدبير تفجير ضخم بالمحلة الكبرى في 6 أبريل لضرب حراك حركة 6 إبريل وتمرير قانون الإرهاب الجديد الصادر عن المنقلب السيسي.

 

ديسمبر 2014: بدأت ملامح الإطاحة بإبراهيم تلوح في الأفق إثر صراع الأجهزة السيادية (المخابرات ضد الداخلية). وجرى تسريب أخبار تتهم جهاز "الأمن الوطني" بالضلوع في تفجير مديرية أمن الدقهلية (ديسمبر 2013) عبر أحد مرشديه، لإفشال رواية إبراهيم وتوريطه، بالتزامن مع رغبة إقليمية ودولية للتخلص من الوجوه الدموية كقربان لمصالحات سياسية مع دولة قطر لتهدئة الأجواء.

الإقالة والملاحقة القضائية

 

شهد مطلع عام 2015 الستار الأخير في المسرحية الوظيفية لوزير داخلية الانقلاب؛ ففي 23 فبراير 2015، بثّت قناة الجزيرة تسريبًا صوتيًا سريًا وكارثيًا لإبراهيم في اجتماع مغلق مع ضباطه، يعترف فيه بدعم 30 يونيو، ويأمر صراحة بالضرب بالرصاص الحي لقمع المظاهرات ومنع تجمعات المعارضين حتى "لو كان عند الجامع"، مطالبًا ضباطه بتغطية وجوههم لمنع التعرف عليهم، مما أطلق موجة سخرية عارمة بالمنصات تحت وسم "تسريب وزير الداخلية" وعبارات تهكمية مثل "مبروك النقاب يا بطة".

https://www.facebook.com/FJParty/videos/938113109583479

 

لم يتأخر الرد العقابي من المنقلب السيسي؛ ففي يوم الخميس 5 مارس 2015، أصدر السيسي قرارًا رسميًا بإقالة اللواء محمد إبراهيم وتعيين اللواء مجدي عبد الغفار (ابن جهاز الأمن الوطني) خلفًا له، جاءت الإقالة مبررة بالفشل في كبح الحراك الثوري المتنامي والعجز عن السيطرة على الانفلات الأمني وتفجيرات العاصمة واستهداف الأفراد، ليخرج إبراهيم مطرودًا وسط ابتهاج شعبي؛ حيث علق الخبير الأمني العميد طارق الجوهري حينها بأن "السفاح الأصغر سقط بيد السفاح الأكبر" متوقعًا تصفيته أو تهريبه، فيما طالب الكاتب تامر أبو عرب بمحاسبته جنائياً ليلتزم بـ"البدلة الحمراء" بدلاً من البيجامة والمعاش المريح، وتساءل الأكاديمي السعودي محمد الحضيف إن كان القاتل سينجو من دماء الآلاف.

 

ولم تقف الملاحقة عند حد الإقالة، ففي 5 مايو 2015، اضطر النائب العام هشام بركات لفتح تحقيقات موسعة في البلاغ رقم 8650 لسنة 2015 عرائض النائب العام المقدم من نقابة الصحفيين وأسرة الصحفية الشهيدة ميادة أشرف ووالدها ضد محمد إبراهيم، لاتهامه جنائيًا وسياسيًا بقتلها في أحداث عين شمس عام 2014، بعد شهادة زميلتها أحلام حسانين بأن الرصاص القاتل انطلق من تمركزات قوات الشرطة، ليبقى جنرال الدم ملاحقًا بجرائمه، محبوسًا في هامش السلطة، لا يُستدعى إلا لشهادة زور يعيد فيها إنتاج أكاذيبه المكررة. كما اتهمته "الصحفيين" في بلاغ للنائب العام محمد إبراهيم بقتل ميادة أشرف

https://www.facebook.com/Youm7/posts/1075325905871404

جولات الاستعراض الخارجي

 

عقب الإقالة، مُنح محمد إبراهيم منصبًا شرفيًا كمستشار أمني لرئيس الوزراء، وجرى توظيفه في مرافقة الوفود الرسمية للخارج. وفي تلك الفترة، وتحديدًا أثناء جولاته في دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا، ظهرت شبكات التوظيف الرخيصة لـ"شباب مؤيدي السيسي في الخارج"، وتحديدًا الشاب أحمد ميدو، الذي كان يحرص على التقاط صور تذكارية واسعة مع إبراهيم لاستعراض نفوذه وعلاقاته برمز القمع، المفارقة أن هذا الشاب (أحمد ميدو) تعرض لاحقًا لعلقة ساخنة وضرب مبرح في لندن على يد الشقيقين المعارضين أنس حبيب وطارق حبيب، ظهر بعدها في المستشفى والشارع بالجبس الكامل كـ"عاهة" مستديمة، وهي الواقعة التي روجت منصات التواصل أن المنقلب السيسي حاول استخدامها كورقة ضغط ومقايضة دبلوماسية فاشلة مع الحكومة البريطانية للإفراج عن المعتدين مقابل تسوية ملف المعتقل السياسي علاء عبد الفتاح، إن هذه المسيرة الممتدة من دماء رابعة إلى زوارق الهامش والفضائح الخارجية، تكشف بوضوح السعر الحقيقي للأدوات الأمنية في سوق الانقلابات العسكرية.

https://www.facebook.com/europe.7/videos/664226190047180/