تواجه منظومة العدالة وحقوق الإنسان في مصر منعطفاً هو الأكثر قتامة، حيث تواترت التقارير الحقوقية الصادرة عن مراكز رصد مستقلة تؤكد تفشي ظاهرة الموت داخل مقار الاحتجاز وسجون السلطة الأمنية، تارة نتيجة التعذيب المباشر الممنهج، وتارة أخرى عبر القتل خارج إطار القانون بالتصفية الجسدية المباشرة، أو الإهمال الطبي المتعمد عقب فترات ممتدة من الإخفاء القسري.
تصفية فجرية بدم بارد لشابين في أسيوط
وكشف حقوقيون عن أنه فجر الخميس 21 مايو الماضي، اقتحمت قوة أمنية تابعة لوزارة الداخلية المصرية منزلاً سكنياً بمركز "ساحل سليم" التابع لمحافظة أسيوط بصعيد مصر، وطبقاً لتوثيق منصة "جِوار لحقوق الإنسان"، أسفر الاقتحام عن تصفية الشابين:
عامر محمود علي (الذي كان يمارس حياته الطبيعية ويدير مكتب سفريات بالمدينة ويستعد لإنهاء إجراءات تقاضٍ في خصومة ثأرية تم التصالح فيها).
وابن خاله الشاب اليتيم صالح محمد محمود ثابت (وهو العائل الوحيد لأمه وشقيقاته).
وتمت عملية القتل المباشر بإطلاق الرصاص الحي بكثافة على الشابين وهما نائمان في فراشهما دون أدنى مقاومة، وفي توقيت ينتهك حرمة المنازل وخلال الأشهر الحرم.
وسعت وزارة الداخلية فور وقوع الجريمة إلى تسويق الرواية الأمنية المعتادة، مدعية حدوث "اشتباك مسلح" مع الشابين، ومستندة إلى اتهامات قديمة تعود لأحداث فض ميدان رابعة عام 2013، على الرغم من صغر سنهما الشديد في ذلك الوقت بما يستحيل معه واقعياً وعقلياً مشاركتهما في تلك الأحداث.
مساعي التلفيق تحطمت أمام ركيزتين أساسيتين
وفي تقرير الطب الشرعي جاء حاسماً ليثبت بطلان الرواية الرسمية كلياً، مؤكداً غياب أي آثار لإطلاق نيران من جانب الشابين أو وجود بارود على أيديهما.
وفي شهادة الجيران والشهود أكدوا بشكل متطابق أن القوات المقتحمة أحضرت معها أسلحة ومواد مخدرة عقب انتهاء التصفية، وقامت بوضعها في مسرح الجريمة لتلفيق قضية سلاح وتبرير القتل بدم بارد.
اغتيال صامت للصيدلي "عمرو هيكل"
وتابع "مركز الشهاب لحقوق الإنسان" ببالغ القلق جريمة الاغتيال الصامت التي راح ضحيتها الصيدلي الدكتور عمرو عبد النبي هيكل. وتبدأ فصول المأساة من تاريخ 24 يونيو 2020، حينما اقتحمت قوة أمنية منزله في مدينة "القناطر الخيرية" واختطفته تعسفياً برفقة زوجته الدكتورة دينا عبد الرحمن، ليتم إخفاؤهما قسرياً بشكل كامل لسنوات دون عرض على جهات التحقيق أو اتصال بالعالم الخارجي.
في سبتمبر 2024، ظهر اسم الدكتور عمرو فجأة في القضية رقم 2145 لسنة 2023 حصر أمن دولة عليا، دون تمكينه من المثول الفعلي أمام المحكمة أو النيابة، حيث كانت الجهات الأمنية تتعذر بـ "وجوده في المستشفى" كغطاء لإخفاء تدهور حالته الصحية نتيجة التعذيب الممنهج وسوء التغذية، حتى تلقت أسرته صدمة وفاته واستلام جثمانه من مشرحة مستشفى الزقازيق العام دون تزويدهم بأي تقرير طبي رسمي يوضح أسباب الوفاة.
وأفادت شهادات المشيعين الذين حملوا جثمان الصيدلي الراحل بوجود شبهات تعذيب قوية وإهمال طبي متعمد؛ حيث لاحظوا "خفة وزنه الشديدة وغير الطبيعية" كدلالة على تجويعه وحرمانه من العلاج لسنوات، وفرضت قوات الأمن حصاراً خانقاً على الجنازة، مجبرة الأهالي على إتمام الدفن ليلاً مع حظر إقامة العزاء تماماً.
وفي ذات السياق، تطلق المنظمات الحقوقية نداء استغاثة عاجل لإنقاذ زوجته المحتجزة، الدكتورة دينا عبد الرحمن، التي تعاني من تدهور حاد في حالتها الصحية والنفسية بالزنزانة إثر الصدمة وظروف الاحتجاز غير الإنسانية.
متابعة المتورطين
ورداً على سياسة الإفلات من العقاب التي تحمي الضباط من المساءلة القضائية المحلية، بادرت منصات حقوقية ونشطاء رقميون (مثل حساب "صوت حر – عقرب" و منصة "جيل زد من أجل مصر") بنشر السجلات الشخصية والمهنية للضباط المسؤولين عن مأساة الصيدلي عمرو هيكل وزوجته دينا عبد الرحمن، تحت شعار "وقت الحساب قادم ولا حصانة للمجرمين".
وتضم قائمة المتورطين التي نشرتها المنصات الحقوقية عناصر بين رتب قيادية وضباط وأفراد توزعوا بين قطاع الأمن الوطني والمباحث الجنائية على النحو التالي:
- العميد أسامة حسن علي مشهور: شغل وقت وقوع الانتهاكات منصب رئيس مباحث القناطر الخيرية، وينتمي جغرافياً إلى قرية "السد" التابعة لمركز قليوب بمحافظة القليوبية، بينما يشغل حالياً منصباً في الإدارة العامة لشرطة النقل والمواصلات.
- الضابط مصطفى مصطفى داوود (المعروف حركياً باسم "عمرو المهدي"): ضابط شرطة يعمل في قطاع الأمن الوطني التابع لإدارة البحث الجنائي، وبرز اسمه كأحد العناصر الفاعلة في ترتيب وتوثيق عمليات الملاحقة والقبض.
- الضابط محمود محمد (المعروف حركياً باسم "محمد خفاجي"): ضابط شرطة يخدم في قطاع الأمن الوطني ضمن إدارة البحث الجنائي، وتنسب إليه المنصات الحقوقية دوراً مباشراً في الإشراف على مسرح الواقعة.
- الضابط حسام النجار: ضابط شرطة يخدم في القوة الأمنية التابعة لمديرية أمن القليوبية، وشارك ميدانياً في تنفيذ المأمورية الأمنية التي استهدفت منزل الضحايا.
- أمين الشرطة أسامة الجزار: أحد الأفراد الميدانيين العاملين في وحدة مباحث القناطر الخيرية، والذي رافق القوة المقتحمة وشارك في إجراءات القبض والاحتجاز الأولية.
المتهمون بالمسؤولية المباشرة
وتؤكد المنصات الحقوقية أن رصد هذه الأسماء وتحركاتها يهدف إلى توثيق الجرائم لتقديمها للمحاكم الدولية مستقبلاً، وكسر جدار السرية الذي تفرضه وزارة الداخلية على ضباطها المتورطين في جرائم التعذيب والإخفاء القسري.
واقعة "كريم محمد" وقضية "جيل زد" الرقمية
لا تقتصر الانتهاكات على الحالات السابقة؛ بل يرصد التقرير نمطاً متكرراً من القمع المتصاعد حيث تابع مركز الشهاب وفاة الشاب كريم محمد داخل حجز قسم شرطة السلام ثان وسط اتهامات عائلية مباشرة للضباط بالتعذيب المادي، في مقابل رواية رسمية من رئيس المباحث تدعي كذباً وفاته نتيجة مشاجرة داخل الحجز للتملص من المسؤولية الجنائية.
واعتبر المركز ما تم توثيقه جرائم قتل خارج القانون وتستر على الجناة، يطالب المجتمع الحقوقي بالآتي بفتح تحقيق قضائي مستقل ومحايد تحت إشراف أممي في ظروف وفاة الصيدلي عمرو هيكل والشاب كريم محمد، ووقف ادعاءات "الاشتباكات المسلحة" المزيفة في تصفية شباب أسيوط.
ودعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن الدكتورة دينا عبد الرحمن لتقديم الرعاية الطبية اللازمة لها.
وطالبت المنظمات بإخضاع كافة مقار الاحتجاز وأقسام الشرطة لرقابة مباشرة ودورية من منظمات حقوق الإنسان المستقلة والنيابة العامة لمنع التعذيب الممنهج.
كما دعمت جهود التوثيق الأهلي لأسماء الضباط المتورطين لضمان تقديمهم للعدالة الجنائية الدولية ومكافحة الإفلات من العقاب.