حادثة مقتل بائعة الشاى فى منطقة حدائق الأهرام مؤخراً لم تكن إلا أحدث حلقة فى مسلسل جرائم الأطفال فى زمن الانقلاب، فقد سبقها الكثير والكثير من الجرائم خلال السنوات القليلة الماضية، من أبرزها الجريمة المروعة فى الإسماعيلية عندما قتل طفل زميله فى المدرسة وقطع جثته بالمنشار، وقبلها مقتل شاب أطلق عليه «شهيد الشهامة» على يد 3 أطفال لم تتجاوز أعمارهم الـ18 عاماً، بالإضافة إلى جريمة بورسعيد التى تم تنفيذ حكم الإعدام فى قاتلة والدتها بينما نجا شريكها لأنه لم يكن يبلغ الثامنة عشرة وقت وقوع الجريمة.
هذه الحوادث المتكررة أثارت الكثير من الغضب فى الشارع المصرى، حيث طالب المواطنون حكومة الانقلاب بالسيطرة على مرتكبى الجرائم من الأحداث الذين يحميهم القانون باعتبارهم أطفالاً، ولا تطبق عليهم عقوبة المؤبد أو الإعدام مثل البالغين.
قانون الطفل
من جهته، قال أستاذ القانون الدولى والمحامى بالنقض الدكتور صلاح الطحاوى، إننا بحاجة ماسة إلى تعديل قانون الطفل، مؤكداً أن هذا التعديل لا يتعارض مع الدستور أو اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالطفل.
وأكد الطحاوى فى تصريحات صحفية، أن الحل موجود داخل اتفاقية الأمم المتحدة نفسها، مشيراً إلى أن القول يأن برلمان السيسي لا يستطيع تعديل قانون الطفل بسبب النص على أن سن الطفل فى الدستور ما دون 18 عاماً واتفاقية الأمم المتحدة التى وقعت عليها مصر تنص أيضاً على أن عمر الطفل هو ما دون الـ18 عاماً غير دقيق .
وأضاف : الاتفاقية نفسها فى مادتها الأولى تنص على أن الطفل هو من لم يبلغ 18 عاماً، لكنها فى الفقرة الثانية من نفس المادة تنص على «أو بلغها طبقاً لقانون دولته»، وإذا نظرنا إلى الدول المجاورة فسنجد أن بعض دول الخليج مثل السعودية والإمارات تنص على أن الطفل هو من لم يبلغ 15 عاماً، رغم أن هذه الدول وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة للطفل ، وبالتالى هى لم تخالف الاتفاقية الدولية.
بند الفقر والاحتياج
وتابع الطحاوى: نحن بحاجة ماسة إلى تعديل هذا القانون لمواجهة كثرة الجرائم التى يرتكبها من لم يبلغ الثمانية عشر عاما، خاصة وأن بعض الجناة يستغلون هذه السن فى ارتكاب جرائم كبيرة مستغلين أن الطفل فى الجرائم الكبيرة مثل القتل لا يُعاقب بالإعدام أو المؤبد كما يحدث مع الشخص البالغ وإنما يُعاقب بـ15 عاماً فقط .
ولفت إلى أنه أحيانا يتم استغلال بعض الأطفال لارتكاب مثل هذه الجرائم من جانب الجناة تحت بند الفقر والاحتياج مقابل تولى الإنفاق على أسرهم وذويهم فيما بعد، وبالتالى كثرة الجرائم تجعلنا نسرع فى تعديل هذا القانون.
جرائم الأحداث
وقال أستاذ القانون الجنائى الدكتور أحمد القرمانى، إن أى تعديل دستورى أو تشريعى يتعلق بسن الطفل أو المسئولية الجنائية يجب أن يكون ثمرة حوار وطنى واسع يشارك فيه رجال القانون والقضاء وعلماء النفس والاجتماع وخبراء التربية ومؤسسات حماية الطفل.
وأضاف القرمانى فى تصريحات صحفية، المجتمع يحتاج إلى تشريعات تحقق الردع وتحمى الأمن العام، لكنه يحتاج فى الوقت نفسه إلى الحفاظ على فرص الإصلاح والاندماج للأجيال الجديدة، مشيراً إلى أن النجاح الحقيقى لأى سياسة جنائية لا يُقاس بعدد العقوبات المشددة، بل بقدرتها على منع الجريمة قبل وقوعها، وحماية المجتمع مع الحفاظ على العدالة والإنسانية فى آن واحد.
وأكد أن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً ملحوظاً فى بعض الجرائم التى يكون أطرافها من الأحداث الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر، سواء كانت جرائم عنف أو سرقات أو جرائم إلكترونية أو جرائم مرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعى.
وأوضح القرمانى أن ذلك أثار نقاشاً مجتمعياً وقانونياً حول مدى ملاءمة الإبقاء على المعاملة القانونية ذاتها لجميع من هم دون الثامنة عشرة، بصرف النظر عن درجة النضج والإدراك التى يتمتع بها بعض المراهقين فى الفئة العمرية من ستة عشر إلى ثمانية عشر عاماً.
وأشار إلى أن العالم تغير بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، فالشاب الذى يبلغ السادسة عشرة اليوم يمتلك من وسائل المعرفة والتواصل والخبرة الحياتية ما لم يكن متاحاً لمن هم فى العمر نفسه قبل عشرات السنين، مؤكدا أن انتشار التكنولوجيا والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعى جعل بعض المراهقين أكثر قدرة على فهم نتائج أفعالهم وآثارها القانونية والاجتماعية.
حوار تشريعى
وطالب القرمانى بضرورة فتح حوار تشريعى ودستورى جاد حول إمكانية إعادة النظر فى بعض الأحكام المتعلقة بالمسئولية الجنائية للأحداث، خاصة فى الجرائم الجسيمة التى تنطوى على قدر كبير من الإدراك والتخطيط والإرادة الحرة، مشيراً إلى أن التفرقة بين طفل فى العاشرة أو الثانية عشرة من عمره وبين مراهق بلغ السادسة عشرة أو السابعة عشرة أصبحت ضرورة تفرضها اعتبارات العدالة وحماية المجتمع.
وتابع: لا يعنى ذلك بالضرورة إلغاء الحماية القانونية المقررة للأطفال، وإنما قد يتطلب إيجاد نظام قانونى أكثر تدرجا يُراعى الفروق العمرية ومستوى الإدراك والنضج العقلى، فقد يكون من الملائم منح القضاء سلطة أوسع فى تقدير المسئولية الجنائية للمراهقين فى الجرائم الخطيرة، مع الإبقاء على الضمانات الأساسية التى تمنع التعسف وتحافظ على فرص الإصلاح والتأهيل.
ولفت القرمانى إلى أن تشديد المسئولية الجنائية يرجع إلى أن بعض الجرائم الخطيرة أصبحت تُرتكب من قبل أشخاص يعلمون تمام العلم طبيعة أفعالهم ونتائجها، بل قد يستغل بعضهم الحماية القانونية المقررة للأحداث للاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب أو الحصول على معاملة أخف من تلك المقررة للبالغين، كما أن الضحايا وأسرهم قد يشعرون أحياناً بعدم التوازن بين جسامة الجريمة والعقوبة المقررة لمرتكبها إذا كان حدثاً قريباً من سن الرشد.
وحذَّر من أن خفض سن الطفل أو التوسع فى العقوبات الجنائية قد يؤدى إلى نتائج عكسية، إذ إن فلسفة عدالة الأحداث تقوم أساساً على الإصلاح وإعادة الدمج فى المجتمع، لا على العقاب وحده، موضحا أن الدراسات الجنائية والنفسية تشير إلى أن الشخصية الإنسانية لا تكتمل بصورة نهائية فى مرحلة المراهقة، وأن كثيراً من الأحداث الذين يرتكبون أخطاء جسيمة يمكن إصلاحهم وإعادتهم إلى الطريق الصحيح إذا توافرت برامج التأهيل المناسبة.
وشدّد القرمانى على أن مواجهة جرائم الأحداث لا تتحقق من خلال العقوبات وحدها، وإنما تحتاج إلى دور فعال للأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية،مؤكدا أن التربية السليمة والرقابة الواعية والتوجيه الفكرى والنفسى تمثل خط الدفاع الأول ضد الانحراف والجريمة، كما أن مكافحة المحتوى الضار على الإنترنت، والتصدى لظواهر التنمر الإلكترونى والمراهنات الإلكترونية وتعاطى المخدرات الرقمية والجريمة المنظمة عبر الشبكات الإلكترونية، تعد من أهم أدوات الوقاية الحديثة.