فى زمن الإنجازات الوهمية.. وزارة التعليم العالى تعتمد على تصنيفات مضروبة للجامعات المصرية

- ‎فيتقارير

فى زمن الإنجازات الوهمية التى تستهدف خداع الشعب المصرى وتغييب وعيه تلجأ حكومة الانقلاب إلى نشر أرقام وإحصائيات وتصنيفات تزعم أنها تشير إلى حدوث تقدم فى هذا المجال أو ذاك على عكس الواقع الذى يشهد انهيارا وتراجعا غير مسبوق فى كل القطاعات .

فى هذا السياق جاءت فضيحة اعتماد وزارة التعليم العالي بحكومة الانقلاب على تصنيفات مزيفة وغير حقيقية تشير إلى تقدم الجامعات المصرية بين الجامعات العربية والعالمية حيث وقعت الوزارة في فخ النقل عن مصدر غير موثوق، عقب إعلانها عن إدراج 10 جامعات مصرية في تصنيف «ويبوميتريكس العالمي» ضمن أفضل 1000 جامعة في العالم.

ورغم شهرة تصنيف «ويبوميتركس»، إلا أن وزارة التعليم العالي بحكومة الانقلاب لجأت إلى نقل أرقام وهمية عبر مواقع غير رسمية تنتحل صفة التصنيف العالمي.

الخبراء من جانبهم اعتبروا وقوع الوزارة في فخ المواقع المنتحلة، كان بسبب عدم اكتراثها بالتدقيق بشأن تصنيف «ويبوميتركس» الأصلي، وإلا كانت قد علمت أن القائمين على المشروع، قرروا منذ تصنيف يوليو 2025، تغيير منهجية التصنيف لتعتمد على قواعد بيانات جديدة من «open Alex» وهي قاعدة بيانات مفتوحة للأبحاث والاستشهادات العلمية، بدلًا من استخدام بيانات الباحث العلمي من «جوجل سكولار»، وهو محرك بحث مجاني مخصص للبحث في المؤلفات العلمية والأكاديمية.

 

ويبوميتريكس

كان إيسيدرو أجويلو ناشر تصنيف «ويبوميتركس» الأصلي ، قد نشر عبر حسابه على منصة «X» مستندا يكشف ترتيب الجامعات المصرية، في إصدار يناير 2026 من تصنيف ويبوميتريكس للجامعات، ووفقًا للتصنيف جاءت جامعة القاهرة بالمركز 456 عالميًا والرابع عربيًا، وتلتها جامعة الإسكندرية بالمرتبة 592 عالما والسادس عربيًا، في حين جاءت جامعة المستقبل بالترتيب 831 عالميًا و15 عربيًا، تلتها جامعة المنصورة بالمركز 839 عالميًا والـ16 عربيًا، وجامعة عين شمس بالترتيب 856 عالميًا والـ18 عربيًا، وتذيلت جامعة أسوان القائمة بحصولها على المركز 2082 عالميًا و81 عربيًا.

فى المقابل جاءت الأرقام الوهيمة التي أعلنتها الوزارة في بيانها لتزعم حصول جامعة القاهرة على المركز 405، والإسكندرية 517، والمستقبل 667، وعين شمس 658، والمنصورة 662، وأسوان بالمركز 1517، على خلاف ما أظهره التصنيف الأصلي.

 

علامات استفهام

من جانبه أكد الدكتور محمد عبدالعزيز الأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس أن سمعة الجامعات المصرية أمن قومي، ويجب تحري الدقة فيما يُنشر بشأنها، معتبرا أن نشر تصنيفات وهمية يشير إلى أن هناك علامات استفهام، ومن المفترض أن توضح الوزارة حقيقة ما حدث .

وقال «عبدالعزيز» فى تصريحات صحفية : من المفترض أن كل جامعة لديها قاعدة بيانات خاصة بها، ومع بدء دخولها عملية تقييم تصنيف عالمي، يجب أن تكون الجامعة أو المؤسسة على علم بالمؤسسة أو الجهة المنوطة بالتقييم، ومعايير التقييم التي تعتمد عليها، مثل مستوى الخريج أو عدد التخصصات، وهكذا..

وأوضح أن الإجراء السليم يقتضي أن تلجأ وزارة التعليم العالي بحكومة الانقلاب أو الجامعة أو مجلس الجامعات، إلى هيئات ضمان الجودة والاعتماد المعترف بها دوليًا، باعتبارها الجهات المختصة بإجراء التقييمات والتصنيفات وفق معايير علمية معتمدة، مع ضرورة التحقق أولًا من مصداقية هذه الهيئات والتأكد من أنها جهات رسمية وليست كيانات أو مواقع غير موثوقة .

وشدد «عبدالعزيز» على ضرورة دراسة المعايير التي تعتمدها تلك الهيئات في إعداد التصنيفات، ثم إعداد ملفات الجامعات واستيفاء البيانات والوثائق المطلوبة بما يتوافق مع هذه المعايير، لتتولى الجهة المختصة بعد ذلك تقييم المؤسسات الأكاديمية وإصدار التصنيف وفقًا للنتائج المستحقة، وهو المسار المتبع دوليًا لضمان نزاهة ودقة التصنيفات الجامعية.

 

تخريج كوادر مؤهلة

قال الدكتور وائل كامل أستاذ التربية الموسيقية بجامعة حلوان إن ما حدث لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خطأ في نقل ترتيب جامعة أو رقم داخل تصنيف، بل هو انعكاس لحالة من الهوس بالتصنيفات الدولية على الأسس التي تقوم عليها الجامعات القادرة على المنافسة عالميًا .

وكشف «كامل» فى تصريحات صحفية أن الجهات المعنية صبَّت اهتمامها خلال السنوات الأخيرة، على تحسين ترتيب الجامعات بالمؤشرات الدولية، مقابل إهمال الاهتمام ببناء جامعة قادرة على تخريج كوادر مؤهلة، وإنتاج بحث علمي يساهم فى حل مشكلات المجتمع، وتوفير بيئة أكاديمية تُمكّن عضو هيئة التدريس من المنافسة والإبداع.

وتساءل «كامل» هل أصبحت غاية التعليم العالي في مصر هي معرفة ترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية من عام إلى آخر، أم أن الهدف الحقيقي يتمثل في بناء جامعة تنتج خريجًا قادرًا على التفكير والابتكار، وباحثًا يسهم في التنمية، وأستاذًا جامعيًا يمتلك مناخًا مهنيًا واقتصاديًا يتيح له التفرغ للبحث والتدريس، بدلًا من الانشغال بالبحث عن مصادر دخل إضافية لتلبية متطلبات المعيشة؟

وأشار إلى أن الكثير من الجامعات المرموقة، أعادت النظر فى جدوى التصنيفات الدولية، ما أدى إلى انسحابها من بعض التصنيفات أو انتقدت اعتمادها على مؤشرات كمية لا تعكس بالضرورة جودة التعليم أو البحث العلمي، لا سيَّما وأنها تختزل أداء الجامعة في ترتيب رقمي لا يقدم صورة حقيقية عن مستواها الأكاديمي.

 

جودة العملية التعليمية

وأوضح «كامل» أن هناك خلطًا شائعًا حول طبيعة التصنيفات الجامعية، مؤكدا أن تصنيف «ويبوميتركس» لا يقيس جودة المناهج أو كفاءة الخريجين أو مستوى التدريس أو الأثر المجتمعي للجامعة، وإنما يركز بصورة أساسية على الحضور الرقمي للمؤسسة الأكاديمية ومحتواها المنشور على شبكة الإنترنت.

وأكد أن التحسن في ترتيب الجامعات في تصنيف «ويبوميتركس» يعكس في أحيانٍ كثيرة تطورًا بالتحول الرقمي وإتاحة المحتوى العلمي والخدمات الإلكترونية، ورغم أنه أمر إيجابي لكنه لا يمثل مؤشرًا مباشرًا على جودة العملية التعليمية أو مستوى البحث العلمي.

واعتبر «كامل» أن استناد وزارة التعليم العالى بحكومة الانقلاب إلى مواقع مزيفة أو منتحلة لصفة الموقع الرسمي لتصنيف «ويبوميتركس»، ليس مجرد خطأ فى نقل البيانات، ولكن يثير تساؤلات بشأن آليات التحقق من المصادر التي تستند إليها البيانات الرسمية، خصوصًا في ظل التعديلات التي طرأت على منهجية تصنيف «ويبوميتركس» منذ يوليو 2025، فضلًا عن إتاحة النتائج الكاملة من خلال اشتراك مدفوع، مقابل استمرار بعض المواقع غير الرسمية في تداول بيانات قد لا تتوافق مع المنهجية الجديدة.

وقال إن غياب أي تصحيح أو توضيح رسمي من الوزارة، يثير تساؤلات إضافية بشأن آليات مراجعة البيانات الرسمية ومساءلة المسئولين عن إصدارها، مُشددًا على أن القضية الأهم لا تتعلق بالتصنيفات، ولكن بمدى توافر مقومات المنافسة الحقيقية داخل الجامعات، والتي لن تتحقق إلا من خلال توفير بيئة أكاديمية مستقرة.