أثار إعلان وزارة داخلية السيسي عن مقتل خمسة أشخاص من قبيلة الحويطات في منطقة القطامية بالعاصمة القاهرة موجة عارمة من الجدل والتفاعل الحاد على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة "إكس" (تويتر سابقاً).
وبينما تمسكت الرواية الرسمية للأجهزة الأمنية بكون القتلى عناصر إجرامية شديدة الخطورة متورطة في قضايا سابقة وتدير تشكيلاً عصابياً مسلحاً، علت أصوات عائلة الحويطات وعدد من النشطاء والحقوقيين لتفنيد هذه الادعاءات، معتبرين أن ما جرى هو عملية "تصفية جسدية خارج إطار القانون" استهدفت شباناً أبرياء يعملون حراساً لمصنع تحت الإنشاء.
وقوبلت الرواية الأمنية برفض قاطع وغضب واسع من قبل أبناء قبيلة الحويطات والمتضامنين معهم على منصات التواصل الاجتماعي. وقد اعتبر الحساب المنسوب لعائلة الحويطات والنشطاء المنتمين للقبيلة أن الاتهامات الموجهة لأبنائهم باطلة وعارية عن الصحة تماماً، ومحض افتراءات تهدف لتبرير مقتلهم.
وفي هذا السياق، دوّن الناشط أحمد يونس الحويطات عبر حسابه على منصة إكس مندداً بالحادث ومعتبراً أن "خيرة شباب قبيلة الحويطات قتلوا ظلماً وعدواناً"، مستشهداً بالآية القرآنية: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، ومشيراً إلى الرواية الرسمية.
https://x.com/AhmedYo17284434/status/2085016490919542917
كما تصاعدت الأصوات القبلية المطالبة بكشف الحقيقة الكاملة وفتح تحقيق مستقل وشفاف. وقد وثق حساب "مصر عربي" هذا الغضب القبلي، مشيراً إلى أن قبيلة الحويطات في مصر أصدرت مطالبات واضحة للدولة بالتحقيق في تصفية الشرطة لشبابها، مع وجود قناعة تامة بعدم صحة رواية تبادل إطلاق النار، والتمسك بأن الواقعة ترقى لمستوى الإعدام الميداني خارج إطار القانون..
https://x.com/daftrkhana/status/2084595719151755690
وقالت @daftrkhana "قبيلة الحويطات في مصر تطالب الدولة بتحقيق شفاف في تصفية الشرطة لخمسة شباب من أبنائها أمس بالقطامية في القاهرة. القبيلة غير مقتنعة برواية الداخلية حول مقتلهم في تبادل لإطلاق النار وتزعم أن الواقعة تصفية جسدية خارج إطار القانون".
وأضاف @S22MohmmedS ".. فى شباب من قبيلة الحويطات تم تصفيتهم من قبل الداخليه مالهم اي دخل ولا ذنب الا أنهم من البدو وهما بدهم يصفوا القبائل بسيناء حتي يخلو الجو لزعيم العصابه وشلته ويتم إتمام صفقه القرن اتمني تتحدث عنهم انت وكل من تعرفهم من الحسابات الكبيره".
حراس مصنع أم عناصر إجرامية؟
وكشفت التقارير الحقوقية ومنشورات النشطاء عن الهويات الحقيقية للضحايا الخمسة، وهم محمد أبو متروك الغنامي الحويطي وأحمد حامد أبو متروك الغنامي الحويطي وناصر أبو عيد القعيص الغنامي الحويطي ومحمد أبو سليمان الشلح الغنامي الحويطي وحمد أبو إبراهيم الشلح الغنامي الحويطي.
وعلى عكس ما أورده بيان وزارة الداخلية بشأن تورطهم في جرائم خطيرة، أكدت منظمات حقوقية، من أبرزها "مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، والحقوقي عمر الفطايري ·@OElfatairy أن الشبان الخمسة كانوا يعملون في الواقع حراسًا لأحد المصانع في محيط منطقة التجمع الخامس والقطامية، وليسوا عصابة مسلحة. وأكد المركز أن مقتلهم في ظل هذه الظروف المتضاربة يُشكل انتهاكاً جسيماً للحق في الحياة، داعياً إلى ضرورة فتح تحقيق فوري ومستقل لكشف الملابسات، ومحاسبة المتورطين، وضمان عدم إفلات أي طرف من العقاب وفقاً للدستور والمعايير الدولية.
تصدع العلاقة مع القبائل
وشهدت منصة إكس نقاشات موسعة شارك فيها ناشطون وباحثون في الشأن القبلي والسياسي. حيث علق الناشط "سلطان ولد سيناء" @Sinai_my_heart موضحاً (قبل الحادث بساعات) الخصوصية الاجتماعية والثقافية لقبائل البدو في مصر وسيناء، مثل الحويطات والترابين والسواركة وبلي وغيرها، مشيراً إلى الروابط العميقة التي تجمع هذه القبائل بامتداداتها التاريخية والاجتماعية، ومحذراً من أي تعامل أمني خشن قد يُفاقم الاحتقان بين الدولة والمجتمعات القبلية.
من جانبها، انخرطت الناشطة علياء أبوتايه الحويطي في النقاش بتغريدات حادة تدافع فيها عن إرث قبيلة الحويطات وتاريخها، مستنكرة الطريقة التي يتم بها التعامل إعلامياً وأمنياً مع أبناء القبائل، ومطالبة بإنصاف الضحايا ووقف ما وصفته بالاتهامات الجزافية التي تهدف للنيل من مكانة أبناء البدو وتاريخهم العريق.
وفي المقابل، ظهرت أصوات أخرى على منصة إكس تميل إلى التشكيك في روايات الأهالي أو دعم الإجراءات الأمنية بحجة وجود سجلات جنائية سابقة لبعض الأفراد، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد للرواية الرسمية التي تتحدث عن استهداف بؤرة إجرامية مسلحة، وبين رافض لها يراها "تصفية ممنهجة" تستهدف أبناء القبائل.
أزمة تتطلب الشفافية والمصارحة
ونشرت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية بحكومة السيسي بياناً تفصيلياً حول الواقعة، مؤكدة أن العملية جاءت في إطار توجيه الضربات الاستباقية للعناصر الإجرامية شديدة الخطورة. وبحسب البيان، فإن تحريات مديرية أمن القاهرة دلت على قيام تشكيل عصابي يضم خمسة عناصر سبق اتهامهم والحكم عليهم في قضايا أبرزها السرقة بالإكراه، تجارة المخدرات، السلاح، الخطف، وهتك العرض، باتخاذ مصنع تحت الإنشاء في دائرة قسم شرطة القطامية مقراً لنشاطهم الإجرامي وفرض السيطرة وترهيب المواطنين.
وزعمت داخلية السيسي "أنه عقب تقنين الإجراءات وإعداد الأكمنة اللازمة لاستهدافهم، بادر المتهمون بإطلاق الأعيرة النارية تجاه القوات فور استشعارهم وجودها، مما دفع القوات للتعامل مع الموقف، وأسفر تبادل لإطلاق النار عن مصرع العناصر الخمسة. وأعلنت الأجهزة الأمنية عن ضبط ترسانة أسلحة شملت 8 بنادق آلية، وطبنجه، وكمية كبيرة من الذخيرة، إلى جانب 8 سيارات غير مرخصة جاري فحص ملكيتها".
رفض قاطع للرواية الأمنية ومطالب بالقصاص
تبقى واقعة القطامية ومقتل أبناء الحويطات الخمسة واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الشارع المصري خلال الفترة الحالية، في ظل تباين صارخ بين السردية الرسمية للأجهزة الأمنية التي تؤكد خوض اشتباك مسلح مع تشكيل عصابي خطير، وبين السردية الحقوقية وأقوال العائلة التي تؤكد براءة الشبان وكونهم عمال حراسة بُسطاء صفوا دماءهم ظلماً.
إن حجم الاتهامات المتبادلة والتشكيك الواسع يستدعيان -بحسب الهيئات الحقوقية وأهالي الضحايا- تحقيقاً جنائياً نزيهاً وعلنياً يضع الحقائق أمام الرأي العام ويفسد أي محاولات لتأجيج الغضب القبلي.