استهلت الدراسة الأكاديمية المعمقة التي أعدها الأستاذ الجامعي كمال الجندي بتقديم حصيلة النتائج المستخلصة من تتبع أزمة الاستقطاب الشامل في مصر، تلتها منظومة التوصيات الضرورية للخروج من هذا المأزق التاريخي.
وقد توصلت الدراسة في محور نتائجها الأساسية إلى أن استدامة الصراع الوجودي بين السلطة السياسية وجماعة الإخوان المسلمين وتحويله إلى حرب أمنية ممتدة يمثلان العائق الأكبر أمام أي مشروع نهضوي حقيقي للوطن.
وبينت النتائج أن الدولة المصرية تُدار تحت وطأة استنفار أمني دائم يصادر المجال العام، ويُعطل استحقاقات البقاء الأساسية كالصحة والتعليم، ويكرس الارتهان للديون والسياسات غير المنتجة تحت مبرر فزاعة العدو الداخلي.
كما خلصت الدراسة إلى أن المقاربة الأمنية البحتة والاعتماد على القوة الغاشمة والحلول القمعية وسجون الاحتجاز لا تنهي الأفكار ولا تمحو التنظيمات من الوجدان الجمعي، بل تؤدي إلى عكس ذلك تماماً عبر إنتاج سيكولوجيا مظلومية صلبة متوارثة عبر الأجيال تحول التمسك بالمبدأ إلى عقيدة وجودية.
نداء الضمير الوطني
وأبرزت الدراسة نداء للضمير الوطني من أكاديمي بجامعة الاسكندرية يفصل بوضوح بين الخلاف السياسي واستباحة الدم، مؤكدة أن الاختلاف مع الإخوان مهما بلغ لا يبرر قتل أي مواطن خارج القانون سواء بالرصاص الحي في الميادين أو بالإهمال الطبي داخل المعتقلات.
وترفض الدراسة بشدة ما تسميه التكفير الوطني وإلصاق تهم الخيانة والإرهاب بعشرات الآلاف من المواطنين لمجرد انتمائهم الفكري، مشددة على أن الوطن لا يُبنى بشيطنة المخالفين بل بحماية حق كل مصري في الحياة والكرامة والعدالة، مهما احتدم الخلاف الفكري والثقافي بين أبناء الوطن الواحد.
نتائج التحليل
وأثبتت نتائج التحليل أن السلطة السياسية عمدت إلى هندسة الكراهية وتزييف الوعي الجمعي لتضخيم المخاوف الشعبية المشروعة وتحويلها إلى فوبيا وجودية تبرر التنازل عن الدستور والحقوق.
وفي المقابل، تضمنت توصيات الدراسة ضرورة العودة الفورية إلى منطق الدولة الوطنية الديمقراطية التي تواجه الأفكار بالسجال الفكري المفتوح والمواجهة بالحجة والبرهان بدلاً من البطش.
وأوصت بضرورة احترام حق الاختلاف السياسي كحق أصيل لكل مواطن، ورفض سياسة التكفير الوطني وإلصاق تهم الإرهاب بالخصوم السياسيين خارج إطار العدالة، إلى جانب طي صفحة الانتقام والشخصنة، وحماية حق كل مصري في الحياة والكرامة والعدالة، والبدء في ترميم النسيج الاجتماعي الممزق ووضع التنمية الشاملة فوق الاعتبارات الأمنية الضيقة.
إشكالية الاستقطاب الشامل
وتنطلق الدراسة من إشكالية هيكلية حاسمة في العقل السياسي والمجتمعي المعاصر، ترتكز على التكلفة الباهظة لاستمرار أزمة الاستقطاب وتحويل الخلاف مع تيار الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، من خلاف سياسي وثقافي يتقبل التدافع إلى حالة حرب أمنية وجودية ممتدة.
ويرى "الجندي" أن تحليله ":لا ينطلق من أي تعاطف أيديولوجي مع تنظيم أثبتت التجربة التاريخية قصور رؤيته وممارساته أثناء تواجده في السلطة، بل ينبع حصراً من منظور الواقعية الوطنية التي ترى أن تغذية الانقسام أصبحت العائق الأكبر أمام النهضة" بحسب نص ما نشر.
ويعتبر أن استمرار الاستنفار أمني دائم يبرر الاستبداد ويغيب المحاسبة والحوكمة، متخذاً من فزاعة العدو الداخلي مسوغاً أوحداً لاستمرار الوضع القائم.
وتؤكد الدراسة أن السجون والقتل العشوائي ومشاهد الدم الممتدة منذ فض اعتصامات رابعة صيف 2013 لا تنهي العقائد، بل تورث المظلومية وتجعل الانتماء عقيدة دفاعية يصعب محوها، فضلاً عن أن محاولة إبادة فصيل يشكل امتداداً لشريحة اجتماعية واسعة في الطبقة الوسطى والريف تعمق جراح السلم الأهلي وتفكك مفهوم المواطنة الجامعة.
صراع الهيمنة واحتكار الشرعية بين السلطة والإخوان
وتتجه الدراسة البحثية القائمة على "التحليل" العلاقة التاريخية بين السلطة والإخوان باعتبارها صراعاً محورياً على احتكار السلطة والشرعية، فقد اتسمت هذه العلاقة دائماً بثنائية بنيوية صلبة تقوم على سلطة سياسية تستمد مشروعيتها من حماية الدولة المركزية ومؤسساتها النواة كالجيش والشرطة، في مواجهة تنظيم عقائدي مغلق يمتلك شبكات موازية ويطرح مشروعاً يتجاوز بمرجعياته حدود الدولة الوطنية الشاملة، بحسب المنشور.
ويرى أن أدوات التعامل مع الجماعة؛ تراوحت بين الاحتواء المشروط والتصفية الشاملة كلما شعر النظام بتهديد مباشر لعرشه. وفي المقابل، عجزت جماعة الإخوان تاريخياً، لا سيما أثناء وصولها لسدة الحكم عقب ثورة يناير، عن الانتقال من منطق التنظيم العقائدي السري الحريص على البقاء إلى منطق رجال الدولة المستوعبين للتنوع والمؤسسية.
ويرى أن "الفشل الهيكلي" منح السلطة السياسية الذريعة لصياغة عقيدة أمنية جديدة ترى في القضاء التام على الإخوان شرطاً لوجود السلطة ذاتها، مما جعل معركة الاجتثاث الركيزة الأساسية لشرعية النظام الراهن ومسوغ مصادرة المجال العام." بحسب ما كتب.
تفكيك الوعي الجمعي
وتناول الأكاديمي ما زعم أنه كراهية "الشارع" للإخوان، وتوزعها على فئات مجتمعية رئيسية شعرت بتهديد مباشر لنمط وجودها حيث تناولت الدراسة بعمق هذه الأسباب.
ويرى أنه "تمثلت الفئة الأولى في الطبقة الوسطى والقطاع المدني الذي دافع عن نمط الحياة الاجتماعي والقيم المدنية ضد محاولات الجماعة فرض وصاية أخلاقية ودينية ذات طابع مغلق تصادمت مع التدين المصري القائم على المرونة والتعايش، مما خلق حالة دفاعية حادة لدى هذه الطبقة.
وتمثلت الفئة الثانية في الفئات الشعبية والبسيطة في الريف والحضر المرتبطة وجدانياً بمفهوم الدولة المركزية الصلبة، حيث شكل الخطاب الإخواني العابر للحدود صدمة للوعي الشعبي الملتصق بالتراب الوطني، مما دفع هذه الفئات للالتفاف حول أجهزة الدولة بوصفها الحامي الوحيد لاستمرار وجود الوطن.
أما الفئة الثالثة فشملت الأقليات والفئات الخائفة على المستقبل والتي رعبها اندفاع الجماعة نحو الهيمنة الإدارية والدستورية والتحالف مع التيارات الراديكالية إيذاناً بقيام دولة عقائدية تقصي المخالفين.
غير أن الدراسة تفند وهم شرعية الخوف عبر كشف أن السلطة السياسية عمدت إلى هندسة هذه الكراهية وتضخيمها إعلامياً وشعبياً لتحويل مشكلات سياسية وثقافية طبيعية يفترض علاجها بالحوار إلى فوبيا وجودية تبرر التنازل عن الحقوق والحريات.
المظلومية وتوارثها عبر الأجيال
وفي محور سيكولوجيا المظلومية وتوارثها، تفند الدراسة أسطورة المقاربة الأمنية القائمة على ظن قاصر بأن الإفراط في القوة الغاشمة يحسم المعارك الفكرية.
ويشير الكاتب إلى أن مشاهد الدم وحملات الاعتقال والتضييق لا تُنهي الأفكار بل تُورّث المظلومية وتُصلّب العود، حيث تنشأ لدى العائلات التي فقدت أبناءها حالة صدمة متوارثة تحول التمسك بالفكرة إلى مسألة وجود ووفاء أخلاقي لذكرى الضحايا.
ويؤكد أن الحرمان من التواجد في المجال العام يمنح الحركة شرعية أخلاقية مصطنعة تغطي على قصورها، وتصنع أجيالاً أكثر راديكالية وأشد كفراً بالعمل السياسي الديمقراطي.
ومن هذين الهدفين، تؤكد الدراسة على حق الاعتقاد وحتمية الصراع الفكري المفتوح، مشددة على أن تمكين أي مواطن من حمل رؤى وتصورات هو حق أصيل، وأن مواجهة الأفكار لا تكون بالرصاص والسجون بل بالسجال الفكري الحر والمناظرة العلنية التي تكشف القصور، بينما يعكس اللجوء للبطش عجزاً عن بناء حجة فكرية متماسكة.
إهدار طاقات الأمة
وتطرقت الدراسة كذلك إلى التكلفة الاقتصادية والتنموية الباهظة للاستقطاب، حيث تُهدر طاقات الأمة وتُوجَّه الموارد نحو بناء السجون وإحكام السيطرة الأمنية على حساب التعليم والصحة والتمويل الذاتي للاقتصاد.
ويتضاعف هذا الاستنزاف بإبعاد آلاف الكفاءات الوطنية من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات قابعين خلف الأسوار لأسباب أيديولوجية، وهو ما يُعد إهداراً صريحاً لأهم مقومات الثروة البشرية التي تمتلكها مصر، بحسب "الجندي".
ويلفت إلى أن إبعاد هذه الكفاءات وتهميشها لحساب الهواجس الأمنية يمثل تضحية مجانية بأمل التنمية الذاتية لصالح استمرار حالة الانتقام والشخصنة التي تعزل الأمة عن مستقبلها